“ذا وايلدز” في دبي: نموذج جديد للتخطيط العمراني تقوده الطبيعة
حين تقود الطبيعة التخطيط العمراني
في مدينة تُعرف بطموحها المعماري ونموّها العمراني المتسارع مثل دبي، بدأت تظهر مقاربات جديدة للتطوير الحضري تتحدى النماذج التقليدية. من بين هذه المبادرات، تبرز محاولة لإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والطبيعة ضمن الفضاءات السكنية.
“ذا وايلدز”: إعادة تعريف مفهوم الضواحي
يُعد مشروع “ذا وايلدز“ مثالًا على هذا التوجه الجديد، حيث يُقترح إنشاء حي سكني يتناغم مع الطبيعة بدلاً من أن يُفرض عليها. المشروع يخطط لاحتضان نحو 1,700 وحدة سكنية، وهو عدد كبير يعكس طموحًا واضحًا، لكنه في الوقت نفسه يُقدَّم ضمن إطار بيئي متوازن.
التعايش مع البيئة بدلاً من السيطرة عليها
على خلاف العديد من المشاريع التي تعتمد على فرض هياكل خرسانية على المشهد الطبيعي، يهدف هذا المشروع إلى دمج البيوت ضمن الغابة، بحيث تصبح جزءًا من النظام البيئي المحيط، لا عبئًا عليه. هذه الرؤية تحاول أن تعكس تحوّلًا في فلسفة البناء، من الاستغلال إلى الاحتضان البيئي.
أولويات جديدة: من الربح إلى الصحة المجتمعية
الملاحظ أيضًا أن الرؤية المعمارية لهذا الحي لا تقتصر على الجماليات، بل تشمل أهدافًا أعمق وأشمل، مثل دعم التنوع البيولوجي، وتحقيق التوازن البيئي، وتحسين الصحة النفسية والجسدية للسكان. فبدلًا من تقديم الحياة الضاحية كمنتج فاخر، يتم تأطيرها كمجتمع مسؤول ومتماسك، يضع رفاهية أفراده في قلب التخطيط.
قلب الحي: “ذا نيست” كنقطة التقاء بين الإنسان والطبيعة
في صميم هذا المشروع الذي تُعد الطبيعة فيه العنصر الأساسي، يقع جناح معماري يُدعى “ذا نيست“ ، مبنى خشبي أنيق محاط بالأشجار، ينسجم مع محيطه ليشكّل أكثر من مجرد عنصر بصري مميز. فهو يمثل الركيزة الاجتماعية والبيئية للحي، ويعمل كحلقة وصل بين العالم الطبيعي والمبني.
فضاء متعدد الوظائف لتعزيز الروابط المجتمعية
لا تقتصر وظيفة “ذا نيست” على الشكل الجمالي، بل تتعداها لتشمل أماكن مخصصة للتجمع والاسترخاء والاستكشاف. من أبرز مكوناته منطقة استكشاف مصمّمة خصيصًا للأطفال، تهدف إلى تحفيز فضولهم تجاه الطبيعة المحيطة، من أنظمة بيئية محلية إلى الطيور والحشرات. بهذه الطريقة، يُزرع الوعي البيئي منذ الصغر.
السكن المتناغم مع الطبيعة: تصميم يخدم الفكرة لا العكس
تحيط بهذا القلب المجتمعي مجموعة متنوعة من المساكن، تشمل فللًا وشققًا ومنازل كبيرة مكوّنة من خمس أو ست غرف نوم. وقد تولى مكتب “نبيل غلام للهندسة المعمارية“ تصميم هذه الوحدات، بطريقة تراعي تضاريس الموقع وتُدمج معها بانسيابية.
المناظر الطبيعية كعنصر وظيفي وليس تزييني
ما يميّز هذه المساكن هو إحاطتها بشبكة من الممرات الخضراء والمناطق الكثيفة الزراعة، ما يخلق تدرجًا طبيعيًا ومنظمًا بين المساحات الخاصة والعامة. هذا التصميم لا يخدم فقط الراحة البصرية، بل يحمل أهدافًا بيئية، إذ يعتمد على أنواع نباتية محلية ويوفر موائل طبيعية للكائنات الفطرية، ما يُعزز التنوّع البيولوجي ويخلق بيئة أكثر توازنًا واستدامة.
البنية التحتية البيئية: حين تتداخل الطبيعة مع التخطيط الحضري
ضمن محاولة جادة للحفاظ على التنوع البيولوجي المحلي في دولة الإمارات، يأتي مشروع “ذا وايلدز” بنهج غير تقليدي يدمج البيئة الحية ضمن أنسجته العمرانية، من خلال مجموعة متنوعة من البُنى التحتية الصديقة للكائنات الفطرية.
التعايش مع الحياة البرية كنهج حضري
عناصر مثل خلايا النحل، وأعشاش الطيور، وبيوت البط، وفنادق الحشرات ليست مجرد تفاصيل جانبية، بل تمثل ركائز أساسية في تصميم الحي. وجودها العلني والبارز ليس مصادفة، بل استراتيجية واعية تهدف إلى زرع الوعي البيئي في الحياة اليومية للسكان، وتشجيع علاقة أكثر احترامًا مع الطبيعة.
نظام مائي مستدام وظيفيًا وجماليًا
من جهة أخرى، يُظهر المشروع احترامًا واضحًا للموارد الطبيعية، وعلى رأسها المياه. فقد تم تصميم المخطط الرئيسي استنادًا إلى اعتبارات مناخية وبيئية دقيقة، تشمل شبكة من البرك والمجاري الجافة والمروج الطبيعية.
بنية تحتية تلعب دورًا مزدوجًا
هذه العناصر المائية لا تعمل فقط كوسائل لتصريف مياه الأمطار، بل تُعد أيضًا مساحات للعب والاستكشاف العفوي، خاصة للأطفال. بالإضافة إلى ذلك، تسهم هذه الشبكة في تبريد المناخ المحلي المصغّر، مما يعزز الراحة البيئية ويقلل من الاعتماد على التكييف الاصطناعي، في انسجام مع مبادئ الاستدامة.
بيئة متكاملة تراعي احتياجات الأسرة
ضمن رؤيته الهادفة إلى خلق أسلوب حياة متوازن ومستدام، يُولي مشروع “ذا وايلدز” أهمية كبيرة للأسرة، ليس فقط في تصميم المساكن، بل في بناء بيئة خدمية شاملة. إذ يشمل المشروع حرمًا مدرسيًا دوليًا تم تصميمه لدمج التعلّم في الهواء الطلق كجزء من المنهج، مما يعزز العلاقة بين التعليم والبيئة منذ الصغر.
خدمات قريبة… ومجتمع نابض بالحياة
ولأن الاستقرار الأسري لا يكتمل دون خدمات أساسية قريبة، يُوفّر الحي مرافق متنوعة تشمل:
- مركزًا تجاريًا
- مسجدين
- حضانة
- عيادة مجتمعية
- مرافق صحية ورفاهية
- نوادي اجتماعية ومساحات للفعاليات
كل ذلك على بُعد خطوات من السكن، ما يسهم في تقليل الحاجة للتنقّل، ويعزز الروابط الاجتماعية ضمن المجتمع.
ريادة في معايير الاستدامة وجودة الحياة
أما الجانب الأبرز في هذا المشروع، فهو نجاحه في تحقيق أعلى معايير الاعتماد البيئي والصحي. فقد حصل “ذا وايلدز” على كلٍّ من:
- شهادة LEED البلاتينية (في الاستدامة البيئية)
- شهادة Fitwel ذات الثلاث نجوم (في جودة وصحة نمط الحياة)
وهذا يجعله أول مجتمع سكني في دولة الإمارات يجمع بين هذين الاعتمادين، ما يُعد دليلاً على التزام حقيقي بتحقيق أثر ملموس يتجاوز المظاهر المعمارية ليشمل الإنسان والبيئة معًا.
الحركة البطيئة كوسيلة للتأمل والارتباط بالمكان
من أبرز سمات “ذا وايلدز” توفيره لشبكة من الممرات المظللة المخصصة للمشي وركوب الدراجات، والتي تمتد بانسيابية في أرجاء المشروع. هذه المسارات لا تهدف فقط إلى التنقّل، بل تُشجّع على التحرّك بوتيرة بطيئة ومتّزنة، ما يتيح للسكان فرصة التفاعل العميق مع بيئتهم ومحيطهم اليومي.
استراحات تدعم العافية الجسدية والنفسية
على طول هذه الممرات، تنتشر محطات للاستراحة والاستخدام اليومي تشمل:
- أراجيح ومنصات تأمل
- مناطق للياقة البدنية في الهواء الطلق
- أماكن جلوس ظليلة ومتنوعة الاستخدام
هذه العناصر تُسهم في ترسيخ مفاهيم مثل العافية، والوعي الذاتي، والاتصال المباشر بالطبيعة، ما يجعل من الحي مساحة متكاملة تدعم جودة الحياة على أكثر من مستوى.
مشروع جديد ضمن رؤية عمرانية متجددة
ولا يمكن فصل “ذا وايلدز” عن السياق الأوسع الذي تتحرك فيه “الدار”، فقد جاء هذا المشروع امتدادًا لمشاريع سابقة مثل “هافن” و”أثلون”، لكنه يحمل رؤية أكثر طموحًا في مجالي الاستدامة والمرونة.
نحو مجتمعات مستقبلية متوازنة
من خلال إعادة تعريف مفهوم الحياة في الضواحي داخل مدينة مثل دبي، يُقدّم “ذا وايلدز” نموذجًا لمجتمع مرن (resilient)، حيث يتقاطع نمط الحياة العصري مع مبادئ الحماية البيئية في انسجام يُعيد النظر في العلاقة بين الإنسان والمكان.
✦ تحليل ArchUp التحريري
يمثّل مشروع “ذا وايلدز” في ظاهره نقلة نوعية في التفكير العمراني داخل دولة الإمارات، حيث تُطرح الطبيعة ليس فقط كخلفية بصرية للمباني، بل كعنصر بنيوي يوجّه التصميم ويؤثر على تجربة العيش. الانخراط الجاد في قضايا مثل التنوع البيولوجي، والاستدامة، وصحة السكان يُعد تطورًا مهمًا في مشهد غالبًا ما تهيمن عليه مشاريع تركز على الرفاهية الشكلية دون مضمون بيئي حقيقي.
لكن، في المقابل، تبرز تساؤلات مشروعة حول قدرة هذا النموذج على تجاوز حدود التسويق العقاري إلى تطبيق فعلي قابل للقياس والاستمرار. فهل سيبقى “ذا وايلدز” مشروعًا رائدًا في فكرته أم مجرد استثناء جميل لا يمكن تعميمه؟ وهل ستصمد هذه المبادئ البيئية أمام تحديات السوق ومتطلبات الكثافة السكانية والعائد الاستثماري؟
إضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد الكبير على العناصر الطبيعية المدروسة والمخطط لها بدقة قد يواجه اختبارًا صعبًا مع مرور الوقت: فهل ستتكيّف هذه النظم مع التغيرات المناخية والضغط البشري المستقبلي؟ أم أن المشهد الأخضر سيتحول إلى عبء صيانة لا يمكن دعمه؟
في النهاية، يمكن النظر إلى “ذا وايلدز” كمختبر حضري واقعي لاستكشاف حدود العلاقة الممكنة بين الطبيعة والتخطيط العمراني. وبينما تُشكر “الدار” على جرأتها في كسر القوالب النمطية، تبقى التجربة مفتوحة على احتمالات متعددة، يتوقف نجاحها الحقيقي على قدرتها في الاستمرار والمرونة، لا على جاذبيتها في مرحلة الإطلاق فقط.
قُدم لكم بكل حب وإخلاص من فريق ArchUp
لا تفوّت فرصة استكشاف المزيد من أخبار معمارية في مجالات التصميم، والمباني، عبر موقع ArchUp.