Stunning view of the illuminated Lakhta Center tower and crane at twilight in St. Petersburg, Russia.

هندسة مركز لاهتا: ابتكارات الدوران، الأساسات العائمة

Home » العمارة » هندسة مركز لاهتا: ابتكارات الدوران، الأساسات العائمة

الرؤية المعمارية وتحديات هندسة مركز لاهتا

يُعد مركز لاهتا في سانت بطرسبرغ، أطول مبنى في أوروبا، معلماً يمثل تحدياً هائلاً في المشاريع الإنشائية. قام بتصميمه مكتب “RMJM” الروسي. الرؤية كانت إنشاء برج يجمع بين المظهر الديناميكي والكفاءة الطاقية، ليرمز إلى التطور التقني لروسيا. أولاً، يجب أن يكون شكل البرج ملتوياً (Spiral)، حيث يدور كل طابق بمقدار 0.82 درجة حول المحور، ليتم دوران 90 درجة بالكامل من الأساس حتى القمة.

لكن، واجهت هندسة مركز لاهتا تحديات استثنائية. يقع الموقع على بحر البلطيق، مما يعني رياحاً قوية وظروفاً جليدية قاسية. بالإضافة إلى ذلك، تقع المنطقة على تربة طينية ضعيفة نسبياً (Soft Clay)، مما يهدد استقرار الأساسات. لذلك، كان على المهندسين تطوير نظام هيكلي غير مسبوق لضمان الاستقرار الديناميكي ومقاومة القوى الجانبية الهائلة.

الأساسات العميقة: النظام العائم والخرسانة الضخمة

مثلت الأساسات التحدي الأكبر لـ هندسة مركز لاهتا بسبب طبيعة التربة الرخوة. كان الحل هو بناء أساسات عائمة ضخمة (Floating Raft Foundation).

  1. الأوتاد والأعماق: أولاً، تم دق 264 وتداً خرسانياً عملاقاً، يصل عمقها إلى 82 متراً في صخور الأساس القوية.
  2. القاعدة الضخمة: ثم، تم صب قاعدة خرسانية ضخمة (لبشة) تربط جميع الأوتاد. بلغ سمك هذه القاعدة 3.6 متر. علاوة على ذلك، سجلت عملية الصب رقماً قياسياً عالمياً لأكبر عملية صب خرسانة مستمرة، حيث تم استخدام 48,000 متر مكعب من الخرسانة في 49 ساعة.
  3. الاستقرار الطيني: تهدف الأساسات العائمة إلى توزيع حمل المبنى الهائل (670,000 طن) على مساحة واسعة لتقليل الضغط على التربة الطينية. لذلك، تعمل القاعدة كـ “قارب” ضخم يُبقي البرج مستقراً ويحد من أي هبوط تفاضلي غير متساوٍ.
تصميم الحرم المعماري: دمج البرج الفائق الارتفاع مع الهياكل منخفضة الارتفاع باستخدام أشكال هندسية متصدعة متناقضة ولكنها متكاملة وواجهات عاكسة.
نظر واسع لناطحة سحاب مركز لاختا الملتوية بجوار مجمعها من الهياكل الملحقة ذات الأشكال الهندسية المتقطعة تحت سماء زرقاء صافية.

النظام الهيكلي: النواة المزدوجة والمحيط الدوار

اعتمدت هندسة مركز لاهتا على نظام هيكلي يعزز الصلابة الالتوائية (Torsional Rigidity) لمقاومة الدوران والرياح:

  1. النواة الخرسانية المزدوجة: يتكون الهيكل من نواة خرسانية مركزية صلبة. هذه النواة هي قلب المبنى، تحمل الأحمال الرأسية وتوفر المقاومة الجانبية الأساسية.
  2. الأعمدة الخارجية الملتوية: تحيط بالنواة مجموعة من الأعمدة الخارجية القوية المائلة التي تتبع الشكل الحلزوني (Spiral). هذه الأعمدة تعمل كدعم محيطي وتربط النواة بالواجهة.
  3. العوارض الشعاعية: تتصل الأرضيات بـ النواة المركزية والأعمدة الملتوية عن طريق عوارض فولاذية شعاعية ضخمة. بهذه الطريقة، يتم نقل الأحمال الأفقية والرياح بكفاءة من الواجهة إلى النواة القوية. لذلك، يوفر هذا المزيج من العناصر الصلابة المطلوبة للشكل الدوار.

مقاومة الرياح الساحلية والزلازل

تُعد ظروف الرياح والجليد القاسية على ساحل البلطيق عنصراً حيوياً في التصميم الإنشائي. قام المهندسون بإجراء أكثر من عشرة اختبارات شاملة في أنفاق الرياح.

أولاً، يساهم الشكل الملتوي للبرج في تشتيت قوى الرياح. هذا الدوران يمنع تشكّل الدوامات المنتظمة (Vortex Shedding)، مما يقلل الأحمال الجانبية بنسبة تصل إلى 30%. بالإضافة إلى ذلك، يمتلك البرج نظاماً متقدماً لتخميد الحركة (Mass Dampers) لامتصاص طاقة الاهتزاز وضمان راحة المستخدمين.

أما بالنسبة للزلازل، بالرغم من أن المنطقة ليست زلزالية جداً، إلا أن هندسة مركز لاهتا طبقت معايير مقاومة للزلازل تتجاوز المتطلبات المحلية، وذلك بفضل النواة الخرسانية القوية وتقنية الأساسات العميقة.

مواد الانشاء والبناء والخرسانة عالية القوة

اعتمد المشروع على خرسانة متقدمة للتعامل مع الارتفاع الهائل والظروف المناخية الباردة.

النوع الهيكليميزات الخرسانة المستخدمةالغرض الهندسي
النواة المركزيةخرسانة عالية القوة (تصل إلى B80)تحمل أحمال الضغط الهائلة ومقاومة الالتواء.
الأوتاد والأساساتخرسانة مقاومة للكبريتات والكيماوياتمقاومة التآكل الناجم عن المياه الجوفية المالحة.
الخرسانة النهائيةخرسانة ذاتية الدمك (Self-Compacting)ضمان سهولة الضخ على ارتفاعات عالية مع تجنب التشققات.

أولاً، استخدم المهندسون نظام خلط خرسانة خاصاً لتوفير خرسانة متماسكة يمكن ضخها إلى ارتفاع 460 متراً، وهو ما كان رقماً قياسياً عالمياً. بالإضافة إلى ذلك، تطلبت درجات الحرارة شديدة البرودة في سانت بطرسبرغ استخدام إضافات خاصة (Admixtures) لضمان تسريع عملية تصلب الخرسانة وحمايتها من التجمد أثناء البناء.

الواجهات الذكية: مقاومة الجليد وكفاءة الطاقة

شكلت الواجهة الزجاجية تحدياً كبيراً بسبب تراكم الجليد ودرجات الحرارة المنخفضة.

  1. الزجاج الذكي: تم استخدام أكثر من 16,500 لوح زجاجي. هذا الزجاج مزود بغشاء خاص عاكس للحرارة ويوفر كفاءة حرارية عالية جداً. لذلك، يقلل الزجاج من فقدان الحرارة في الشتاء البارد واكتساب الحرارة في الصيف.
  2. تقنية مكافحة الجليد: تم تصميم نظام تهوية خاص للواجهة يهدف إلى منع تراكم الثلج والجليد. بالإضافة إلى ذلك، تم دمج نظام تدفئة في بعض أجزاء الواجهة الزجاجية عند الضرورة.
  3. الحفرة الحرارية (Thermal Pit): يستخدم المبنى نظاماً متقدماً لإعادة استخدام الحرارة. يتم سحب الهواء الساخن من المكاتب وإعادة توجيهه إلى الأسفل لتسخين المدخل ومناطق التخزين تحت الأرض. هذه الميزة تقلل استهلاك الطاقة بشكل كبير وتدعم الاستدامة.
ناطحة سحاب مركز لاختا، التي يحددها برجها الملتوي، تقف فوق واجهة أمامية مغطاة بالثلج مع ظهور هياكل قاعدتها الملحقة تحت سماء غائمة جزئياً.
واجهة عالية الأداء في مناخ بارد: عامل الشكل الملتوي والتدرج الرأسي لنظام الجدار الستائري المُحسَّن لأحمال البيئة الشتوية القاسية.

التجميع اللوجستي للهيكل الحلزوني

كانت عملية تجميع الهيكل الحلزوني الخارجي دقيقة ومعقدة. كان يجب تركيب كل عمود فولاذي بزاوية دقيقة تختلف عن العمود الذي يليه لإنشاء الدوران المطلوب.

أولاً، استخدمت تقنيات المسح بالليزر ثلاثي الأبعاد لضمان دقة تحديد موقع كل نقطة اتصال بين العوارض والأعمدة. ثم، تم استخدام رافعات متسلقة ذاتية متخصصة (Self-Climbing Cranes) التي تصعد مع ارتفاع المبنى. علاوة على ذلك، نظراً للرياح القوية، اضطر فريق المقاولات للعمل فقط في أيام محددة ذات سرعة رياح منخفضة، مما يتطلب تخطيطاً لوجستياً صارماً.

الخلاصة

يمثل مركز لاهتا إنجازاً هندسياً فريداً، ليس فقط بسبب ارتفاعه القياسي في أوروبا، ولكن لتفوقه في التعامل مع تحديات الموقع الصعبة: التربة الطينية والدوران المعقد والظروف المناخية القاسية. في الختام، رسخت هندسة مركز لاهتا معياراً جديداً في أخبار معمارية لناطحات السحاب المصممة لمقاومة الرياح الشديدة والبيئات الباردة.

✦ نظرة تحريرية على ArchUp

يمثل مركز لاختا في سانت بطرسبرغ نموذجاً للطراز الديناميكي الفائق، بارتفاعه الحلزوني المميز الذي يدور بمقدار تسعين درجة، معتمداً في هيئة المواد على خرسانة فائقة القوة في نظام قلبين متداخلين لضمان الصلابة الالتوائية ومقاومة الرياح. تكمن الفكرة المحورية في التغلب على التحديات الجيولوجية الصعبة للتربة الطينية عبر أساسات “عائمة” مدعومة بأوتاد عميقة وسد خرساني ضخم، مما يعكس الطموح المعماري في مواجهة الظروف المناخية القاسية. ومع ذلك، يظل التساؤل النقدي قائماً حول أهمية الصلة بالسياق الحضري التاريخي للمدينة؛ فهل ينجح هذا الامتداد المكاني الهائل في دمج نفسه بانسجام مع النسيج العمراني الكلاسيكي المحيط؟ يؤكد هذا الإنجاز على إمكانية تحقيق الاستدامة الهيكلية والوظيفية في أصعب الظروف، واضعاً معياراً هندسياً عالمياً جديداً في ديناميكيات الفضاء للأبراج فائقة الارتفاع.

يُثير النقاش المعماري المعاصر ضمن العمارة الحديثة تساؤلات حول كيفية تطورها من خلال تكامل التصميم المبتكر وأساليب الإنشاء والبناء المتقدمة، مما يعيد تعريف هوية المشاريع العالمية نحو استدامةٍ أكثر وبيئاتٍ أكثر إنسانية.

Further Reading from ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليق واحد

  1. ArchUp Editorial Management

    يقدم المقال تحليلاً استثنائياً للتقنيات الإنشائية المتقدمة في المشروع، مع تركيز مميز على حلول الأساسات العائمة والنظام الهيكلي المبتكر. ومع ذلك، يمكن تعميق القيمة الأرشيفية من خلال توثيق التفاصيل التنفيذية والمواصفات الفنية الدقيقة.

    نود الإضافة إلى أن:

    · نظام التخميد الهيكلي يتضمن 8 مثبّتات كتلية متناظرة (Tuned Mass Dampers) بوزن إجمالي 1200 طن، تتحكم في التذبذبات الناتجة عن الرياح التي تصل سرعتها إلى 45 م/ث
    · سماكة الواجهة الزجاجية تبلغ 42 ملم (زجاج مزدوج + غرفة هوائية)، مع معامل انتقال حراري (U-value) 0.6 W/m²K
    · نظام الخرسانة المستخدم في النواة المركزية يصل إلى درجة مقاومة B90، مع إضافات بوليمرية لتحسين القابلية للضخ حتى ارتفاع 462 متراً
    · استهلاك الطاقة السنوي للمبنى لا يتجاوز 105 كيلوواط ساعة/م²، بفضل نظام استرجاع الحرارة الذي يحقق كفاءة 85%

    ربط ذو صلة يرجى مراجعته لمقارنة حلول التصميم المتكامل:
    [تطور أنظمة الأساسات العميقة في المناطق ذات التربة الضعيفة]
    https://archup.net/ar/الخرسانة-الذكية-تحول-المباني-إلى-بطار/