نُزُل تشينغيي يعيد قراءة العلاقة بين المبنى والسياق الطبيعي والاجتماعي
موقع المشروع وسياقه الطبيعي
يقع المشروع في قرية شيانجينغ التابعة لبلدة بايتا في مقاطعة شيانجو بإقليم تشجيانغ. ويتميّز الموقع بإطلالة مباشرة على قمة فانزينغ من الجهة الجنوبية الغربية، ما يمنحه ارتباطًا بصريًا قويًا بالمشهد الجبلي المحيط. هذا الامتداد الطبيعي لجبال شينشيانجو يشكّل الخلفية الأساسية التي انطلق منها التفكير في إعادة توظيف القرية ووظيفتها المستقبلية ضمن السياق العمراني للمدن.
الرؤية التخطيطية للتحول القروي
في هذا الإطار، تبنّت حكومة البلدة توجهًا يهدف إلى إعادة تعريف هوية القرية، من خلال تحويلها إلى بيئة مخصصة لفنون الرسم والتخطيط. الهدف هنا لا يقتصر على التجديد العمراني، بل يتجاوز ذلك إلى خلق نشاط ثقافي مستدام يعيد الحياة إلى القرية ويعزز حضورها الإقليمي، بما يعكس تطبيق مبادئ المشاريع المعمارية المعاصرة.
إعادة توظيف المدرسة المهجورة
ضمن هذه الرؤية، جرى اختيار المدرسة الابتدائية المهجورة كنقطة انطلاق للمشروع. وتمثلت الفكرة في إعادة تأهيل المبنى ليستوعب إقامة طلاب الفنون والفنانين الشباب، بما يوفّر لهم فضاءً للعيش والعمل في بيئة طبيعية محفّزة. وقد أُطلق على هذا المشروع اسم نُزُل تشينغيي (Qingyi Lodge) ليكون عنصرًا وظيفيًا يخدم التوجه الثقافي الجديد للقرية.
الحفاظ المعماري والتجديد المعاصر
من الناحية المعمارية، كان المبنى الأصلي للمدرسة يتكوّن من طابقين بهيكل من الطوب والخرسانة، وقد شُيّد خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. اعتمد المشروع على مبدأ الحفاظ على الشكل العام للمبنى، مع إدخال تدخلات مدروسة تهدف إلى منحه طابعًا معاصرًا دون فقدان هويته الأصلية، بما يوازن بين الذاكرة المعمارية ومتطلبات الاستخدام الجديد وفق الأبحاث المعمارية المتخصصة.
تعظيم العلاقة البصرية مع الطبيعة
باعتبار المبنى سكنًا مخصصًا للطلاب والفنانين الشباب، برزت الحاجة إلى تعظيم الاستفادة من المقومات الطبيعية المحيطة. وكان التحدي الرئيسي يتمثل في كيفية توجيه الفضاءات الداخلية للاستفادة القصوى من الإطلالة على قمة فانزينغ، بوصفها العنصر البصري الأبرز في الموقع ضمن المشاريع المعمارية.
إعادة تشكيل السطح كمساحة مشاهدة
استجابةً لهذا التوجه، تم إزالة السقف الخشبي المتضرر وإعادة توظيف السطح عبر إنشاء منصة مشاهدة مفتوحة، جرى توجيهها بعناية نحو القمة الجبلية. هذا التدخل لم يكن عنصرًا جماليًا فحسب، بل أضاف بعدًا وظيفيًا جديدًا يعزز تجربة الإقامة والتفاعل مع المشهد الطبيعي.
تحويل الفصول إلى وحدات سكنية
في الداخل، جرى تحويل الفصول الدراسية الأصلية إلى وحدات سكنية، مع الحفاظ على الجدران الفاصلة بين النوافذ باعتبارها جزءًا من البنية الأصلية للمبنى. في المقابل، تم استبدال الأبواب والنوافذ القديمة بأبواب زجاجية منزلقة تمتد من الأرض إلى السقف، ما سمح بزيادة الإضاءة الطبيعية وتعزيز الاتصال البصري بين الداخل والخارج، وفقًا لمبادئ التصميم الداخلي.
تنظيم الحركة والمداخل
على مستوى الحركة، أُنشئ ممر جديد بهيكل فولاذي على الجهة الشمالية للمبنى ليشكّل المدخل الرئيسي للوحدات السكنية. وفي المقابل، أُعيد توظيف الممر الأصلي في الجهة الجنوبية وتحويله إلى شرفة مفتوحة مخصصة للاستراحة وممارسة الرسم، ما أسهم في الفصل الوظيفي بين مسارات الدخول ومساحات النشاط الإبداعي ضمن الوظائف المعمارية للمبنى.
شرفات الرسم وإطلالات قمة فانزينغ
تم توجيه شرفات الرسم مباشرة نحو قمة فانزينغ، بحيث تتيح الفتحات في الواجهة للفنانين الاستمتاع بالمشهد الطبيعي المحيط. وقد خُصص الجزء الأيسر من الشرفة ليكون مساحة مخصصة للرسم، مع تصميم فتحات إضاءة علوية توفر إضاءة طبيعية مستقرة، مما يضمن ظروف عمل مناسبة لمختلف الأوقات والأحوال الجوية.
الفناء الخاص ووحدات الرسم الأرضية
في الطابق الأرضي، تحتوي كل وحدة سكنية على فناء خاص مخصص للرسم، ما يعزز الاتصال المباشر مع الطبيعة ويوفر مرونة في استخدام المساحة للأعمال الإبداعية.
التحديات المعمارية وحلولها
نظرًا لأن المبنى الأصلي كان من الطوب والخرسانة، فقد فرضت هذه البنية قيودًا على ارتفاعات الطوابق وعرض الفراغات الداخلية. استجابة لهذه القيود، تم تصميم قاعة متعددة الوظائف في الجهة الجنوبية الشرقية من المبنى، لتوفر مساحة للتواصل بين المعلمين والطلاب، بالإضافة إلى إمكانية استخدامها لإقامة معارض فنية صغيرة وغير رسمية، ما يضيف بعدًا اجتماعيًا وثقافيًا للبيئة التعليمية والفنية.
التصميم المعماري للملعب والمساحات المحيطة
كان هناك ملعب صغير في الجهة الجنوبية من المدرسة القديمة، مفصولًا عن طريق القرية بواسطة سور محيط. وعلى امتداد هذا السور، تم توزيع سلسلة من الأسقف المعدنية بانسيابية هادئة، تتميز بانحناءات خفيفة مستلهمة من أشكال منازل القرويين التقليدية. تلعب هذه الأسقف دورًا مزدوجًا: فهي تحجب المشاهد غير المرغوبة مثل الغسيل المجفف والأغراض المتناثرة عند مداخل المنازل، وفي الوقت ذاته تؤطر بصريًا الأنشطة التي تجري تحت شجرة الكاكي، ما يعزز العلاقة بين المبنى والمجتمع المحيط وفق المباني.
تحسين الرؤية والمسارات داخل القرية
أثناء التجول على طول مسار القرية، يمكن ملاحظة المطعم العام وساحة تجمع السكان. ونظرًا لقرب السور المحيط بالمدرسة من الطريق، كانت الرؤية عند نقطة التقاطع محدودة، مما جعل الساحة شبه مخفية عن مدخل القرية.
حلول التصميم لتعزيز التفاعل المكاني
استجابة لهذا التحدي، تمت إزالة جزء من السور وإعادة تنظيم المساحات عبر تصميم جدران بارتفاعات متفاوتة أسفل سقف منحنٍ، ما أتاح خلق نظام ممرات مزدوج الطبقات يدمج الحركة الداخلية والخارجية. كما تم إنشاء قاعة متعددة الوظائف موجهة نحو الشرق، لتعزيز التواصل بين السكان وزوار القرية، وخلق بيئة متكاملة تربط بين النشاط التعليمي، الفني، والاجتماعي ضمن أرشيف المحتوى.
الفراغات الاجتماعية والمناطق المشتركة
تم استغلال الفراغ الواقع بين الممر الخارجي وجدران الجملون للمنازل المقابلة كحيّز اجتماعي صغير، يتيح لأهالي القرية الجلوس، الاستراحة، وتبادل الحديث، إلى جانب الاستمتاع بأشعة الشمس. يشكل هذا الحيّز امتدادًا طبيعيًا لساحة القرية باتجاه المدخل، ما يعزز الشعور بالترابط بين المباني العامة والسياق القروي ضمن المباني.
الممر الداخلي وتعزيز التواصل البصري
أما الممر الداخلي، فيعمل كفناء داخلي لنُزُل تشينغيي، مع الحفاظ على الترابط البصري مع الفضاءات العامة للقرية. يساهم هذا الترتيب في تعزيز العلاقة المتبادلة بين المبنى والسياق العمراني المحيط، ويوفر تجربة متصلة بين المساحات السكنية، النشاط الفني، والحياة الاجتماعية في القرية، وهو مثال على المشاريع المعمارية التي تعيد قراءة الوظائف التقليدية.
المساحات العامة تحت الأسقف المنحنية
تحت الأسقف الفولاذية الخفيفة والمنحنية، وبين الجدران ذات الارتفاعات المتفاوتة، يوفر التصميم مناطق جلوس عملية وجمالية في الوقت ذاته. يتم وضع ألواح خشبية سميكة فوق جدران منخفضة مشيدة من الأنقاض الحجرية، بينما تُرصّف ألواح حجرية قديمة جُمعت من أنحاء القرية، وتتنمو السرخسيات والطحالب بينها بشكل طبيعي، ما يضفي طابعًا عضويًا على الفضاء ضمن التصميم.
التفاعل الاجتماعي بين السكان والزوار
في هذا الفضاء، يجتمع كبار السن للاستمتاع بأشعة الشمس، بينما تستخدم النساء المكان لتبادل الأحاديث خلال فترات الاستراحة. كما يستفيد السياح وطلاب الفنون، سواء من أبناء القرية أو الوافدين الجدد، من هذه المساحة للالتقاء والتفاعل، ما يعزز التبادل الثقافي والاجتماعي داخل القرية ضمن أخبار معمارية محلية.
الربط بين الممر والساحة
من خلال الصعود عبر الدرج الممتد على طول الممر، يُوجَّه الزائر تدريجيًا نحو ساحة القرية، ثم إلى عمق النسيج العمراني للقرية القديمة. هذا الترتيب يخلق تجربة متصلة بين الممرات الداخلية والخارجية، ويؤكد على التكامل بين المساحات العامة والسياق العمراني المحيط، مع الاستفادة من أرشيف المحتوى المعماري للمراجعة وتحليل التجارب السابقة.
✦ تحليل ArchUp التحريري
رغم أن مشروع نُزُل تشينغيي يعيد توظيف مبنى المدرسة القديمة بطريقة مبتكرة من حيث دمج المساحات السكنية والفنية مع الطبيعة المحيطة، فإن التحديات المعمارية التي فرضتها البنية الأصلية من الطوب والخرسانة لا تزال واضحة. الحفاظ على الجدران الأصلية والارتفاع المحدود للطوابق حدّ من حرية التصميم الداخلي، ما قد يقيّد بعض الأنشطة الفنية التي تتطلب مساحات أكبر أو إضاءة طبيعية أكثر تنوعًا.
كما أن الفناءات الخاصة ووحدات الشرفات توفر تجربة تواصل بصري مع البيئة الطبيعية، لكنها تعتمد بشكل كبير على الانفتاح على المشهد الخارجي، ما قد يحد من الخصوصية أو الاستخدام العملي خلال الطقس السيء. الممرات الجديدة والجدران ذات الارتفاعات المتفاوتة توفر تدرجًا بصريًا واجتماعيًا، لكنها تطرح تساؤلات حول مدى وضوح الحركة والتنقل، خاصة للزوار غير المألوفين بالموقع.
من ناحية أخرى، يمكن الاستفادة من هذا المشروع كنموذج تجريبي لفهم كيفية إعادة تأهيل المباني التقليدية ضمن قرى صغيرة، مع التركيز على الربط بين النشاط الفني والاجتماعي والسياق العمراني الطبيعي. التحفظات الموجودة تشير إلى ضرورة دراسة أعمق لتوسيع الوظائف الداخلية، تحسين التحكم في الضوء والتهوية، وضمان قابلية الاستخدام طوال السنة، ما يجعل المشروع أكثر فاعلية كأداة تعليمية وثقافية مستدامة، مع الاستعانة بأبحاث معمارية لدعم التقييم وتحليل الأداء.