مركز بيرسي-كافايون يعيد صياغة العلاقة بين التصميم المستدام والمجتمع المحلي
موقع المشروع وأهميته المجتمعية
وفقًا لوصف المهندسين المعماريين، يقع المشروع في قلب الغطاء النباتي الاستوائي الكثيف في جنوب هايتي، في منطقة نائية يصعب الوصول إليها. هذا الموقع يعكس التحديات والفرص المرتبطة بتصميم مرافق تخدم المجتمعات الريفية، حيث يتيح الاندماج مع البيئة الطبيعية دون التأثير على المناظر المحيطة.
وظائف المشروع
يتكون المرفق من مركز مجتمعي يخدم سكان بيرسي-كافايون الريفي، بالإضافة إلى مكتب جمعية المزارعين المحلية APTEKKA. ويعد هذا المرفق المشترك الوحيد في المنطقة، ما يجعله عنصرًا محوريًا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للسكان المحليين.
الأدوار المتعددة للمركز
صُمم المشروع ليكون منصة متعددة الاستخدامات، تشمل:
• برامج تدريبية للمزارعين وأفراد المجتمع المحلي.
• فعاليات ثقافية تجمع السكان وتُعزز الترابط الاجتماعي.
• اجتماعات جماعية لتعزيز التعاون المجتمعي وتبادل المعرفة.
• مناطق استراحة توفر بيئة مريحة للتفاعل اليومي بين أفراد المجتمع.
دعم المشاريع المجتمعية في ظل التحديات
بتمويل من FOKAL (Fondasyon Konesans ak Libète)، يُعد المشروع واحدًا من ثلاثة مشاريع تقع في شبه جزيرة هايتي الجنوبية. هذه المنطقة تعاني من مستويات عالية من عدم الاستقرار، سواء من الناحية المناخية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، ما يجعل تصميم وتنفيذ مشاريع مجتمعية فعالة أمرًا بالغ الأهمية.
أزمة الأمن الغذائي في الجنوب الريفي
شهدت المناطق الريفية في هايتي، لا سيما الجنوب، تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل مزمن. ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، بما في ذلك المخاطر المناخية المتكررة، وعدم الاستقرار السياسي، والأزمات الاقتصادية المستمرة، مما يضع السكان المحليين في مواجهة تحديات يومية للحصول على الغذاء والحياة المستقرة.
دور المنظمات المحلية في تعزيز الصمود
في هذا السياق، يمثل عمل المنظمات المحلية مثل APTEKKA عنصرًا أساسيًا لدعم المزارعين الصغار. وتشمل جهودها:
• حماية الممارسات الزراعية التقليدية المستدامة.
• تعزيز قدرة المجتمع على الصمود أمام الأزمات المناخية والاقتصادية.
• تمكين المزارعين من مواجهة تحديات الإنتاج الغذائي في بيئة متقلبة.
أهمية التكامل بين التمويل والدعم المحلي
يمثل هذا المشروع نموذجًا للتعاون بين التمويل الخارجي والعمل المحلي، حيث يتيح الجمع بين الموارد والخبرة المحلية تعزيز قدرة المجتمعات الريفية على التكيف والاستمرار، ويُظهر كيف يمكن للمبادرات الموجهة بعناية أن تحقق تأثيرًا مستدامًا في مناطق تواجه تحديات متعددة.
تصميم المركز وتفاعله مع المجتمع المحلي
تم تطوير المركز من خلال تفاعل مكثف مع المجتمع المحلي، لضمان تلبية احتياجات السكان ووظائفهم اليومية. يتألف المبنى من طابقين، حيث صُمم كل طابق وفق استخدام محدد يعكس طبيعة الأنشطة المجتمعية والزراعية في المنطقة.
الطابق الأرضي: مساحة متعددة الاستخدامات
يشمل الطابق الأرضي:
• قاعة متعددة الاستخدامات للفعاليات والتدريب.
• مكتب إداري لتنظيم البرامج والمبادرات.
• كافيتيريا لخدمة الزوار والمشاركين.
الطابق العلوي: تخزين وإقامة مؤقتة
يحوي الطابق العلوي:
• مخازن واسعة لتخزين المنتجات المحلية، مستوحاة من الغالاتا الهاييتية، وهي حظائر حبوب تقليدية تتميز بالتهوية المتقاطعة للحفاظ على المحاصيل.
• مهجع لاستقبال المشاركين القادمين من القرى البعيدة لحضور جلسات التدريب.
التكامل مع البيئة والممارسات المحلية
يحيط بالمبنى شرفة مستمرة توفر حماية وظيفية وجمالية، بينما يدمج التصميم استراتيجيات مستدامة لتحسين الراحة الداخلية، مثل:
• نظام جمع مياه الأمطار من السطح.
• التهوية المتقاطعة وفتحات الحافة لاستخراج الهواء الساخن.
يعكس هذا التصميم الجمع بين المبادئ المحلية والبيوكليمتية للمنازل الاستوائية، مما يضمن راحة المستخدمين ويقلل الاعتماد على أنظمة ميكانيكية مكلفة، مع الاستفادة القصوى من الموارد الطبيعية المتاحة.
التركيز على الاستدامة وسهولة الصيانة
مع مراعاة سهولة الصيانة والاستدامة، ركّز التصميم على استخدام المواد الطبيعية المتاحة محليًا، بهدف تقليل البصمة الكربونية للمشروع وتعزيز التكامل مع البيئة المحيطة.
المواد المستخدمة وإمكانيات إعادة الاستخدام
بالرغم من الاعتماد على الهيكل الفولاذي والسقف، فقد صُمم كل منهما ليكون قابلًا للتفكيك وإعادة الاستخدام، مما يعكس اهتمام المصممين بالمرونة طويلة الأمد للمبنى.
دمج الموارد المحلية في البناء
استُخدمت الحجارة المستخرجة من نهر قريب في تشييد أجزاء من المبنى، بينما أعيد استخدام التربة الناتجة عن الحفر في إعداد الجص الترابي. يعكس هذا النهج قدرة المشروع على الاستفادة من الموارد المحلية وتقليل الهدر، مما يعزز البعد البيئي والاستدامة الاقتصادية في الوقت نفسه.
التحديات المناخية والزلزالية في المنطقة
شهدت المنطقة في السنوات الأخيرة كوارث طبيعية كبرى، منها:
- إعصار ماثيو من الفئة الرابعة في عام 2016.
- زلزال بقوة 7.2 درجة في عام 2021.
تسببت هذه الأحداث في دمار هائل للبنية التحتية والمساكن، مما أظهر الحاجة الملحة لتطوير طرق بناء بديلة ومرنة تتحمل الظروف المناخية والزلزالية القاسية.
تبني نهج البناء الهجين
استلهم المشروع تصميمه من اللاكاي الريفي (المنزل الريفي باللكريول الهايتي)، حيث يعتمد على نهج بناء هجين يجمع بين:
• الخبرة المحلية في أعمال الصلب والهياكل المعدنية.
• التقنيات التقليدية سهلة الصيانة والمعتمدة على الموارد المحلية.
المزايا البنيوية والوظيفية
يضمن هذا النظام مقاومة زلزالية محسنة وراحة حرارية طبيعية، مع إمكانية تكراره بسهولة على المستوى المحلي. كما يعكس هذا النهج تكامل المعرفة التقليدية والخبرة الهندسية الحديثة لتلبية احتياجات المجتمعات الريفية في هايتي بشكل مستدام وعملي.
تحديات التنفيذ على مدار عامين
امتدّ تنفيذ المشروع على مدار عامين كاملين، وشهد العديد من التحديات الطبيعية والاجتماعية. من أبرز هذه التحديات:
• الأمطار الغزيرة والفيضانات المتكررة.
• التحذيرات المستمرة من الأعاصير، بما في ذلك إعصار ميليسا.
• العوائق الاجتماعية، مثل الحواجز التي نظمتها العصابات والتي عطّلت طرق الإمداد من بورت أو برنس إلى الجنوب.
تأثير الظروف الاقتصادية على المشروع
أدت أزمة التضخم ونقص المواد والوقود إلى إعادة تصميم المشروع عدة مرات، ما يوضح مدى تعقيد تنفيذ مشاريع مجتمعية في مناطق تواجه أزمات متعددة ومتزامنة.
دور المجتمع المحلي في إنجاح المشروع
على الرغم من هذه الصعوبات، كان إصرار المجتمع المحلي العامل الحاسم في استكمال البناء. وقد ساهم السكان مباشرة من خلال ممارسة الكونبيت التقليدية، وهي شكل من أشكال العمل الجماعي غير المالي لأجل قضية مشتركة، مقدمين الدعم للمقاول والمشاركة في عملية البناء بشكل فعال.
تعزيز التنوع البيئي حول المشروع
أخيرًا، وبالتعاون مع خبراء الزراعة من Jardin Botanique des Cayes، واستلهامًا من jardin kreyòl، وهو نظام زراعي بيئي تقليدي في هايتي، تم إدخال أكثر من 100 شجرة ونبتة حول موقع المركز.
الحفاظ على الأنواع المحلية والمهددة
شملت الزراعة الجديدة بعض الأنواع المحلية والمهددة بالانقراض، ما ساهم في تعزيز التنوع البيئي وإعادة التوازن الطبيعي للمنطقة.
المركز كمعلم ثقافي وبيئي
لم يقتصر المشروع على كونه مركزًا مجتمعيًا، بل أصبح معلمًا ثقافيًا وبيئيًا بارزًا، يعكس قدرة التصميم المعماري والزراعي المتكامل على الجمع بين الوظائف الاجتماعية والحفاظ على البيئة المحلية، مع تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الاستدامة.
✦ تحليل ArchUp التحريري
يمكن النظر إلى مركز بيرسي-كافايون باعتباره تجربة متكاملة بين التصميم المعماري والاستدامة المجتمعية، حيث يقدم فرصة لتجربة تقنيات هجينة تجمع بين المعرفة المحلية والهياكل الحديثة، وهو ما يمثل جانبًا إيجابيًا محدودًا في المشروع.
ومع ذلك، عند النظر إلى الجوانب المعمارية بشكل أوسع، تظهر بعض التحفظات المحتملة. على سبيل المثال، الاعتماد على الممارسات التقليدية مع الهياكل المعدنية القابلة لإعادة الاستخدام قد يوفر حلولًا مرنة في سياق هايتي الريفي، لكنه قد يفتقر إلى قابلية التوسع أو التكامل مع معايير تصميمية أوسع. كما أن تصميم المبنى يتضمن العديد من الوظائف المتداخلة (تدريب، تخزين، إقامة مؤقتة، فعاليات ثقافية)، مما قد يؤدي إلى تحديات في التنظيم الداخلي واستخدام المساحات بشكل فعّال على المدى الطويل.
من منظور التكيف مع الظروف المناخية والزلزالية، يعكس المشروع فهمًا جيدًا للبيئة المحلية، لكنه يظل اختبارًا عمليًا محدودًا لتطبيق هذا النموذج في مناطق أخرى أو في مشاريع أكبر حجمًا، حيث قد تظهر متطلبات إضافية للبنية التحتية والصيانة المستمرة.
بالإضافة إلى ذلك، في حين أن إدخال الزراعة التقليدية والتنوع البيئي حول المبنى يعزز الجانب الثقافي والبيئي، فإن التأثير المباشر على تحسين القدرات الاقتصادية للمجتمع يعتمد على استمرارية الدعم المحلي والخارجي، مما يطرح تساؤلات حول استدامة المشروع في غياب تمويل مستمر أو مشاركة مجتمعية متواصلة.
بشكل عام، يمكن استخدام هذا المشروع كدراسة حالة لإعادة التفكير في التصميم المعماري المتعدد الوظائف في البيئات الريفية النائية، مع التركيز على موازنة المبادئ البيئية، التكامل المجتمعي، وإمكانيات التوسع المستقبلي، مع إدراك أن التجربة الحالية تبقى محدودة النطاق والتطبيق العملي خارج السياق المحلي.