مشروع تشووتشوانغ يعيد قراءة العلاقة بين المبنى المهجور والفضاء المسرحي
إعادة توظيف مبنى مهجور في سياق ثقافي جديد
يقع المشروع عند مدخل مدينة تشووتشوانغ في مقاطعة جيانغسو، ويعتمد على إعادة استخدام مجمّع فندقي شُيّد عام 2003 وظل مهجورًا لسنوات طويلة. بدلًا من هدم المبنى أو تركه خارج المشهد العمراني، جرى توجيهه نحو وظيفة ثقافية جديدة أكثر ارتباطًا بالهوية المحلية.
التحول من فندق إلى فضاء مسرحي غامر
تم تحويل المجمع إلى فضاء مسرحي مخصص لعرض «ملحمة تشووتشوانغ»، وهو عرض أدائي يعتمد على التجربة المكانية والانغماس البصري. هذا التحول يعكس توجهًا واضحًا نحو استثمار المباني القائمة لخدمة الفنون الأدائية، مع الحفاظ على البنية الأساسية للمشروع وتكييفها مع متطلبات العرض المعاصر.
الإطار المؤسسي والتنفيذي للمشروع
أُنجز المشروع ضمن عقد EPC قاده معهد تصميم وبحوث عمارة المناظر الطبيعية التابع لأكاديمية الصين للفنون الجميلة، ما وفر إطارًا متكاملًا يجمع بين التصميم والتنفيذ. في هذا السياق، تولّى استوديو دينغزونغ يو دور المصمم الرئيسي، بينما اقتصر دور فريق الواجهة على تكييف الغلاف الخارجي ليتماشى مع الوظيفة الجديدة للمبنى دون المساس بجوهره المعماري.
دلالة المشروع على مستوى التخطيط العمراني
يعكس هذا المشروع توجهًا متزايدًا في التخطيط العمراني الصيني نحو إعادة إحياء المباني المهجورة عبر برامج ثقافية، بدل التعامل معها كأعباء إنشائية. كما يبرز دور العمارة كوسيط بين الذاكرة العمرانية والاستخدام المعاصر، خاصة في المدن ذات الطابع التاريخي مثل تشووتشوانغ.
التحديات في تكييف مبانٍ كبيرة
تمثّل التحدّي الرئيسي في المشروع في تكييف المبنى الضخم، الذي صُمّم أصلاً كفندق، بحيث ينسجم مع مقياس وأجواء بلدة مائية تاريخية تعود إلى ألف عام. وكان على التصميم أن يوازن بين الرمزية الثقافية والوظائف العملية للعروض المسرحية، بما في ذلك حركة الجمهور وإمكانية وصول المعدات التقنية.
الابتكار في التصميم: مفهوم «الستارة»
بدلاً من تغطية المبنى بعناصر زخرفية تقليدية، تم تقديم مفهوم “الستارة”، الذي يجمع بين البُعد البصري والمجازي في الوقت نفسه. فقد قامت لوحتان من ألواح الألمنيوم المنحني، تشبهان الستائر، بحجب الشكل الأصلي برفق، ما يخلق إحساسًا بالخفّة والانفتاح.
تجربة الزائر: بين التراث والحداثة
يلعب المدخل المرتفع دورًا في خلق حالة من الترقّب المسرحي، بينما يشكّل الممر الداكن خلفه هيئة ظلّية تُذكّر بأسقف الجمالون الصينية التقليدية. وبهذا الأسلوب، ينجح التدخّل المعماري المعاصر في ربط الذاكرة التاريخية للمكان بالوظيفة الجديدة، مما يعزز التجربة البصرية والرمزية للزائر.
التكامل بين التصميم والوظائف العملية
كان على مفهوم “الستارة” أن يوازن بين عدة عوامل في الوقت نفسه، بما يشمل تعزيز الهيكل الإنشائي، وتسهيل حركة العروض في الممرات، وتعقيدات عمليات التصنيع. ولتحقيق ذلك، تم اعتماد استراتيجية تصميم بارامتري منذ المراحل الأولى، ما أتاح إدارة التغييرات بكفاءة وإجراء تعديلات مستمرة خلال مرحلة التطوير.
اختيار المواد وتأثير الضوء
تم اختيار ألواح الألمنيوم المؤكسد لما توفره من انعكاس ديناميكي للضوء الطبيعي، مما يعزز التجربة البصرية للمساحات الداخلية والخارجية. واعتمد التصميم النهائي على ألواح خلوية بسماكة 20 مم، محققًا توازنًا بين تكلفة مواد البناء وسهولة التنفيذ.
استحضار التراث عبر التفاصيل
تم تقليل استخدام الألواح مزدوجة الانحناء من خلال أسلوب التقسيم، مع توظيف ألواح أصغر في المناطق ذات الانحناءات العالية، ما يستحضر مقياس بلاطات الأسقف التقليدية. وبهذا، نجح المشروع في الجمع بين الحس المعماري التقليدي ومرونة التنفيذ الحديث في الوقت نفسه.
تحديات التركيب في موقع محدود المساحة
نظرًا لضيق ظروف الموقع، لم يكن من الممكن اعتماد أسلوب الرفع التقليدي باستخدام الألواح كبيرة الحجم. لذلك، استندت عملية التركيب إلى تخطيط دقيق مدعوم بأجهزة Total Station، بالإضافة إلى ألواح تثبيت فولاذية لتحديد المواقع، مع ضبط دقيق على أرض الواقع بواسطة مقاولين ذوي خبرة عالية.
الاعتماد على تقنيات متقدمة
سمح هذا النهج بتركيب 1,060 لوحًا فريدًا بدقة عالية، ضمن سير عمل متكامل قائم بالكامل على نمذجة معلومات البناء (BIM). وبذلك، تم الجمع بين الدقة التقنية والمرونة في التنفيذ، ما ضمن توافق المشروع مع المعايير الحديثة للبناء والتصميم.
التفاعل مع التراث المحلي
ولمواءمة الطابع متعدد السلالات للمسرح مع التراث المحلي، أجرى الفريق مشاورات موسعة مع المخرجين والعملاء وسكان تشووتشوانغ. وأتى تصميم الواجهة وممر الدخول كنظام واحد متكامل، يوجّه حركة الجمهور بشكل وظيفي، ويجسد في الوقت ذاته الملامح المكانية المحلية، ما يعكس تناغم المشروع بين الحداثة والهوية التاريخية للمدينة.
التنظيم المعماري للممر
يعتمد الممر على وحدة شبكية بقياس 50×100 سم، تنظّم جميع العناصر المعمارية الظاهرة، بما في ذلك الجدران والأسقف والأعمدة المزدوجة والكُرانيش. ويساهم التكرار المعياري مع قدر من التنويع الطفيف في خلق تجربة مشاة متعددة الطبقات وخفيفة الإحساس تحت مفهوم «الستارة»، ما يعزز الانسيابية البصرية ويقوي الانغماس المكاني للزائر.
دمج العناصر المناخية في التصميم
لم يُنظر إلى المطر كمشكلة، بل كفرصة تصميمية. حيث يقوم نظام تصريف مخفي بتوجيه المياه من فواصل الأسطح إلى مزاريب الأفاريز وسلاسل المطر، لتتدفق بعدها إلى البرك السفلية. وبهذه الطريقة، تتفاعل الواجهة مع الظروف المناخية، فتبدو قاتمة وثرية بالملمس خلال الأيام الماطرة، بينما تتلألأ بلون أزرق ساطع تحت ضوء الشمس، ما يضفي بعدًا ماديًا شاعرياً يربط المبنى بطبيعة تشووتشوانغ.
توسع المسرح عبر المباني الثلاثة
يمتد المسرح عبر ثلاثة مبانٍ متجاورة، يتمتّع كل منها بـ حالات واجهة مختلفة، ما أضاف تحديًا تصميميًا في تحقيق وحدة بصرية ووظيفية. وبهدف توسيع مفهوم “الستارة” مكانيًا، تم تصميم مناطق قابلة للمشي، مثل درج متصل خلف الألواح، ما يتيح مساحات محتملة لعروض خارجية مستقبلية ويعزز تفاعل الجمهور مع المبنى.
المواد وتأثيرها البصري
تم استخدام مزيج من أربعة أنواع من ألواح الألمنيوم المثقّبة، بهدف خلق تأثير ناعم يشبه القماش على سطح الواجهة. وبهذه الطريقة، تم الجمع بين المرجع التقليدي لمواد البناء الصينية ومتطلبات الأداء المعاصر، ما يعكس التوازن بين الهوية التاريخية للمكان والتقنيات الحديثة في التصميم المسرحي.
✦ ArchUp Editorial Insight
يمكن النظر إلى مشروع تشووتشوانغ باعتباره مثالًا على إعادة استخدام المباني القائمة بطريقة مبتكرة، إذ يتيح الاحتفاظ بالهيكل الأصلي مع تكييفه لوظائف ثقافية جديدة، ما يعكس توجهًا متزايدًا في العمارة نحو الاستدامة وإعادة الاستخدام. من ناحية إيجابية، يساهم المفهوم البصري لمفهوم “الستارة” في خلق تجربة فضاء متكامل تربط بين الداخل والخارج، وتعزز الانغماس المكاني للزوار.
مع ذلك، تظهر عدة تحفظات من منظور معماري عملي. أولًا، الاعتماد الكبير على الألواح المعدنية المعقدة والانحناءات الدقيقة قد يشكل تحديات طويلة الأمد في الصيانة والتجديد، خصوصًا في بيئات ذات مناخ متغير. ثانيًا، التكيف مع التراث العمراني المحلي يبقى جزئيًا، حيث أن الهيكل الأصلي للفندق لم يكن مصممًا أصلاً لتجربة مسرحية غامرة، ما قد يحد من مرونة الاستخدام المستقبلي للعروض المتنوعة. أخيرًا، تكامل التكنولوجيا مثل نمذجة معلومات البناء (BIM) مهم جدًا أثناء التنفيذ، لكنه قد يمثل عبئًا على فرق صيانة المشروع بعد التسليم، خصوصًا إذا لم تتوافر خبرات كافية على المدى الطويل.
بالنظر إلى هذه العناصر، يمكن الاستفادة من المشروع كدراسة حالة لفهم التوازن بين إعادة الاستخدام، التجربة المكانية، والاعتبارات التقنية والاقتصادية، مع التركيز على أهمية التخطيط لمراحل التشغيل والصيانة، وليس فقط على الجانب الجمالي أو الرمزي. يمكن متابعة مشاريع مشابهة ضمن المشاريع المعمارية على منصة ArchUp.