الحداثة تحت القصف: قراءة نقدية في إرث العمارة السوفيتية في أوكرانيا
تنقيب معماري في دول ما بعد الاتحاد السوفيتي
في السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة ملفتة في الأوساط المعمارية والثقافية. هذه الظاهرة تتمثل في الاهتمام المتزايد بعمليات التنقيب المعماري في الدول التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي. وتشمل هذه الدول، تحديدًا، تلك التي تحتضن نماذج مميزة من العمارة الوحشية السوفيتية. هذا الاهتمام لم يأتِ من فراغ، بل جاء متزامنًا مع موجة عالمية لإعادة تقييم العمارة الوحشية كنوع معماري قائم بذاته.
أصالة العمارة الوحشية في أوروبا الشرقية
بعكس ما حدث في العديد من دول الغرب، أظهرت عمارة أوروبا الشرقية طابعًا أكثر أصالة واستقلالًا عن الحنين المعماري المعتاد. ساعد على ذلك استمرار استخدام عدد كبير من هذه المباني حتى اليوم. هذه المباني ما زالت تحتفظ بسماتها المهيبة وفخامتها المصممة بدقة، رغم التحولات السياسية والاجتماعية.
انقلاب الصورة في الغرب
في الجهة المقابلة، شهدت صورة العمارة الوحشية الغربية تحوّلاً سريعًا خلال عقد واحد فقط. فبعد أن كانت تُعامل كخطيئة جمالية متوارية، أصبحت فجأة مادة جذابة تُستهلك في منشورات وسائل التواصل الاجتماعي. يتم أيضًا طبعها على مناشف الشاي، وتُعرض في أعمال فنية محدودة الإصدار. هذا التحول الجمالي أغفل بشكل كبير الوظيفة الأصلية لهذه العمارة. هذه العمارة كانت تقدم خدمات عامة وتجسيد طموحات اجتماعية كانت تُعد جزءًا لا يتجزأ من رسالتها.
إرث الحداثة الأوكرانية في سياق القرن العشرين
تمثّل عمارة القرن العشرين في أوكرانيا جانبًا مهمًا من تاريخ البلاد الثقافي والسياسي. تعكس تصاميمها الحداثية تحولات اجتماعية ومعمارية كبرى. هذه التحولات جرت خلال مراحل متلاحقة من السيطرة والبحث عن الهوية.
قراءة في كتاب يوثّق عمارة مهددة
يعرض كتاب “الحداثة الأوكرانية”، من إعداد المرشد المعماري ديميترو سولوفيوف، توثيقًا دقيقًا ومصورًا لجزء من هذا الإرث الغني. ظلّ هذا الإرث على هامش الاهتمام الأكاديمي والثقافي لسنوات طويلة. من خلال صوره ونصوصه التحليلية، يسعى الكتاب إلى إلقاء الضوء على طراز معماري طال إغفاله. هذا الطراز يواجه اليوم تهديدًا وجوديًا بفعل الحرب الجارية في البلاد.
بين الجماليات والسياسة
ما يميز هذه الدراسة هو تركيزها على العلاقة المتشابكة بين الجمال المعماري والتاريخ السياسي. فالحداثة الأوكرانية، كما يعرضها الكتاب، لا يمكن فصلها عن السياق السياسي المضطرب الذي وُلدت فيه. ولا يمكن فصلها عن التداعيات المعاصرة التي تهدد استمرارها على أرض الواقع.

تهديدات مزدوجة على الإرث المعماري
يشير الكاتب أوين هاذرلي في مقدمة الكتاب إلى أن التهديد الذي يواجه العمارة الحداثية في أوكرانيا ليس وليد الحرب وحدها. فبالإضافة إلى الطائرات المسيّرة الروسية التي تضع أرواح السكان والمعالم المعمارية تحت الخطر المباشر، هناك تهديد آخر أكثر خفاءً لكنه لا يقل خطورة. يتمثل هذا التهديد في قوى السوق الجشعة.
هذه القوى، التي كانت ناشطة منذ ما قبل الغزو بسنوات، غالبًا ما تنظر إلى تلك المباني باعتبارها عبئًا لا فائدة منه. هذه المباني ترمز إلى حقبة دولة الرفاه التي طواها الزمن. وهكذا، تتعرض هذه المعالم للهدم أو الإهمال، ليس فقط بفعل الحرب. بل أيضًا تتعرض لضغط المنطق الاستثماري الذي لا يعترف بالقيمة الثقافية أو التاريخية ما لم تُترجم إلى ربح مادي.

صعوبة التأمل الجمالي وسط واقع مهدد
في ظل التهديدات المستمرة التي تحيط بالعمارة الحداثية في أوكرانيا، قد لا يكون من السهل تلقّي هذا العمل المصور كمجرد دراسة جمالية. لأن السياق السياسي والإنساني الثقيل يُلقي بظلاله على تجربة التصفح والتأمل.
مع ذلك، تُظهر عدسة ديميترو سولوفيوف حسًّا بصريًا عاليًا في توثيق هذه المباني. فهو لا يكتفي بإبراز ضخامتها وقوتها الإنشائية. ولكنه يتعمد أيضًا إظهار علامات الزمن والاهتراء التي بدأت تكسوها. هذا يضيف طبقة شعورية من الحزن والتأمل.
ورغم ذلك، فإن تركيزه الواضح على الحرفية الدقيقة، والتصميم، والتفاصيل الفنية اليدوية يعيد الاعتبار لجماليات غالبًا ما تُهمل عند الحديث عن هذا النوع من العمارة. هذه المقاربة تسلط الضوء على تفرد هذه الهياكل عن غيرها. كما تدعونا إلى قراءتها كأعمال فنية معمارية، لا مجرد كتل خرسانية من زمن مضى.

فسيفساء الحداثة وتحررها من السوق
من أبرز السمات التي تتكرر في العمارة الحداثية الأوكرانية هو الشغف الواضح بفن الفسيفساء، سواء في صورها التجريدية أو البطولية. لا تقتصر هذه الأعمال على الزينة، بل تعكس رؤى رمزية وثقافية متجذرة في سياقها التاريخي.
في مبانٍ مثل “قصر حفلات الزفاف” في تشيرنيهيف، الذي شُيّد في ثمانينيات القرن الماضي، تتجلى هذه الديناميكية بوضوح. العمارة هنا لا تخضع لإملاءات السوق الحرة، بل تنمو وتتطور في فضاء إبداعي مستقل. هذا الاستقلال يمنحها طابعًا فريدًا لا يمكن تكراره بسهولة في بيئة تجارية بحتة.
هذا التحرر من ضغط الاقتصاد النيوليبرالي أتاح للحداثة أن تستعرض طاقتها الكامنة بشكل أكثر صدقًا. حيث تُعامل التفاصيل الجمالية لا كرفاهية، بل كجزء لا يتجزأ من الهوية المعمارية.


أرشيف معماري بين الذاكرة والنجاة
بالنسبة للمستكشفين الرقميين والمهتمين بالجوانب الغريبة وغير المألوفة في العمارة، يقدم كتاب “الحداثة الأوكرانية” مدخلًا غنيًا لاستكشاف طبقات متعددة من تاريخ أوكرانيا المعماري. من خلال توثيق أكثر من 120 مشروعًا معماريًا، يتيح الكتاب للقارئ فرصة نادرة لرؤية هذا الإرث بعين تحليلية وفضولية في آن.
ورغم الأمل بأن تتمكن هذه المباني من النجاة واستعادة بعض من حضورها السابق، إلا أن الواقع الثقيل للحرب والتاريخ السياسي المعقّد يجعل من الصعب تصوّر أن يستعيد الأوكرانيون ارتباطًا وجدانيًا صادقًا مع هذه البنى. هذه البنى تمثل – بوضوح – بقايا عالقة من فترة السيطرة السوفيتية.
الزمن وحده قد يحدد ما إذا كانت هذه العمارة ستُعاد قراءتها كأثر فني وتاريخي، أم ستبقى رمزًا لحقبة فقدت صلاحيتها في الوجدان الجمعي.

✦ تحليل ArchUp التحريري
عند قراءة “الحداثة الأوكرانية”، من السهل أن نُبهر بالجانب البصري، وبالرسالة الثقافية التي يحاول الكتاب إيصالها. فهو عمل يوثّق مرحلة معمارية مهمّشة، ويعيد الاعتبار لأبنية تم اختزالها لسنوات في إطار سياسي واحد. من هذا المنظور، يشكّل الكتاب مساهمة قيّمة في أرشفة الذاكرة المعمارية والبحث في الهويات الحضرية المنسية.
لكن في المقابل، لا يمكن إغفال أن كثيرًا من هذه البُنى كانت أيضًا أدوات رمزية لأنظمة سلطوية. أيضًا، مثلت مظاهر لقوة الدولة المركزية في فتراتها القمعية. وبالتالي، فإن إعادة إحيائها دون مساءلة نقدية للسياق السياسي الذي وُلدت فيه قد تحمل خطرًا بإعادة إنتاج السردية. هذا يمكن أن يحدث من منظور تجميلي أو رومانسي.
كما أن تأكيد الكتاب على الجماليات والتفرد البصري – رغم أهميته – قد يغفل عن بعض الإشكاليات الاجتماعية التي صاحبت هذه العمارة. تشمل هذه الإشكاليات محدودية استخدام المساحات. وأيضًا استبعاد الإنسان من معادلة التصميم. يضاف إلى ذلك النفور الشعبي من هذه الأبنية في بعض المدن.
بالتالي، قد يكون التعامل مع “الحداثة الأوكرانية” دعوة مزدوجة. هذه الدعوة لفهم العمارة كتاريخ بصري وحضري، مع الحفاظ على نظرة نقدية لا تفصل الشكل عن السياق، ولا الجمال عن السلطة.
قُدم لكم بكل حب وإخلاص من فريق ArchUp
لا تفوّت فرصة استكشاف المزيد من أخبار معمارية، و الفعاليات المعمارية، و مشاريع معمارية عبر موقع ArchUp.