متحف دوبان: تصميم معماري يدمج بين التراث المحلي والبيئة الطبيعية والتفاعل الاجتماعي
الموقع والسياق البيئي
يقع متحف دوبان في بلدة أنده، داخل منطقة الري الأساسية في دوجيانغيان. يُعد الموقع نقطة تلاقي بين ثقافة الزراعة التقليدية والصناعات الغذائية الحديثة، مما يعكس النسيج العضوي للطبيعة المحلية في منطقة لينبان بغرب سيتشوان.
البيئة المحيطة وتأثيرها على التصميم
يحيط بالمتحف غطاء كثيف من الغابات وأشجار الخيزران، تتخلله بيوت ريفية متناثرة. هذا التكوين البيئي يوفر قاعدة قوية للمشروع ويؤثر بشكل مباشر على تصميم المبنى ووظيفته.
المبادئ التوجيهية للمشروع
كان الحفاظ على النظام البيئي الطبيعي المبدأ الأساسي الذي استند إليه المعماريون في تنفيذ المشروع. إذ يركز التصميم على دمج المبنى بسلاسة مع البيئة المحيطة، مع احترام النسيج الطبيعي والثقافي للمنطقة.
الحفاظ على العناصر الطبيعية
في المرحلة الأولى من المشروع، جرى تحديد الأشجار التي يزيد قطر جذوعها عن 20 سم، بالإضافة إلى تجمعات الخيزران، لضمان الحفاظ عليها. هذه الخطوة أساسية لفهم العلاقة بين المبنى والبيئة الطبيعية المحيطة، وتوجيه تصميمه بطريقة تحترم النسيج البيئي.
تصميم متكامل مع الطبيعة
تم نسج كتلة المبنى حول الأشجار والخيزران، لتشكيل مشهد تكاملي يُعرف بـ «بيت وسط الخيزران». وتهدف هذه الاستراتيجية إلى خلق توازن بصري ووظيفي بين المبنى والطبيعة المحيطة، مما يعزز الانسجام بين العمارة والمشهد الطبيعي.
تقليل الأثر البصري ومرونة التصميم
لتقليل الأثر البصري للمبنى، وُضعت المساحات الوظيفية الرئيسية تحت مستوى الأرض، بينما يبقى فوق الأرض نحو ثلث حجم المبنى فقط، ويضم الردهة وقاعات العرض. وتعتمد هذه المقاربة على مبدأ تفكيك الكبير إلى وحدات أصغر، مما يمنح التصميم طابعًا إنسيابيًا وأقل ضخامة.
التكيف مع البيئة المحيطة
كما تم ضبط ارتفاع المبنى بحيث لا يتجاوز 15 مترًا، لتتوّج أشجار الميتاسيكويا المحيطة سقفه، وهو ما يمنحه حضورًا بصريًا متناغمًا مع الغطاء النباتي، ويقلل من تأثيره على المشهد الطبيعي العام.
إعادة تفسير الأسقف التقليدية
يعيد المتحف تفسير الأسقف المائلة الخفيفة والأنيقة لمساكن سهل تشنغدو، والمعروفة بـ«البروزات العميقة والحواف الرفيعة». هذا النهج يُبرز خفة ومرونة العمارة المحلية، ويعكس فهمًا عميقًا للتراث المعماري لمنطقة غرب سيتشوان.
التكيف مع الطبوغرافيا
استجابةً لطبوغرافية الموقع المنحدرة من الشمال إلى الجنوب، اتخذ السقف الرئيسي شكلًا بيضويًا منحنيًا يشبه حبة الفاصولياء. كما ينهض سقف أصغر في الجهة الشمالية فوق مستوى الأرض، بينما ينغرس السقف الجنوبي داخل فناء غائر. تتداخل هذه المستويات الثلاثة معًا لتجسد خفة العمارة وتدفقها مع التضاريس الطبيعية.
الابتكار في المواد والتلوين
استُعيض عن القرميد الرمادي التقليدي بعناصر مبتكرة أُطلق عليها اسم «الفلفل الملوّن»، مستوحاة من تحوّل ألوان ثمار الفلفل الحار من الأخضر إلى الأحمر ثم الأسود أثناء التجفيف. وبعد ستة أشهر من التجارب والنماذج الأولية، تم اختيار أربعة ألوان أساسية للسقف وتوزيعها بطريقة عشوائية:
- الأحمر (30٪)
- الأحمر الداكن (36٪)
- الأخضر الداكن (14٪)
- الرمادي الداكن (20٪)
يسمح هذا التنوع اللوني للسقف بالاندماج بطبيعة سلسة مع البيئة المحيطة، مع الحفاظ على هوية معمارية مميزة ومستجيبة للمشهد الطبيعي.
الابتكار في الهيكل الإنشائي
من الناحية الإنشائية، استُخدمت عوارض الخشب الرقائقي الملصق (Glulam) كبديل للإطار الخشبي التقليدي المعروف بـ«تشواندو». ويتيح هذا الاختيار تحقيق توازن بين الاستدامة والمرونة الإنشائية، مع الحفاظ على الروح التقليدية للعمارة المحلية.
دمج المواد التقليدية والحديثة
تم استخدام شرائح من الخيزران والخشب لتغطية السقف والحواف، وهو ما يعكس التقاليد المعمارية المحلية، مع الالتزام في الوقت نفسه بالمعايير الإنشائية الحديثة. هذا الدمج يعزز الانسجام بين المظهر الجمالي والأداء البنيوي للمبنى.
تحسين الأداء البنيوي
تحمل حلقات فولاذية مزدوجة الانحناء، مثبتة على أعمدة فولاذية، السقف الخشبي، مما يسمح بخلق مساحات واسعة بلا أعمدة وسطية. كما يُحسّن هذا النظام الاستفادة من الخصائص الميكانيكية للخشب، مثل المرونة والقدرة على التحمل، وهو ما يدعم التصميم الخفيف والمتناغم مع البيئة.
الفناءات كمحور للحياة اليومية
في مساكن لينبان بغربي سيتشوان، لا تقتصر الفناءات وفتحات السماء على الوظائف الطقوسية المعمارية المعروفة بـ«سي شوي جي تانغ» (عودة المياه الأربع إلى القاعة)، بل تشكّل الحواف والممرات والقاعات المحيطة بها مساحات حيوية للحياة اليومية. هذا الاستخدام يعكس العلاقة الوثيقة بين العمارة وأساليب الحياة المحلية، حيث تصبح الفناءات مراكز للتفاعل الاجتماعي والنشاط اليومي.
الفناء المركزي ودوره في الحركة الداخلية
يواصل الجزء المركزي من المتحف نمط الفناء الخاص بلينبان، فهو مغلق من الجوانب لكنه مفتوح نحو السماء، ما يكسر الحدود الأفقية ويضيف بعدًا عموديًا. يُعتبر هذا الفضاء القلب المحوري للحركة داخل المتحف، حيث يصل الزوار إليه أولاً، ثم يتوجهون إلى الردهة، وبعد مشاهدة المعارض، يعودون إليه قبل الانتقال نحو الحقول المحيطة.
إعادة تفسير التفاعل الاجتماعي التقليدي
يجسد التجمع حول الميز المائي المركزي مشهد «باي لونغمن تشن» (الدردشة الاجتماعية)، وهو عنصر حيوي يميز الفناءات في سيتشوان. هذا الأسلوب يعكس كيف يمكن للعمارة أن تدعم التفاعل الاجتماعي وتعيد إحياء تقاليد مجتمعية عميقة ضمن سياق حديث ومتعدد الوظائف.
✦ تحليل ArchUp التحريري
يمكن النظر إلى متحف دوبان كنموذج يجمع بين التقاليد المعمارية المحلية والاستجابة البيئية، حيث يظهر اندماجًا واضحًا بين المبنى والطبيعة المحيطة، بالإضافة إلى اهتمامه بالمساحات الداخلية والفناءات كوسائل لتعزيز التفاعل الاجتماعي. مع ذلك، يظل هناك عدة نقاط تستحق الانتباه في السياق المعماري الأوسع.
أولًا، تركيز المشروع على التناغم البصري مع البيئة الطبيعية يقلل من بصمته المعمارية المميزة، مما قد يصعب إعادة إنتاج هذا النهج في مواقع مختلفة أو في مشاريع أكبر نطاقًا. ثانيًا، الاعتماد على مواد مثل الخيزران والخشب الرقائقي الملصق يوفر مرونة وتصميمًا إنشائيًا متكيفًا، لكنه يفرض قيودًا من حيث الصيانة وطول العمر مقارنة بالمواد الأكثر استدامة على المدى الطويل. ثالثًا، رغم أن الفناءات والممرات الداخلية تعكس الثقافة المحلية، فإن تكرار هذا النمط في بيئات حضرية أكثر كثافة قد يواجه صعوبة في تطبيقه بسبب متطلبات المساحة والأداء الوظيفي.
وبالرغم من هذه التحفظات، يمكن استخلاص بعض الدروس المهمة للعمارة المستقبلية: تكامل المبنى مع البيئة الطبيعية، استخدام التباين اللوني لدمج المبنى مع محيطه، وإعادة التفكير في الفضاءات الداخلية كمحاور للحركة والتفاعل الاجتماعي، جميعها مفاهيم قابلة للتكييف وإعادة الصياغة في سياقات معمارية مختلفة.