مصباح LOOPS: حين تتحوّل الإضاءة إلى نحتٍ حيّ من الظل والمادة
تطور مفهوم الإضاءة: من الوظيفة إلى التعبير البصري
لقد شهد تصميم الإضاءة تحولات جذرية منذ أيام المصابيح المكتبية البسيطة. ورغم هذا التطور، لا يزال العديد من الناس يتوقعون أن تحتفظ وحدات الإضاءة بشكل موحد، سواء كانت مضاءة أم مطفأة.
هذا التصور السائد يسلّط الضوء على مشكلة في الفهم العام لوظيفة الإضاءة، ويطرح تساؤلات حول حدود التصميم التقليدي.
الإضاءة كنحت وظلال
مصباح LOOPS، الذي صمّمه الفنان الياباني تاغ نيشي موتو، يأتي كمثال مغاير لتلك التوقعات النمطية. فرغم مظهره البسيط نسبيًا في وضح النهار، إلا أن تشغيله يخلق تحولًا بصريًا لافتًا، حيث تتحول الغرفة إلى مساحة تتداخل فيها الظلال والتكوينات الهندسية بشكل عضوي ومعقد.
من خلال هذا العمل، يعيد نيشي موتو تعريف علاقة الضوء بالمكان، مقدمًا الإضاءة كعنصر نَحتي وظيفي وجمالي في آنٍ واحد.


المواد الأولية: بساطة تقود إلى تعقيد بصري
من النظرة الأولى، قد لا يبدو هذا المصباح مثيرًا للاهتمام. فالمكونات التي صُنع منها ليست فاخرة بأي حال من الأحوال؛ فهو يتكوّن من حبل السيزال، والجبس، والخرسانة، وقضبان فولاذية رفيعة.
هذه المواد تُستخدم عادة في تطبيقات صناعية أو حرفية بسيطة، ما قد يوحي بأن التصميم بدائي أو عابر.
إعادة التفكير في استخدام المواد
لكن ما يميز المشروع ليس نوعية الخامات، بل النهج الذي يتبعه المصمم في توظيفها.
يبدأ نيشي موتو بقص حبال السيزال إلى أطوال تتراوح بين 35 و60 سنتيمترًا. بعد ذلك، يقوم بفكّها لتكوين حلقات لينة، تلتف وتتشكل بطرق يصعب التنبؤ بها.
هذه العشوائية الظاهرية ليست نتيجة إهمال أو صدفة، بل تمثل فكرة أساسية في فلسفة نيشي موتو التصميمية: ترك المواد تتصرف وفقًا لطبيعتها، مع التدخل فقط لتنظيم علاقتها بالفراغ المحيط.


البناء اليدوي: من التكرار إلى العشوائية المنظمة
بعد تشكيل الحلقات من حبال السيزال، يقوم المصمم بتثبيتها مؤقتًا باستخدام مادة مقوّية تُستخدم عادةً في معالجة الأقمشة. هذه الخطوة تمنح الحلقات صلابة أولية، تسمح بتشكيلها دون أن تفقد مرونتها الطبيعية.
استخدام الجبس بطريقة غير تقليدية
لاحقًا، تُلفّ كل حلقة بطبقات من الجبس السريع التصلب، الذي يختلف عن الجبس التقليدي المستخدم في الصبّ داخل قوالب جاهزة.
هذا النوع من الجبس يتحول بسرعة من الحالة السائلة إلى الصلبة، مما يُنتج أسطحًا غير ملساء تحمل آثار اللمسة اليدوية، وهو ما يضفي على العمل طابعًا حسيًا واضحًا.
التكوين التراكمي: لا خطة مسبقة
بدلًا من اتباع تصميم هندسي مسبق، تُجمع الحلقات المغطاة بالجبس في تكوينات عنقودية تتشكل وفقًا لنقاط التقاء طبيعية.
يبحث المصمم عن ثلاث نقاط تماس أو أكثر بين الحلقات، ويُثبتها كما هي، دون فرض شكل محدد.
هذه الطريقة تخلق نظامًا يبدو عشوائيًا، لكنه يعكس قوانين الطبيعة، كما هو الحال في تكوينات الرمال أو الصخور، حيث تنشأ الأشكال نتيجة تراكمات متكررة لا تخضع لقواعد صارمة.

الهيكل والدعامة: توازن بين الثبات والخفة البصرية
بعد الانتهاء من تشكيل العنقود النحتي، يُثبَّت على أربع قضبان فولاذية رفيعة، تمتد من قاعدة خرسانية أسطوانية تخفي داخلها مصدر الإضاءة الفعلي.
هذا التكوين يمنح المصباح توازنًا بنيويًا، حيث توفر القاعدة الخرسانية الاستقرار المطلوب، في حين تضيف القضبان الرفيعة لمسة خفيفة لا تُثقل التكوين بصريًا.
الحفاظ على الانسجام البصري
رغم كون القاعدة الخرسانية عنصرًا وظيفيًا بحتًا، فإن المصمم لم يتجاهل تكاملها مع بقية المكونات. فقد تم تغطيتها بطبقة من الجبس، ما يضمن اتساق الخامة والملمس على امتداد القطعة بالكامل، ويعزز الشعور بوحدة التصميم.
الأبعاد والبروز البصري
يتراوح المسقط الأفقي للمصباح بين 40 و50 سنتيمترًا، بينما يبلغ ارتفاعه ما بين 70 و80 سنتيمترًا.
هذه الأبعاد تجعل من القطعة عنصرًا بارزًا في أي مساحة توضع فيها، دون أن تفرض حضورًا طاغيًا أو مربكًا.
لحظة التحوّل: من خامة إلى تجربة
ورغم أن الشكل الخارجي يحتفظ بسكونه خلال النهار، إلا أن التجربة البصرية تتغيّر تمامًا عند الإضاءة.
يحدث تحول درامي واضح، حيث يتحول الكائن النحتي إلى أداة لرسم الظلال، تُفعّل العلاقة بين الشكل والفراغ من جديد.
هذه الثنائية بين الضوء والظلام هي ما يمنح المصباح بعدًا يتجاوز الاستخدام، ليلامس التجربة الجمالية والفنية.


التحوّل البصري: عندما يعمل الضوء كمكوّن فني
في وضح النهار، يبدو المصباح وكأنه كتلة خامة بسيطة. سطح الجبس، بلونه وتكوينه، يُضفي عليه طابعًا ساكنًا وغير ملفت.
لكن مع تشغيل المصدر الضوئي المخبّأ داخل القاعدة، تنقلب التجربة.
تبدأ الظلال في التمدد على الجدران والأسقف، كاشفة عن تركيبة هندسية داخلية معقّدة.
هذه الظلال لا تُكوّن أشكالًا ثابتة، بل تتحرّك وتتحوّل مع تغيّر زاوية النظر، مما يخلق نوعًا من الحوار المتواصل بين الضوء والمكان.
ما بين النحت والتركيب
هذا التفاعل الديناميكي يجعل من المصباح شيئًا يتجاوز الاستخدام، ليقترب من مفهوم التركيب الفني.
ليس الغرض منه الإضاءة فقط، بل تفعيل الفضاء المحيط وتحويله إلى سطح حيّ للضوء والظل.
حتى الآن، أنتج نيشي موتو ثلاثة نماذج أولية فقط، يتميّز كل منها بشكل فريد، نتيجة لطبيعة العملية اليدوية والعفوية التي يعتمدها.


اعتبارات وظيفية: الفن لا يخلو من التحديات
رغم القيمة الجمالية التي يحملها تصميم LOOPS، إلا أن هناك بعض الجوانب العملية التي تستحق التأمل.
أولها أن العمل مصنوع يدويًا بالكامل، ما يعني أن كل قطعة ستكون فريدة، وقد يصعب تحقيق التناسق البصري إذا تم استخدام أكثر من وحدة في نفس المساحة.
بالإضافة إلى ذلك، تعتمد فعالية تأثير الظلال بشكل مباشر على البيئة المحيطة؛ من حيث موقع المصباح، لون الجدران، ودرجة انعكاس الأسطح.
لذلك، لن تكون التجربة متطابقة في كل الأماكن، وهو ما يتطلب وعيًا مكانيًا عند اختيار موضع القطعة.
إعادة التفكير في دور المادة
رغم هذه التحديات، يقدم التصميم رؤية عضوية مغايرة لما اعتدناه من وحدات الإضاءة الجاهزة.
إنه يذكّرنا بأن التصميم لا يجب أن يبدأ دائمًا من رسم هندسي صارم، بل يمكن أن ينشأ من الاستماع للمادة ذاتها، ومنحها حرية التشكّل.

✦ تحليل ArchUp التحريري
مصباح LOOPS يعكس فلسفة تصميمية لا تبدأ من الشكل، بل من سلوك المادة.
إنه مشروع يُذكّر بأن الإضاءة يمكن أن تكون أكثر من مجرد أداة وظيفية — بل لغة تشكيلية تُعيد تعريف علاقتنا بالضوء والمكان.
اكتشف أحدث المعارض والمؤتمرات المعمارية
نقدم في ArchUp تغطية يومية لأبرز الفعاليات المعمارية والفعاليات الدولية والمنتديات الفنية والتصميمية حول العالم.
تابع أهم المسابقات المعمارية, وراجع المنصات الرسمية, وابقَ على اطلاع عبر الأخبار المعمارية الأكثر مصداقية وتحديثًا.
يُعد ArchUp منصة موسوعية تجمع بين الفعاليات وفرص التفاعل المعماري العالمي في مكان واحد.