هندسة حدائق الخليج المستدامة هندسة غابة عمودية
المقدمة والرؤية الإستراتيجية: “مدينة في حديقة”
التكليف الوطني لمدينة خضراء
لا تُعد “حدائق الخليج” في سنغافورة مجرد حديقة نباتية، بل هي تمثل تعبيراً عميقاً عن الهوية الوطنية ومشروع استراتيجي يهدف إلى تحويل الأمة من “مدينة حدائق” إلى “مدينة في حديقة”. يقع المشروع على مساحة مائة وهكتار واحد من الأراضي المستصلحة في وسط سنغافورة، وكان الهدف الأساسي هو إنشاء وجهة ترفيهية عالمية المستوى تعزز جودة الحياة لمواطنيها. علاوة على ذلك، هدفت الحكومة والمصممون إلى عرض سنغافورة كرائد عالمي في الاستدامة البيئية والتكنولوجيا الخضراء المبتكرة. ونتيجة لذلك، يمزج المشروع بين الطبيعة والعمارة والهندسة بطريقة غير مسبوقة.
الأعمدة الثلاثة: الطبيعة، التكنولوجيا، والمجتمع
ارتكز موجز التصميم، الذي نفذته شركتا جرانت أسوشيتس (للمناظر الطبيعية) وويلكينسون آير (للبيوت الزجاجية)، على ثلاثة أعمدة. أولاً، إنشاء عرض نباتي مذهل (الطبيعة). ثانياً، دمج التقنيات البيئية المتقدمة كعمليات وظيفية (التكنولوجيا). ثالثاً، خلق مساحة عامة محبوبة ومتاحة للجميع (المجتمع). لذلك، لم يكن التحدي مجرد بناء هياكل، بل كان خلق نظام بيئي حي يتنفس، يكون جميلاً ومكتفياً ذاتياً في آن واحد.
الأشجار الفائقة: حدائق عمودية كمحركات بيئية
التصميم الهيكلي للأشجار الفائقة
العنصر الأكثر شهرة في الحدائق هو بستان مكون من ثماني عشرة “شجرة فائقة”. هذه الهياكل العمودية يتراوح ارتفاعها من خمسة وعشرين إلى خمسين متراً. هي ليست مجرد منحوتات، بل هي أبراج وظيفية معقدة للغاية. تحتوي كل شجرة فائقة على “جذع” هيكلي أساسي مصنوع من الخرسانة المسلحة. بعد ذلك، يُحاط هذا الجذع بـ “مظلة” من إطار فولاذي ملحوم بدقة. وبشكل حاسم، يعمل هذا الإطار الفولاذي كهيكل دعم لجلد واسع من النباتات الحية حديقة عمودية تحتوي على أكثر من مائة واثنين وستين ألف نبتة من أكثر من مائتي نوع.
الوظيفة البيئية: ما وراء الجماليات
تكمن العبقرية الحقيقية للأشجار الفائقة في هندستها الخفية، وهي جزء أساسي من أبحاث العمارة للمشروع. إنها تعمل كمحركات بيئية للحديقة بأكملها:
- توليد الطاقة: جهز المهندسون إحدى عشرة شجرة من الأشجار الفائقة بألواح كهروضوئية (خلايا شمسية) على مظلاتها. تحصد هذه الألواح الطاقة الشمسية للمساعدة في تشغيل الحدائق، وخاصة الإضاءة.
- حصاد المياه: يشكل تصميم المظلات الكبيرة أداة لتجميع مياه الأمطار. يقوم النظام بعد ذلك بتوجيه هذه المياه عبر الجذع وتخزينها لاستخدامها في أنظمة الري بالحديقة.
- عادم التهوية: تعمل الأشجار الفائقة أيضاً كمداخن عادم عملاقة لغلايات الكتلة الحيوية الموجودة تحت الأرض في الحديقة، حيث تنفث الهواء الساخن بذكاء بعيداً عن مستوى سطح الأرض.هذا التكامل يجعلها درساً نموذجياً في التصميم متعدد الوظائف.
البيوت الزجاجية: خلق عوالم باردة بدون أعمدة
غابة السحاب وقبة الزهور
يمثل البيتان الزجاجيان الضخمان (البيوم) أعجوبتين هندسيتين في حد ذاتهما. تحاكي “قبة الزهور” مناخ البحر الأبيض المتوسط البارد والجاف. على النقيض من ذلك، تحاكي “غابة السحاب” مناخ الجبال الاستوائية البارد والرطب، وتكتمل بشلال داخلي يبلغ ارتفاعه خمسة وثلاثين متراً. كان التحدي الأساسي الذي واجهه المهندسون هو كيفية إنشاء هذه المساحات الهائلة الخالية من الأعمدة والحفاظ على برودتها في مناخ سنغافورة الاستوائي الحار دون استهلاك كمية غير مستدامة من الطاقة.
الإنشاءالهيكلي: القشرة الشبكية
كان الحل للمساحة الشاسعة الخالية من الأعمدة هو هيكل “القشرة الشبكية”. تستخدم تقنية الإنشاء هذه شبكة من الأقواس الفولاذية المتشابكة التي تدعم بعضها البعض. ونتيجة لذلك، سمح هذا للمهندسين المعماريين بإنشاء سقف خفيف الوزن وقوي، والذي غطوه بثلاثة آلاف وثلاثمائة واثنين وثلاثين لوحاً زجاجياً عالي الأداء. علاوة على ذلك، كل لوح زجاجي فريد من نوعه، ومُحسَّن للسماح بدخول أقصى قدر من الضوء مع حجب أقصى قدر من الحرارة. تطلب هذا البناء المعقد نمذجة وتصنيعاً متقدماً ثلاثي الأبعاد.
حلقة تبريد [الاستدامة]: قوة الكتلة الحيوية
نظام التبريد هو قلب الاستدامة للمشروع. فبدلاً من استخدام تكييف الهواء التقليدي كثيف الاستهلاك للطاقة، يقوم مركز طاقة مخفي يعتمد على الكتلة الحيوية بتبريد الحدائق.
- غلايات الكتلة الحيوية: يحرق المركز النفايات البستانية (مثل مخلفات تقليم الأشجار) من جميع أنحاء سنغافورة لتوليد الكهرباء والحرارة.
- مبردات الامتصاص: يستخدم النظام بعد ذلك هذه “الحرارة المهدورة” لتشغيل مبردات الامتصاص (وهي شكل من أشكال التبريد يستخدم الحرارة بدلاً من الكهرباء) لإنشاء مياه مبردة.
- الألواح المبردة: أخيراً، يتم تدوير هذه المياه المبردة عبر أنابيب في ألواح أرضية البيوت الزجاجية. يؤدي هذا إلى تبريد الهواء في المستوى السفلي المشغول بالزوار، بدلاً من إهدار الطاقة في محاولة تبريد الحجم الهائل للقبة بأكملها. يرتفع الهواء الساخن الزائد بشكل طبيعي ويتم تنفيسه للخارج.
| العنصر الإحصائي والهندسي | القيمة | الوحدة | الأهمية التنفيذية والتصميمية |
| المساحة الإجمالية للموقع | 101 | هكتار | واحد من أكبر مشاريع الحدائق على أراضٍ مستصلحة رئيسية في العالم. |
| عدد الأشجار الفائقة | 18 | هيكل | تتراوح من 25م إلى 50م، وتعمل كمحركات بيئية عمودية. |
| النباتات على الأشجار الفائقة | >162,900 | نبتة | يوضح حجم تكامل الحدائق العمودية. |
| الألواح الزجاجية للبيوت | 3,332 | لوح (قبة الزهور) | كل لوح فريد من نوعه؛ إنجاز تصنيعي لهيكل القشرة الشبكية الخالي من الأعمدة. |
| ارتفاع شلال “غابة السحاب” | 35 | متر | واحد من أطول الشلالات الداخلية في العالم، ويتطلب أنظمة ضخ وترشيح مياه ضخمة. |
| مصدر الطاقة | 1 | محطة توليد مشترك للكتلة الحيوية | تستخدم النفايات البستانية لتشغيل أنظمة التبريد والإضاءة للموقع بأكمله. |
| توفير الطاقة (البيوت الزجاجية) | ~30% | (مقارنة بالتقليدي) | تم تحقيقه عبر تكنولوجيا الألواح المبردة وطاقة الكتلة الحيوية، وهو هدف رئيسي لـ الاستدامة. |
| ارتفاع ممشى (OCBC Skyway) | 22 | متر | الممشى الهوائي المعلق بين الأشجار الفائقة، وهو عنصر هيكلي وزياري رئيسي. |
إدارة المياه: دورة ذاتية الاكتفاء
بحيرات “اليعسوب”
البحيرات داخل الحدائق ليست للزينة فقط؛ إنها جزء حاسم من نظام إدارة المياه. تعمل البحيرات كـ “مرشح حيوي” طبيعي للمياه المجمعة من مستجمعات مياه الحديقة. أولاً، يجمع النظام المياه ويصفيها عبر سلسلة من النباتات المائية قبل تخزينها. بعد ذلك، تُستخدم هذه المياه النظيفة في ري الحديقة بأكملها، بما في ذلك الأشجار الفائقة والبيوت الزجاجية. يضمن هذا النظام ذو الحلقة المغلقة أن تكون الحدائق مكتفية ذاتياً إلى حد كبير في احتياجاتها من المياه، وهو مصدر قلق بالغ لأمة مثل سنغافورة.
الخاتمة
تُعد حدائق الخليج نجاحاً باهراً. فهي تثبت أن العمارة والهندسة يمكنهما خلق مساحات عامة مذهلة ومستدامة للغاية في نفس الوقت. من خلال دمج توليد الطاقة، وحصاد المياه، وإدارة النفايات مباشرة في تصميم معالمها الأساسية (الأشجار الفائقة والبيوت الزجاجية)، يعيد المشروع تعريف العلاقة بين المدن والطبيعة. في النهاية، هي أكثر من مجرد حديقة؛ إنها مخطط وظيفي وحي لمستقبل البناء الحضري، وموضوع لعدد لا يحصى من النقاشات المعمارية ومقالات معماريةعالمياً.
✦ نظرة تحريرية على ArchUp
تُعدّ “حدائق الخليج” تجسيداً لـ الطموح المعماري في سنغافورة لتحويل نفسها إلى “مدينة داخل حديقة”، وتوظف طرازاً مستقبلياً يدمج الطبيعة والتكنولوجيا بشكل فائق. يكمن الابتكار الإنشائي في الأجنحة الزجاجية الخالية من الأعمدة، المبنية بتقنية “الشبكة القشرية” التي تضمن الإضاءة الطبيعية مع حجب الحرارة، وفي “الأشجار العملاقة” (Supertrees) التي تعمل كمحركات بيئية تجمع مياه الأمطار وتولد الطاقة الشمسية. هذه الوظيفة المعقدة ترفع من مستوى الاستدامة وتبرر هيئة المواد الصناعية. ومع ذلك، يكمن النقد في قيمة التكلفة الوظيفية الهائلة لـ الامتداد المكاني المكيف والمسور، مما يجعلها واحة مصطنعة ومكلفة للغاية للحفاظ على مناخات باردة ضمن بيئة استوائية حارة، ما يثير التساؤل حول مدى استدامة هذا الإفراط التكنولوجي مقارنة بالحلول الأكثر بساطةً وتكيفاً مع المناخ المحلي.
ثير النقاش المعماري المعاصر تساؤلات حول كيفية تطور العمارة الحديثة من خلال تكامل التصميم المبتكر وأساليب الإنشاء والبناء المتقدمة، مما يعيد تعريف هوية المشاريع العالمية نحو استدامةٍ أكثر وبيئاتٍ أكثر إنسانية.
ArchUp Editorial Management
يقدم المقال تحليلاً شاملاً لتكامل الطبيعة مع التكنولوجيا في حدائق الخليج، مع تركيز متميز على الجوانب الوظيفية للتصميم. ولتعزيز القيمة الأرشيفية، نود إضافة البيانات التقنية والهندسية التالية:
نود الإضافة إلى أن:
· البيانات الإنشائية: هيكل الأشجار الفائقة من الخرسانة المسلحة والفولاذ بقطر قاعدة يصل إلى 15 متراً، مع قدرة تحمل رياح تصل إلى 150 كم/ساعة
· نظام التبريد: يعتمد على مبردات امتصاصية (Absorption Chillers) بقدرة 10,500 كيلوواط، باستخدام حرارة متولدة من غلايات الكتلة الحيوية بدرجة حرارة 90°م
· الأداء البيئي: نظام الألواح المبردة (Chilled Beams) يستهلك طاقة أقل بنسبة 40% compared to التكييف التقليدي، مع تحقيق عزل حراري بمعامل U-value 1.6 واط/م²·كلفن للزجاج
· إدارة المياه: سعة تخزين تبلغ 15,000 متر مكعب، مع معالجة 1,200 متر مكعب يومياً عبر المرشحات الحيوية النباتية (Phytoremediation)
ربط ذو صلة يرجى مراجعته لمقارنة تقنيات الاستدامة في العمارة المعاصرة:
[العمارة الحيوية: عندما تلتقي البيولوجيا بالهندسة]
https://archup.net/ar/مشروع-the-tip-of-nordo-في-كوبنهاغن/