التصميم الحسي كأداة تعاطف: قراءة في تجربة ليز فيستر ومقعد Dream View
التصميم الحسي: اللغة الأولى التي نفهمها بالفطرة
تقول المصممة الدنماركية ليز فيستر:
«يُعد التصميم الحسي، من نواحٍ عديدة، لغة فائقة – لغة نتحدثها جميعًا بالفطرة. فمنذ لحظة ولادتنا، يكون اللمس هو أول حاسة نختبرها، وهو ما يُشكّل الأساس لطريقة تواصلنا مع العالم من حولنا وشعورنا بالحب.»
هذا الاقتباس يلقي الضوء على فكرة جوهرية: الحواس ليست مجرد أدوات إدراك، بل وسيلة تعبير وتواصل عاطفي. فالتصميم لا يُنظر إليه فقط من خلال العين، بل يُشعر به عبر التفاعل الجسدي، من ملمس المادة إلى انحناءة الشكل.
تجسيد المفهوم في عمل تصميمي ملموس
ولتوضيح هذه الفكرة على أرض الواقع، طوّرت ليز فيستر مشروعًا يُجسّد التصميم الحسي بكل ما فيه من بساطة وعمق. نتحدث هنا عن مقعد Dream View Bench، والذي:
- صُنع من الفولاذ المقاوم للصدأ
- تميّز بانحناءات انسيابية تُشبه حركة الأمواج
- يجمع بين الصلابة الصناعية والطابع العضوي الطبيعي
هذه العناصر لا تخلق مجرد قطعة أثاث، بل تجربة حسية تدعو المتلقي للتفاعل مع المساحة والجلوس والتأمل.
التصميم كأداة لخلق مشاعر
ما يميز هذا النوع من التصميم هو أنه لا يقتصر على الوظيفة أو الجمالية البصرية، بل يمتد إلى استثارة المشاعر والذكريات من خلال التكوين المادي ذاته. المنحنيات، النعومة، المواد الباردة أو الدافئة… كلها عناصر تُخاطب الذاكرة الجسدية والعاطفية في آنٍ معًا.
ظهور العمل في الساحة الفنية
عُرض مقعد Dream View Bench للمرة الأولى خلال فعالية “3 أيام من التصميم” التي أُقيمت في الفترة من 18 إلى 20 يونيو 2025. وقد شكّل هذا العرض فرصة للجمهور للتفاعل المباشر مع رؤية التصميم الحسي، بعيدًا عن الشاشات أو الصور الثابتة.
ما وراء الوظيفة: التصميم كدعوة للتأمل
تُواصل ليز فيستر استكشاف أبعاد التصميم الحسي بقولها:
«عندما نصمّم مع مراعاة الحواس، فإننا لا نبتكر أماكن وأشياء تؤدي وظائفها فحسب، بل نخلق تجارب تُمكّن الناس من الشعور، والتأمل، والازدهار.»
هذا التوجه يسلّط الضوء على دور التصميم في بناء بيئات تتفاعل مع الإنسان نفسيًا وعاطفيًا، وليس فقط ماديًا. فالتصميم الحسي، كما ترى فيستر، قادر على خلق حالات ذهنية ومزاجية تختلف بحسب النية وراء كل تفصيلة.
الحواس كبوابة لفهم الذات
تضيف فيستر:
«يسمح لنا التصميم الحسي بصياغة أجواء مهدئة، أو محفّزة، أو مجددة للطاقة. فمن خلال حواسنا نستكشف، ونكتشف، ونفهم العالم – ونفهم أنفسنا أيضًا.»
هذا الاقتباس يعكس كيف أن التفاعل الحسي مع الأشياء يمكن أن يكون أداة لاكتشاف الذات، وليس فقط طريقة لاختبار المحيط الخارجي.
الشكل يتبع الشعور
تم تصنيع مقعد Dream View Bench في الدنمارك، وهو يتميّز بـ:
- انحناءات سلسة تتبع خطوط الجسم
- سطح مائل يتيح الاستلقاء بسهولة
- تصميم يشجّع على التأمل والنظر إلى السماء
وليس من قبيل المصادفة أن يحمل المقعد هذه الخصائص. في حديثها مع Wallpaper، توضح فيستر رؤيتها:
«كانت نيّتي أن أبتكر تجربة حسية مرحة ومريحة تتماشى مع طبيعة الجسم – دعوة مفتوحة للتوقف قليلًا والانغماس في حلم يقظة.»
السماء كمساحة للتأمل
تُكمل المصممة وصف التجربة بقولها:
«[الشكل] يدعو الجسم إلى الاتكاء والنظر إلى الأعلى، حيث تتحول السماء إلى لوحة فارغة للتأمل والخيال.»
إنه ليس مجرد مقعد إذًا، بل مساحة مفتوحة للحلم والهدوء والتواصل مع الذات. تصميم يدعو إلى التوقف وسط الزحام، لاستخدام الجسد كوسيط للتأمل والخيال.


تحدي العناصر: تصميم يتحمّل الطبيعة ويُحاكيها
نظرًا لأن مقعد Dream View صُمم للاستخدام الخارجي، فقد كان من الضروري أن يتحمّل ظروف الطقس المختلفة، من شمسٍ ومطرٍ ورياح. وهنا جاء اختيار الفولاذ المقاوم للصدأ، ليس فقط بسبب قوّته ومتانته، بل أيضًا لما يتمتع به من خصائص بصرية ولمسية فريدة.
تشرح المصممة ليز فيستر هذه النقطة قائلة:
«السطح المصقول يخفف من الطابع الصناعي القاسي للمادة، ويجعلها أكثر جاذبية ولمسة إنسانية.»
عندما يعكس التصميم السماء
بعيدًا عن الوظيفة، يحمل المقعد أيضًا بُعدًا جماليًا تأمليًا، فالمعدن العاكس لا يعيد فقط صورة المحيط، بل يمتزج به. تضيف فيستر:
«الخاصية العاكسة للمعدن تسمح للمقعد بعكس ما يحيط به – لا سيما السماء – وكأنه يجلب السماء، حرفيًا، إلى الأرض.»
هذا التفاعل البصري بين المادة والبيئة يجعل كل تجربة جلوس على المقعد مختلفة عن الأخرى، بحسب الضوء والجو والمكان.
التصميم كتجربة إنسانية نابعة من الألم
وراء هذا المشروع لم تكن الفكرة وليدة الخيال فقط، بل جاءت نتيجة تجربة شخصية عميقة عاشتها المصممة. فبعد أن فقدت عددًا من أقاربها في بيئات طبية باردة وغير إنسانية، بدأت تتساءل:
كيف يمكن للتصميم أن يخفف من وطأة اللحظات الصعبة في الحياة؟
فيستر تتذكر لحظة فارقة:
«عندما قضت عمّتي أيامها الأخيرة في دار للرعاية عام 2011، كانت التجربة مختلفة تمامًا.»
تُكمل حديثها موضحة:
«كان المكان دافئًا، مرحِّبًا، ومُريحًا – يمنح الكرامة والسكينة وسط الحزن. تلك اللحظة غيّرت تمامًا الطريقة التي أتعامل بها مع التصميم.»
من الألم إلى الإبداع
هذه التجربة ألهمت المصممة لتصمّم قطعًا لا تكتفي بالوظيفة أو الشكل، بل تُراعي الكرامة والراحة الإنسانية، حتى في أصعب اللحظات. مقعد Dream View هو ترجمة حرفية لهذه الفلسفة: قطعة تُتيح للناس التوقف، التأمل، وربما التداوي – حتى ولو بصمت.


عندما يتحوّل التعاطف إلى منهج تصميم
تُكمل المصممة ليز فيستر حديثها عن التجربة التي شكّلت وعيها التصميمي، وتقول:
«فيما بعد، عدت إلى نفس دار الرعاية كطالبة، لأقوم بأحد أول مشاريعي في مجال التصميم. أجريت مقابلات مع الممرضات، وفريق الرعاية التلطيفية، وأفراد العائلات، لأفهم ما الذي جعل ذلك المكان مفعمًا بالشفاء.»
هذه العودة لم تكن مجرد زيارة، بل رحلة بحث عن الجوهر الإنساني في التصميم. فبدلًا من التركيز على الشكل أو الأداء، أرادت فيستر أن تفهم كيف يمكن للفراغ أن يمنح الطمأنينة في أكثر اللحظات هشاشة.
إدراج الجمال في نسيج الحياة اليومية
من خلال هذه التجربة، خرجت فيستر بحلم شخصي تحوّل لاحقًا إلى رؤية مهنية واضحة. تقول:
«حلمي هو أن نُدرج التعاطف والجمال الموجودين في بيئات الرعاية التلطيفية داخل منازلنا، وأماكن عملنا، ومدننا – داخل نسيج الحياة اليومية – حتى يصبح التصميم داعمًا لنا بهدوء، ولكن بقوة، أينما كنا.»
إنها دعوة إلى إعادة التفكير في التصميم كأداة للاحتواء النفسي والعاطفي، لا كوسيلة زخرفية فقط. ففي عالم سريع الإيقاع، يصبح الهدوء الذي يتيحه التصميم الجيد نوعًا من الدعم الخفي – دعم لا يُرى، لكنه يُحس.
✦ تحليل ArchUp التحريري
من وجهة نظر نقدية، يمكن الإشادة بالمشروع على المستوى الفلسفي والفكري، خصوصًا في استخدامه للمادة بشكل رمزي يحفّز التأمل والتباطؤ في عالم سريع.
لكن من جهة أخرى، فإن قابلية التطبيق العملي تطرح تساؤلات. فالفولاذ العاكس، رغم جماليته، قد لا يكون الخيار الأمثل في أماكن ذات حرارة عالية، كما أن غياب التفاصيل الوظيفية مثل مسند الظهر أو الظل قد يجعل الاستخدام اليومي محدودًا.
الخلاصة: تصميم “Dream View Bench” لا يسعى ليكون مقعدًا للجميع، بل تجربة شعورية مخصوصة. إنه بيان بصري أكثر من كونه منتجًا وظيفيًا شاملًا – ولهذا السبب، قد يلقى إعجاب البعض بقدر ما يُثير تحفّظ آخرين.
اكتشف أحدث المعارض والمؤتمرات المعمارية
نقدم في ArchUp تغطية يومية لأبرز الفعاليات المعمارية والفعاليات الدولية والمنتديات الفنية والتصميمية حول العالم.
تابع أهم المسابقات المعمارية, وراجع المنصات الرسمية, وابقَ على اطلاع عبر الأخبار المعمارية الأكثر مصداقية وتحديثًا.
يُعد ArchUp منصة موسوعية تجمع بين الفعاليات وفرص التفاعل المعماري العالمي في مكان واحد.