مجمّع مدارس دومينيك فريلو يعيد صياغة العلاقة بين العمارة والبيئة
التصميم الرأسي في المجمعات التعليمية
يُعتبر المجمّع التعليمي الذي تم تطويره مؤخرًا في مدينة كولومب مثالًا على الطابع الرأسي في تصميم المدارس. يساهم ترتيب الطوابق العلوية بشكل متدرج، إلى جانب تنوع المسارات الداخلية، في تعزيز التواصل البصري والحركي بين المبنى والمحيط الطبيعي.
التكامل مع البيئة المحيطة
من خلال هذا النهج، يصبح العمق المكاني للمبنى جزءًا من المشهد الطبيعي، ما يسمح للطلاب والزوار بالشعور بالاندماج مع البيئة المحيطة. كما تعزز المسارات المتنوعة التجربة التعليمية من خلال تحفيز الحركة والاستكشاف داخل المجمع.
التحديات الحضرية والحجم المحدود للأرض
يقع المجمع التعليمي في منطقة حضرية عالية الكثافة وغير متجانسة، على قطعة أرض صغيرة نسبيًا كانت سابقًا جزءًا من موقع صناعي. هذا السياق فرض تحديات تصميمية تتعلق بالاستغلال الأمثل للمساحة، مع ضمان توفير مناطق خضراء للأنشطة الخارجية.
المدرسة الرأسية كحل تصميمي
سمح الحجم الكبير للمبنى ومتطلبات إنشاء ساحة لعب خضراء باقتراح تصميم رأسي يعتمد على مسارات مميزة، حيث تتداخل العمارة بسلاسة مع المشهد الطبيعي المحيط. يقدّم المبنى كتلة واضحة وسهلة التعرّف، تجمع بين الطابع المهيب والشعور بالألفة، مع التفاف المبنى حول ساحة اللعب ليعمل كغلاف واقٍ يحمي المساحة الداخلية.
الواجهات وتفاعلها مع البيئة
تعكس الواجهات على جانب المدينة الطابع التراثي للمنطقة، من خلال استخدام الطوب الأحمر المستوحى من تقليد البناء في إيل دو فرانس، مع الإشارة إلى تأثيرات تصميمية معاصرة. يتم ترتيب القطع الطوبية بشكل عمودي لتشكيل كسوة واضحة، بينما يخلق التناوب بين القطع المسطحة والمحدبة نسيجًا بصريًا غنيًا، يمنح العمق للواجهة ويغيّر إدراكها تبعًا للزاوية التي يُشاهد منها المبنى وظروف الإضاءة الطبيعية.
الجانب الداخلي والوظيفة البيئية
على جانب الفناء والطوابق العليا، تُستبدل المواد الطوبية بالخشب، مدعومًا بهيكل معدني رفيع يحمل الشرائح الخشبية. هذا التصميم يوفر الظل ويساهم في تعزيز النباتات المتسلقة المزروعة داخل الفناء، مما يدمج بين الجمالية المعمارية والوظائف البيئية بطريقة متكاملة.
الحدائق المعلقة والشرفات التعليمية
تم تعديل التصميم الداخلي لكل طابق لإتاحة مساحة لشرفات حديقة معلّقة، توفر إطلالات على المدينة وتخلق بيئة تعليمية خارج الصف التقليدي. هذه الشرفات تعزز التفاعل بين الطلاب والمحيط الحضري، مع إضافة بعد بصري ومساحة للاسترخاء والتعلم في الهواء الطلق.
الساحات التعليمية والفناء الطبيعي
على الجانب الجنوبي، يعمل سقف ساحة اللعب كمنصة واسعة على شكل حديقة تعليمية تربط بين جناحي المبنى. كما يُحافظ التصميم على مساحة كبيرة من التربة المكشوفة في الفناء، مغطاة جزئيًا بمواد معاد استخدامها، مستلهمة من المناظر الطبيعية المحلية مثل سهول السيان الرسوبية وغابات ضفاف النهر. هذا التوازن بين البنية المعمارية والطبيعة يوفر تجربة تعليمية حسية للطلاب، ويعزز الاستدامة البيئية في المجمع.
إدارة المياه والمساحات المركزية
تُعد المساحة المركزية في التصميم نقطة التركيز البصرية والوظيفية للمجمع، حيث تجمع مياه الأمطار المتساقطة على الموقع وتعمل على تصفيتها بشكل طبيعي. هذه العملية تعكس دمج الاستدامة البيئية في تصميم الفضاءات التعليمية.
التراسات التعليمية والمشهد الطبيعي المصغر
تشكل التراسات مصغرًا لمشتل يعرض تنوع البيئات الطبيعية لمنطقة باريس، مع إبراز اختلافات التربة من حيث العمق والخصائص الكيميائية والفيزيائية للطبقات الأساسية. يعكس هذا التدرج الطبيعي النمط الارتفاعي للمنطقة: النهر في الأسفل، يليه الغابات والمروج الجافة في الأعلى، مما يمنح الطلاب تجربة تعليمية حسية تربط بين العمارة والبيئة الطبيعية المحيطة.
تنظيم المسارات الداخلية
يعتمد التصميم على تنظيم متدرّج للطوابق، ما يخلق شبكة من المسارات داخل المبنى تسهّل الحركة وتضيف بعدًا تجريبيًا للطلاب. تشمل هذه الشبكة حجيمين أسطوانيين كبيرين من الخرسانة يضمّان سلالم مفتوحة وذات مسار حلزوني، تستفيد من الضوء الطبيعي لتعزيز تجربة التنقل.
المسارات الخارجية والتجربة البانورامية
تتدرّج السلالم الخارجية نحو الفناء، موصلة جميع مستويات التراسات، لتشكل مسارًا في الهواء الطلق. هذا المسار يوفر مشاهد بانورامية متنوعة للمدينة، ويعزز الارتباط بين المبنى والمحيط الحضري، مع خلق تجربة تعليمية حسية تجمع بين الحركة والمشاهدة والتفاعل مع البيئة.
الضوء الطبيعي والتوزيع المكاني
يغمر الضوء الطبيعي الممرات عبر نوافذ كبيرة، موزعة وفق نمط قطري يتماشى مع الأحجام المتدرجة للواجهة. تساعد هذه النوافذ في خلق منظور داخلي عميق، كما تمنح الفصول الدراسية إضاءة شمسية غير مباشرة وتحسن التهوية الطبيعية، ما يعزز الراحة البصرية والبيئية للطلاب.
التفاعل بين الفصول والمحيط الخارجي
رغم تشابه نسب الفصول الدراسية، يختلف كل فصل في تكوينه وعلاقته بالمحيط الخارجي، حيث تواجه مداخل الفصول أطرًا واسعة من الزجاج تطل على المدينة. في الطابق الرابع والأخير، تستفيد قاعة الغداء من إطلالة بانورامية على أفق باريس، ما يضيف بعدًا بصريًا مميزًا للتجربة التعليمية داخل المبنى.
المواد الداخلية وتأثيرها على البيئة التعليمية
تُكسى الجدران الفاصلة بين الممرات والفصول بالطوب الأرضي المضغوط، حيث يضفي كشفها على الجانبين طابعًا مميزًا على المساحات الداخلية. كما تسهم هذه المادة في تحسين العزم الحراري وتنظيم الرطوبة النسبية داخل المبنى، ما يعزز الراحة البيئية للطلاب والمعلمين.
الأثاثية والهيكلية المكشوفة كأدوات تعليمية
تعمل الأثاثية المدمجة المصنوعة من خشب الحور على تلطيف الطابع القاسي لبعض المعدات وميزات الخدمة، مما يخلق بيئة أكثر دفئًا وجاذبية. في الوقت نفسه، تبقى الهيكلية وشبكات المرافق المكشوفة جزءًا من التصميم لأغراض تعليمية، حيث تتيح للمستخدمين فهم طريقة بناء المبنى وتشغيله. هذه البساطة التصميمية تقلل أيضًا من تكاليف الصيانة والإدارة، ما يدمج بين الجمالية العملية والفائدة التعليمية.
✦ ArchUp Editorial Insight
يمثل مجمّع مدارس دومينيك فريلو تجربة معمارية تتيح بعض العناصر الإيجابية، مثل استخدام التدرج الرأسي والمسارات المتنوعة التي تعزز التواصل البصري والحركي، وإدماج ضوء الشمس والهواء الطبيعي في المساحات الداخلية، مما يوفر إطارًا عمليًا للتعلم في بيئة مفتوحة. ومع ذلك، يمكن ملاحظة أن التركيز على التصميم الرأسي قد يفرض قيودًا على قابلية التوسع أو إعادة التكييف في المستقبل، كما أن إدارة الفضاءات المكشوفة والمساحات المعلقة تتطلب صيانة دقيقة ومستدامة لضمان استمراريتها على المدى الطويل.
بالإضافة إلى ذلك، دمج المواد الطبيعية مثل الطوب والخشب يوفر مزايا بيئية، لكنه قد يواجه تحديات في مقاومة العوامل المناخية أو الاستخدام الكثيف، ما يستدعي دراسة دقيقة للمواد وتقنيات الصيانة قبل اعتماد مثل هذه النماذج على نطاق واسع. على الرغم من هذه التحفظات، يمكن استخلاص رؤى قيمة من المشروع فيما يتعلق بتجربة التفاعل بين المبنى والبيئة، ودمج التعلم الحسي في التصميم، ما يجعله مصدرًا للملاحظات والمقارنات عند تخطيط مدارس مستقبلية أو مشاريع تعليمية مماثلة.