التصوير المعماري اليوم: بين الجمالية المجردة والواقع الحي
غالبًا ما يتبع التصوير المعماري المعاصر منطقًا تسويقيًا صارمًا. تُقدَّم معظم الصور بعناية فائقة، مؤطرة بإتقان، وتعرض المباني ككائنات نقية متعالية عن الزمن معزولة عن الضوضاء البشريّة، معلقة في إضاءة مثالية، ومجردة من أي أثر للاستخدام اليومي. هذه الصور مذهلة بصريًا، لكنها أصبحت متوقعة إلى حدٍّ ممل. إنها تقدم وهمًا بصريًا يصور العمارة كديكور ثابت، بدلًا من كونها بيئات ديناميكية تشكلها أنماط حياة المستخدمين. باختصار، تُخفي هذه الصور حقيقة أن جودة المبنى تُقاس بتجربة من يسكنونه، وليس فقط بجماليته المجردة.
فيليب سارفاتي: تصوير العمارة كحياة متدفقة
في مواجهة هذا السياق، يبرز المشروع الشخصي للمصور المحترف فيليب سارفاتي، “الأراضي”، كاعتراض بصري هادئ لكنه عميق. كمهندس معماري تحوّل إلى مصور، يلتقط سارفاتي حياة المباني وهي تتكشف بعفوية، دون تزييف أو تجميل. تُظهر صوره العمارة أثناء استخدامها: أشخاصًا يمرون، ظلالًا تتغير، ومساحات تتحول بفعل العادات اليومية. هنا، لا يكون البشر مجرد عناصر “تضيف حياة” إلى الصورة؛ بل هم من يوجهون عدسة المصور، وبالتالي نظرتنا كمشاهدين.
“لم أُنتج هذه الصور لعملاء، بل لغاية واحدة: استكشاف طبيعة العلاقة بين العمارة والتصوير” فيليب سارفاتي.
مشكلة التصوير المعماري التقليدي: الإتقان أم الخيال؟
يرى سارفاتي أن التصوير المعماري قد أصبح أسيرَ التوقعات التجارية. فبدلًا من أن يكون وسيلةً لإثارة الأسئلة، صار أداةً لإثبات “نجاح” التصميم كجواز سفر يُظهر هوية المبنى دون الكشف عن شخصيته. الصور الناتجة مثالية تقنيًا، لكنها تفتقر إلى الخيال. الأكثر إشكاليةً أنها تعزز ثقافة بصرية متجانسة لكنها جوفاء: مباني جميلة، لكنها صامتة.
“الأراضي”: مشروعٌ عن العمارة الحقيقية
ليس “الأراضي” مجرد سلسلة صور، بل هو أرشيفٌ حيويٌّ نما عبر 6 سنوات و14 دولة وأكثر من 100 مبنى. الفكرة الأساسية؟ تصوير العمارة بعد اكتمالها، حين تبدأ بالتفاعل مع الناس والزمن. تُظهر لقطات سارفاتي إيماءات بسيطة شخصٌ ينتظر، آخرون يتحركون مُشكّلةً ما يسميه “بورتريه سياقي”، حيث العمارة إطار، لكن البشر هم القصة.
درس للمهندسين والمصورين: انظر حيث لا ينظر الآخرون
لا تحاول “الأراضي” استبدال جمالية بأخرى، بل تذكرنا بأن التصوير المعماري يمكن أن يكون أداةً للتأمل. الكاميرا هنا لا “تثبت” المبنى، بل تلتقطه وهو يتنفس. الدرس؟ العمارة الحقيقية لا تكمن في التناظر أو الخطوط النظيفة، بل في الزوايا التي يختارها الناس للجلوس، أو المسارات التي يرسمونها بالمشي. هذه الصور تبقى معنا لأنها رغم عدم كمالها صادقة.
✦ ArchUp Editorial Insight
فيليب سارفاتي يتحدى عبر “الأراضي” الصورة النمطية للتصوير المعماري، مُبرزًا العمارة ككائن حيوي يتشكل عبر التفاعل البشري. عمله يقدّم نقدًا ضمنيًا للصور “المثالية” التي تهمش دور المستخدم، رغم أنها قد تغفل أحيانًا عن التوازن بين الفوضى الإبداعية والوضوح البصري. ومع ذلك، قوّته تكمن في إعادة تعريف الجمال المعماري ليس كشيءٍ يُعرض، بل كعمليةٍ تُعاش وهذا وحده يُعد إنجازًا يستحق التقدير.
اكتشف أحدث المعارض والمؤتمرات المعمارية
نقدم في ArchUp تغطية يومية لأبرز المعارض المعماريةوالمؤتمرات الدولية والمنتديات الفنية والتصميمية حول العالم.
تابع أهم المسابقات المعمارية، وراجع نتائجها الرسمية، وابقَ على اطلاع عبر الأخبار المعمارية الأكثر مصداقية وتحديثًا.
يُعد ArchUp منصة موسوعية تجمع بين الفعالياتوفرص التفاعل المعماري العالمي في مكان واحد.