تحفة معمارية من المستقبل: قراءة في مشروع متحف لوكاس لفن السرد

Home » الأخبار » النقاشات المعمارية » تحفة معمارية من المستقبل: قراءة في مشروع متحف لوكاس لفن السرد

تحوّل غير مسبوق في قلب لوس أنجلوس

عند مرورك هذه الأيام بجوار منتزه إكسبوزيشن في لوس أنجلوس، من المستحيل ألا تلاحظ الكتلة المعمارية الضخمة التي ارتفعت في موقع كان في السابق موقف سيارات عادي. الهيكل الجديد لا يشبه أي مبنى تقليدي، بل يُشبه سفينة فضاء قررت الهبوط وسط المدينة والبقاء.

فكرة متحف خارج الصندوق

هذا المبنى هو متحف لوكاس لفن السرد القصصي، من تصميم مكتب MAD Architects بقيادة المعماري الصيني ما يانسونغ. المشروع الذي طال انتظاره، وتجاوزت تكلفته حاجز المليار دولار، من المقرر افتتاحه في عام 2026، بعد سلسلة طويلة من التأجيلات. لكن الترقب لا يتعلّق فقط بالتأخير، بل بتجربة معمارية فريدة تخرج عن المألوف.

ما يلفت النظر هنا أن التصميم لا يتبع الأنماط التقليدية للمؤسسات الثقافية، بل يتخذ شكلًا نحتياً عضويًا أقرب إلى العمل الفني بحد ذاته. وهذا التوجه يعكس تحولًا تدريجيًا في طريقة تفكير المعماريين تجاه المتاحف؛ فلم يعد يُنظر إليها فقط كمخازن للفن، بل كجزء من التجربة البصرية.

تصميم مستوحى من الخيال

أراد يانسونغ أن يوصل إحساس “السحابة العائمة” من خلال خطوط ناعمة ومنحنية، وواجهات تنساب بانسيابية دون زوايا حادة. يمتد المبنى على خمسة طوابق بمساحة تقارب 300 ألف قدم مربعة، ومغطى بسطح لامع يعكس الضوء بتغيرات متواصلة على مدار اليوم.

التفاعل البصري والجمالي

الزائر لا يمر بجوار المتحف مرور الكرام. بل يجد نفسه مدفوعًا للتأمل وربما التقاط الصور. المبنى لا يطلب انتباهك؛ هو يفرضه. تصميمه يحفّز الخيال بطريقة تتناغم مع طبيعة محتواه السردي، خاصة وأن بصمة جورج لوكاس حاضرة في كل زاوية، سواء من حيث الإحساس بالدهشة أو الجرأة في كسر المألوف.

تجربة متعددة الأبعاد داخل المتحف

لا يقتصر المتحف في الداخل على كونه مساحة للعرض فقط، بل يتجاوز هذا الدور التقليدي ليقدّم تجربة متكاملة. فإلى جانب القاعات المخصصة للمعارض الفنية، يضم المبنى أيضًا مسرحين، وفصولًا دراسية، ومطاعم، ومتاجر، بالإضافة إلى مساحات مخصصة للفعاليات العامة والخاصة.
هذا التنوّع في الوظائف يعكس رؤية تصميمية تستهدف جعل المتحف وجهة ترفيهية وتفاعلية، وليس فقط مكانًا للاستعراض الصامت.

تصميم داخلي يدعو إلى الاستكشاف

الهيكل الداخلي للمتحف يتسم بانسيابية عضوية تتناغم مع الشكل الخارجي. الإضاءة الطبيعية تُغمر في أرجاء المبنى من خلال فتحات مدروسة، بينما تدعو المسارات المتداخلة الزائر إلى التجوّل بحرية واكتشاف الزوايا المختلفة.
وقد تم التركيز بوضوح على تجربة المستخدم؛ إذ نجد مزيجًا من المساحات الهادئة للتأمل الفردي، ومساحات مفتوحة تستوعب الفعاليات الفنية الكبيرة أو الأنشطة المجتمعية.

تأجيل الافتتاح… ضرورة أم عائق؟

رغم الحماس الذي رافق الإعلان عن المشروع، إلا أن افتتاح المتحف لم يكن بالمهمة السهلة. فقد كان من المقرر افتتاحه في عام 2021، لكن كغيره من المشاريع المعمارية الكبرى في لوس أنجلوس، واجه المشروع تأجيلات متكررة، ليُعاد تحديد موعد الافتتاح إلى عام 2026.
وبالنظر إلى تعقيد التصميم، قد يكون هذا التأجيل فرصة لضمان التنفيذ بدقة وتفانٍ، بدلًا من الاستعجال على حساب الجودة.

مشاهد البناء: سرد بصري بحد ذاته

من تابع مراحل الإنشاء على مدى السنوات الماضية، لاحظ كيف تحوّلت الهياكل الفولاذية المنحنية تدريجيًا إلى شكلٍ متكامل، وتم تركيب الألواح الخارجية واحدة تلو الأخرى بعناية لافتة.
ورغم أن هذه العملية كانت بطيئة ومثيرة لقلق البعض، إلا أن العمل الجاري يعكس إصرارًا على الجودة ورفضًا للحلول السهلة، وهو ما يتناسب مع طبيعة المشروع ورسالته الجمالية.

تكامل بين العمارة والطبيعة

ما يميز مشروع متحف لوكاس ليس فقط تصميمه المعماري، بل ارتباطه المدروس بالمساحات الخارجية المحيطة به. فقد تم دمج المبنى ضمن حديقة عامة تمتد على مساحة 11 فدانًا، صمّمتها شركة Studio-MLA لتكون امتدادًا حيًا للمتحف، لا مجرد إطار محيط به.

فضاء عام نابض بالحياة

الموقع لا يضم مبنى المتحف فقط، بل يشمل عناصر متعددة تعزز من وظيفته المجتمعية:

  • مدرّج مفتوح في الهواء الطلق
  • حدائق معلّقة تشكّل تجربة بصرية مدهشة
  • جسور للمشاة تربط بين أجزاء الموقع بسلاسة

كل هذه العناصر أسهمت في تحويل جزء مهجور من منتزه إكسبوزيشن إلى واحة خضراء يستمتع بها السكان والزوار على حد سواء، سواء جاؤوا للمتحف أم لا.

عمارة في خدمة المجتمع

ما نراه هنا يتجاوز حدود العمارة كفن بصري، ليصل إلى مستوى التخطيط الحضري الذكي. هذا المشروع لا يعيد فقط تعريف المتحف كمبنى، بل يرسّخ مفهومه كمكان تفاعلي يخدم النسيج الاجتماعي للمدينة، ويوفر بيئة يمكن للجميع التفاعل معها.

إعادة تعريف دور المتاحف

مع افتتاح المتحف المرتقب، من المتوقع أن يُحدِث المشروع نقلة نوعية في المشهد الثقافي في لوس أنجلوس. فهو يطرح تساؤلًا مهمًا:
هل يمكن للمتاحف أن تكون أماكن ممتعة، مفتوحة، وجاذبة بدل أن تكون رسمية ومهيبة؟

متحف لوكاس يقدّم جوابًا عمليًا:
نعم، يمكن أن تكون المتاحف أكثر إنسانية وجرأة، إذا احتضنت الفن بروح تشبهه.


تحليل ArchUp التحريري

لا شك أن مشروع متحف لوكاس يقدّم نموذجًا معماريًا جريئًا وغير تقليدي، يستحق التقدير من حيث الجرأة في التصميم، والقدرة على الدمج بين الفن والعمارة والطبيعة في إطار تفاعلي يخدم المجتمع. التصميم العضوي والانسيابي يثير الإعجاب ويعكس فلسفة سردية بصرية تليق بالمحتوى الذي سيحتضنه المتحف.

لكن، ورغم هذه الطموحات المعمارية الرفيعة، تظل هناك تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة المشروع على تلبية توقعات الجمهور على المدى البعيد، خاصة من ناحية التشغيل، وتنوّع البرامج الثقافية، وجدوى استثمار هذا الحجم الهائل من الموارد في مبنى واحد ضمن مدينة تواجه تحديات حضرية أخرى.

كما أن التركيز العالي على البُعد البصري قد يطرح نقاشًا حول مدى موازنة الشكل بالمضمون، وهل سيتفوّق المبنى على ما بداخله؟ أم سينجح فعلًا في جعل الزائرين يرون الفن من منظور جديد؟

في النهاية، يمكن القول إن متحف لوكاس يمثّل خطوة جريئة نحو إعادة تعريف المتاحف، لكن نجاحه الحقيقي سيتحدد ليس فقط من خلال صور افتتاحه أو إعجاب المعماريين به، بل من خلال مدى تفاعل الجمهور معه، واستمراريته كصرح حي في قلب المدينة.



قُدم لكم بكل حب وإخلاص من فريق ArchUp

لا تفوّت فرصة استكشاف المزيد من أخبار معمارية في مجالات التصميم الداخلي، و ورقات بيانات المواد، عبر موقع ArchUp.

Further Reading from ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *