وائل شوقي: إعادة تشكيل التاريخ في الفن المعاصر بين الشرق والغرب
وائل شوقي وإعادة قراءة التاريخ من قلب إدنبرة
مشاركة فنية في قلب الحدث
تقع قاعة تالبوت رايس الفنية في وسط العاصمة الأسكتلندية إدنبرة. خلال شهر أغسطس تشهد تدفقًا هائلًا من الزوار، حيث تستقطب فعاليات مهرجان إدنبرة الدولي قرابة نصف مليون زائر سنويًا. في هذا السياق، تشارك القاعة ضمن أنشطة المهرجان من خلال معرض خاص بأعمال الفنان وائل شوقي. وقد عُيِّن مؤخرًا مديرًا فنيًا للدورة الافتتاحية من معرض “آرت بازل قطر” المرتقب في عام 2026.
“دراما 1882”: تاريخ من خلال الفن
المعرض يتضمن عرضًا للعمل الأوبرالي الضخم “دراما 1882” (2024). هذا العمل متعدد الوسائط يدمج بين الفيلم والموسيقى والرسم ومسرح الدمى والأداء الحي. ولا يكتفي بتقديم لحظة تاريخية، بل يغوص في أحداث الثورة العرابية (1879-1882) في مصر. يستعرض لحظة مفصلية في مقاومة الاستعمار البريطاني.
من خلال هذه الوسائط المتنوعة، لا يعيد شوقي سرد الأحداث فقط. بل يحاول إعادة تمثيل الوجدان الجمعي والتعقيدات السياسية التي صاحبت تلك المرحلة. هذا الأسلوب يفتح المجال لتأملات جديدة حول التاريخ والهوية.
“كاباريه الحملات الصليبية”: منظور عربي بديل
قبل هذا العمل، اشتهر شوقي بثلاثيته الفنية “كاباريه الحملات الصليبية”. هذه الثلاثية قدمت رؤية مغايرة للحملات الصليبية في الشرق الأوسط من وجهة نظر عربية. ما يميز السلسلة هو استخدام دمى زجاجية ناطقة ومغنية لتجسيد الشخصيات التاريخية. هذا يمنح الأحداث طابعًا مسرحيًا وساخرًا في آن واحد.
- يغطي الجزء الأول الفترة بين 1096–1099
- بينما يتناول الجزء الثاني الفترة من 1099–1149
هذا الأسلوب الفني الفريد لا يهدف إلى إعادة سرد التاريخ فقط. بل يسعى إلى إعادة التفكير فيه. كما يطرح تساؤلات حول علاقة الحاضر بالماضي، خاصة فيما يتعلق بتشابك العلاقات بين الغرب ومصر والشرق الأوسط.
قراءة بديلة للتاريخ
من خلال أعماله، لا يقدم شوقي مادة فنية فحسب. بل يقدم طرحًا نقديًا للتاريخ من وجهة نظر المهمَّشين. في زمن تتكرر فيه أنماط الصراع والهيمنة، تبدو هذه المقاربات ضرورية لفهم أعمق لما يحدث اليوم. هذا فهم مستندٌ إلى ما حدث قبل مئات السنين.
جدلية الزمن والسلطة في أعمال وائل شوقي
من “أسرار كربلاء” إلى “دراما 1882”
في قاعة تالبوت رايس، يستمر عرض أعمال الفنان وائل شوقي حتى 28 سبتمبر 2025. تُعرض بالتوازي اثنتان من أبرز أعماله:
- الفيلم الثالث من ثلاثية “كاباريه الحملات الصليبية” بعنوان “أسرار كربلاء” (2015)،
- والعمل الأوبرالي الجديد “دراما 1882”.
رغم أن الفارق الزمني بين الحدثين التاريخيين اللذين يعالجهما العملان يبلغ قرابة 700 عام، فإن الجمع بينهما في عرض واحد ليس مجرد مفارقة زمنية. بل هو اختيار مدروس يكشف عن امتدادات العنف والسلطة والتلاعب بالوعي عبر العصور.
مسرح التاريخ: عندما يصبح الماضي مشهدًا تمثيليًا
يعلّق شوقي على هذا التوازي قائلاً:
“كلا الفيلمين يتناولان تحولًا يحدث في الشرق الأوسط وفي مصر. كلاهما يُظهر لحظة مسرحية في التاريخ ويتساءل: كيف يمكننا التعامل مع التاريخ كما لو أنه مشهد تمثيلي؟ الموضوع لا يتعلق بالمؤامرة بقدر ما يتعلق بإمكانية التلاعب بنا. هناك احتمال دائم بوجود ترتيب مُسبق.”
هنا، يطرح الفنان مقاربة فلسفية للتاريخ لا تركز على الوقائع المجردة، بل على كيفية سردها وتوظيفها. فالتاريخ، كما يقدمه شوقي، ليس سلسلة من الحقائق الثابتة، بل مادة قابلة لإعادة التشكيل وفقًا للسياق السياسي والاجتماعي.
الخداع كآلية لتحريك الأحداث
ما يربط بين العملين يتجاوز الموضوع التاريخي إلى الشعور العميق بأن الخداع أو الجهل كانا محركين أساسيين للأحداث.
وفي ظل التغيرات الإعلامية الحديثة، حيث تتآكل الثقة في المصادر والمعلومات، يصبح من السهل إسقاط هذه الرؤية على الواقع المعاصر.
كل لحظة تاريخية، بحسب شوقي، قد تكون خدعة محكمة أو نتيجة تلاعب خفي. لذا فإنه يجعل إعادة النظر في السرديات السائدة ضروريًا. بهذا المنظور، يظهر لنا أن الكثير من القضايا التي نعتقد أنها “حُسمت” لا تزال في الواقع مفتوحة وغير محسومة.

بين الإنسان والدمية: السلطة الخفية التي تحرّك التاريخ
الدمية كمجاز للإنسان
يقول وائل شوقي:
“تعلمت الكثير من تجربتي مع دمى الماريونيت — الإنسان، الدمية، كلهم منوَّمون، جميعهم يتحركون تحت تأثير شيء ما.”
هذه المقارنة ليست مجرد استعارة مسرحية، بل تعبير عميق عن فقدان agency (القدرة على اتخاذ القرار) لدى الإنسان في مواجهة القوى الكبرى. وتلك القوى قد تكون سياسية أو اجتماعية أو إعلامية.
الإنسان، كما يصوّره شوقي، كثيرًا ما يتحرك ضمن شبكة خيوط غير مرئية، تشبه تلك التي تحرك الدمى.
إعادة التفكير في التاريخ: من السرد إلى التساؤل
يضيف شوقي:
“إمكانية التعرّض للخداع — ونوع مختلف من التحليل، لأن التاريخ هو صنيعة بشرية — [تدفعنا لنتساءل] ماذا نعرف حقًا عن التاريخ؟ وكيف يمكننا تحويله […] إلى صيغة جديدة قابلة للفهم؟”
في هذا الطرح، لا يهدف الفنان إلى تقديم إجابات حاسمة، بل إلى فتح الباب للتأمل. بذلك، يُعاد مساءلة التاريخ باعتباره نصًا قابلًا للتأويل، لا سردًا مغلقًا ونهائيًا.
التاريخ، إذًا، ليس ما حدث، بل كيف نروي ما حدث — ومن يروي، ولماذا.
جمالية الخداع: عندما تسحرنا الدمى
في “أسرار كربلاء”، وهو فيلم ملحمي يمتد لساعتين، يعتمد شوقي على دمى زجاجية كاريكاتيرية. هذه الدمى ذات ملامح مبالغ فيها وألوان هادئة. إنها تغلف العمل بجمال بصري ساحر.
غير أن هذا الجمال يخفي خلفه سردًا عنيفًا. إذ يستعرض الفيلم الأحداث التي أدت إلى غزو القسطنطينية عام 1204 على يد البنادقة، مدفوعين بالطمع في السلطة والمال.
هذه المفارقة بين السطح الجمالي والمحتوى الصدامي تضع المشاهد أمام معضلة: هل ما نراه يخدعنا؟ وهل نحن، بدورنا، مجرد متفرجين منومين مثل الدمى؟
بين الموسيقى والتاريخ: نقل الزمن عبر الصوت
كل من “أسرار كربلاء” و”دراما 1882″ يحملان طابعًا موسيقيًا واضحًا.
لكن رغم الانجذاب إلى الجوانب الغنائية والبصرية، لا ينفصل العمل عن عمقه التاريخي.
في “دراما 1882″، تختلف التجربة؛ إذ يستخدم شوقي ممثلين بالغين بدلًا من الدمى. ومع ذلك، يبقى الإحساس بالخضوع لنظام خفي حاضرًا بقوة.
يقول الفنان:
“العنصر الثالث هو الرابط بين الفيلمين، ثم الرابط الزمني، وأيضًا تطوري الشخصي. عندما أعمل مع البالغين، أستحضر دومًا ما تعلمته من تجربة الماريونيت — الإنسان أو الدمية، كلاهما يُسيَّر بشيء، كلاهما تحت تأثير ما.”
حضور الماضي في الحاضر
ما يطرحه شوقي لا يدور حول تكرار التاريخ بالمعنى التقليدي، بل عن استمرارية أثره:
“التاريخ يعيد نفسه، لكنه يحدث بهذه الصورة اليوم لأن شيئًا ما وقع قبل ألف عام، ولن يزول أبدًا.”
من هنا، تصبح العلاقة بين الماضي والحاضر علاقة تأثير متواصل وليس تشابه شكلي. وكأن الزمن ليس خطًا مستقيمًا بل نسيجًا متداخلًا.
حضور مادي للذاكرة: الدمى والرسوم
في المعرض المقام بإدنبرة، لا يُعرض الفيلم فقط، بل أيضًا الدمى الزجاجية الأصلية التي استخدمت في “أسرار كربلاء”.
كل دمية معلّقة بخيوطها ومرتدية زيّها الكامل. وقد صُنعت يدويًا في جزيرة مورانو الإيطالية — المكان نفسه الذي يُمثّل في القصة كأحد أطراف الصراع.
ويُعرض إلى جانبها رسوم وأعمال فنية مختلطة الوسائط. هذه الأعمال تمثل جانبًا أقل شهرة في أعمال شوقي. لكنها تكمل الصورة الشاملة لعالمه الإبداعي.
الموسيقى كوسيط لا كمركز
رغم مركزية الموسيقى في الأعمال، يصر شوقي على رؤيتها كأداة توصيل وليست غاية:
“أنا أؤلف الموسيقى فقط لأفلامي، ولي أنا شخصيًا. لنفكر في الموسيقى كوسيط؛ لا أعطيها مساحة أكبر مما ينبغي. أعتقد أن أي شخص يمكنه أن يبدع. أؤمن تمامًا بما قاله جوزيف بويز: كل إنسان فنان.”
بهذا التصريح، يؤكد شوقي أن الفن — بكل وسائطه — ليس حكرًا على النخبة، بل مساحة مفتوحة للتعبير الإنساني الحر.

تطور الفن في سياق الحاضر
من أبرز السمات التي تُميز أعمال وائل شوقي هو قابليتها للتكيّف والتطور في ظل السياقات المتغيرة للعصر الراهن.
ومع اقتراب موعد مهرجان إدنبرة، الذي يستقطب زوارًا من جميع أنحاء العالم، تبرز أهمية طرح الأسئلة حول الدور الذي تلعبه المؤسسات الثقافية اليوم في احتضان هذا النوع من الأعمال الفنية.
قراءة عربية للحملات الصليبية
يتحدث شوقي عن أحد أبرز مشاريعه الفنية قائلاً:
“قدّمتُ ثلاثة أجزاء من كاباريه الحملات الصليبية، أروي فيها القصة من منظور عربي. الجزء الأول أُنتج في إيطاليا، والثاني في فرنسا، والثالث في ألمانيا.”
من اللافت أن الدول الثلاث التي احتضنت المشروع هي ذاتها التي شكّلت القوى الرئيسية وراء الحملات الصليبية في التاريخ. ويعتبر شوقي هذا أمرًا إيجابيًا. فقبول أوروبا بمناقشة تاريخها، حتى وإن كان دمويًا أو مليئًا بالتناقضات، يمثل خطوة ناضجة في الوعي الثقافي.
التاريخ لا يُعاد، بل يستمر بصور جديدة
يضيف شوقي:
“من الإيجابي جدًا أيضًا أن نكون قادرين كبشر على الحديث عن كل شيء.
المهم أن نفهم أن التاريخ لا يُعيد نفسه بالمعنى الحرفي، بل ما نعيشه اليوم هو امتداد لوقائع حدثت قبل ألف عام، ولا تزال آثارها حاضرة إلى اليوم.”
✦ تحليل ArchUp التحريري
يمكن النظر إلى أعمال وائل شوقي، لا كوسيلة لإدانة التاريخ أو تمجيده، بل كدعوة للتفكير النقدي في طريقة سردنا للأحداث. فاختيار وجهة النظر العربية في عمل يُعرض داخل مؤسسات غربية لا يهدف بالضرورة إلى الاستفزاز. بل إلى فتح حوار متعدد الأصوات حول من يملك حق السرد، ومن يُقصى منه.
طرح أسئلة عن “المؤسسة الثقافية” التي تستضيف العمل، يشير إلى وعي الفنان بالبنية التحتية للفن المعاصر. كما يهتم بعلاقته بالسلطة، والتاريخ، والجمهور.
اكتشف أحدث المعارض والمؤتمرات المعمارية
نقدم في ArchUp تغطية يومية لأبرز الفعاليات المعمارية والفعاليات الدولية والمنتديات الفنية والتصميمية حول العالم.
تابع أهم المسابقات المعمارية, وراجع المنصات الرسمية, وابقَ على اطلاع عبر الأخبار المعمارية الأكثر مصداقية وتحديثًا.
يُعد ArchUp منصة موسوعية تجمع بين الفعاليات وفرص التفاعل المعماري العالمي في مكان واحد.