مشروع بيوت المازانكا في أوكرانيا يعيد قراءة العلاقة بين التراث والابتكار المعماري
استكشاف الهياكل الصغيرة والمازانكا الأوكرانية
تقع ثلاث هياكل صغيرة على قطعة أرض في وسط أوكرانيا، كل منها بمساحة تقارب 50 مترًا مربعًا. تمثل هذه المنازل الصيفية دراسة عميقة في إعادة تفسير العمارة التقليدية، حيث تتجاوز توقعات الزوار المرتبطة بالمألوف والمعروف في البناء الريفي.
الجذور التقليدية للمازانكا
لطالما شكلت المازانكا مشاهد الريف الأوكراني عبر الأجيال. تتميز جدرانها البيضاء وسقوفها القشية، والتي تعكس ممارسات البناء الشعبية المستمرة على مدى قرون. كان الاعتماد على الجدران الطينية السميكة، واللياسة المنتظمة، والمواد الطبيعية المتوفرة في الحقول المحيطة جزءًا أساسيًا من هذه العمارة. إضافة لذلك، كان تجديد اللياسة موسمياً جزءًا من صيانة المنزل، ولكنه اكتسب أيضًا طابعًا ثقافيًا يعكس قيم المجتمع، كما يمكن ربط ذلك بفهم الأبحاث المعمارية المتعلقة بالتراث الشعبي.
إعادة تفسير العمارة التقليدية
من خلال دراسة هذه الأنماط، ركز المصممون على الجوهر الثقافي والمعنوي للمازانكا بدلًا من مجرد نسخ أشكالها الفيزيائية. فقد تمثل السؤال الأساسي: ما الذي تعنيه المازانكا لأهل الريف وما قيمتها في حياتهم اليومية، بعيدًا عن سماتها المادية؟ هذا النهج يسمح بفهم أعمق للعمارة كحامل للهوية الثقافية والتقاليد المجتمعية، مع إمكانية إعادة تصورها بطريقة حديثة ومتجددة، كما يمكن الاطلاع على مقالات أرشيف المحتوى لمقارنة أنماط التصميم المختلفة.
الشفافية والضوء كلغة جديدة
في هذا المشروع، حلّت الجدران الزجاجية الممتدة من الأرض إلى السقف محل الطين الصلب التقليدي. هذه الشفافية لم تكن مجرد اختيار مادي، بل أصبحت لغة تعبر عن الضوء والنظام في المسكن، حيث تسمح بتدفق الإضاءة الطبيعية بشكل كامل وتعزز الشعور بالاتساع والارتباط بالمحيط الطبيعي، وهو ما يذكّر بأهمية التصميم في توجيه تجارب المستخدم داخل المسكن.
السقف القشّي كعنصر تعبيري
برز السقف القشّي بشكل غير تقليدي، متجاوزًا نسب المازانكا المعتادة ليصبح العنصر البارز في كل هيكل. يضفي شكله النحتي تأثيرًا بصريًا مميزًا، مستحضرًا صور القبعات التقليدية وأغطية الفطر العضوية المنتشرة في الطبيعة. كما يحلق فوق الجدران الزجاجية، مما يعطي الانطباع بأنه عنصر شبه منفصل يعلو الهياكل ويمنحها طابعًا ديناميكيًا، وهو ما يعكس مبادئ المباني التفاعلية مع البيئة.
تصميم “تيروار” وفهم النظام المعماري
اعتمد المعماريون مفهوم “تيروار” (terroir) في إعادة تفسير المازانكا، وهو مفهوم يتجاوز مجرد اختيار المواد أو التلميحات التاريخية. من خلال دراسة الرموز الثقافية المدمجة في العمارة الريفية، تم فهم المازانكا كنظام حي ومتفاعل مع البيئة، لا مجرد قطعة أثرية جامدة. يسمح هذا النهج بتكريم التقاليد في الوقت نفسه الذي يفتح الباب للابتكار الجذري، حيث تتغلغل عناصر الريف الأوكراني إلى داخل الفراغات المنزلية، محوّلة الحدود بين الداخل والخارج وموحّدة بين المسكن والطبيعة المحيطة، مما يعزز فهم المدن والتفاعل العمراني معها.
الأبواب والكتلة الملموسة
توفر الأبواب الخشبية الثقيلة نقاط دخول واضحة، مانحة الهياكل الزجاجية الرقيقة إحساسًا بالثقل والتوازن. هذا التباين بين الشفافية والمادة يخلق توازنًا بصريًا ووظيفيًا داخل التصميم، ويعزز الانطباع بأن المسكن جزء من بيئته الطبيعية وفي الوقت نفسه متماسك وواقعي، ويمكن مقارنته مع معايير مواد بناء حديثة.
تفاعل العمارة مع البيئة
تُظهر الصور الملتقطة للبيوت في فصل الشتاء كيف تحوم الأسقف القشية الضخمة فوق الأرض المغطاة بالثلوج، مبرهنة على العلاقة الديناميكية بين البناء والطقس والفصول. هذه الهياكل لا تبقى ثابتة في المشهد الريفي، بل تتفاعل مع محيطها، مما يعكس قدرة التصميم على دمج الإنسان والطبيعة في تجربة معيشية متكاملة، كما يمكن الاطلاع على مشاريع مشابهة ضمن مشاريع معمارية.
دمج التراث والابتكار
استند فريق التصميم إلى قرون من الخبرة المعمارية المتراكمة، فاستخلصوا من المازانكا الشعبية جوهرها وروحها بدلًا من تقليد أشكالها حرفيًا. هذا النهج يسمح للعمارة بالاحترام العميق للتراث دون الوقوع في الجمود التقليدي. تظهر بيوت الضيافة كيف يمكن للذاكرة الثقافية أن تغذي التعبير المعاصر، وأن التقاليد والابتكار ليسا متعارضين بالضرورة. يمكن ربط ذلك أيضًا بـ التصميم الداخلي لتحليل التوازن بين المساحات.

✦ تحليل ArchUp التحريري
يمكن النظر إلى هذا المشروع كدراسة معمارية مثيرة للاهتمام حول إعادة تفسير التراث، حيث تُظهر المنازل قدرة التصميم المعاصر على دمج عناصر من المازانكا التقليدية ضمن سياق جديد. من الإيجابيات، يوفر استخدام الجدران الزجاجية والسقوف القشية منظورًا واضحًا لتفاعل المباني مع الضوء والبيئة المحيطة، ويتيح للمعماريين دراسة إمكانيات الدمج بين التقليد والابتكار بطريقة مرئية ومباشرة. ومع ذلك، قد يطرح المشروع عدة تساؤلات عند التفكير في التوسع أو التكرار: فالتحديات العملية مثل الصيانة طويلة الأمد للأسقف القشية، والحفاظ على الكفاءة الحرارية للجدران الزجاجية، وإمكانية التأقلم مع الظروف المناخية المختلفة، قد تحد من تطبيق هذه الفكرة على نطاق أوسع. كما أن التركيز على الشكل والتجربة البصرية قد يقلل أحيانًا من النظر في الوظائف اليومية للمستخدمين أو التكيف مع متطلبات الحياة العملية. من منظور تحليلي، يمكن استخدام هذا المشروع كنموذج لإلهام حلول مبتكرة في العمارة الصغيرة والريفية، مع الاستفادة من دراسة التراث كأداة لإثراء التفكير التصميمي، مع ضرورة التفكير مسبقًا في الجوانب التقنية والعملية لضمان استدامة أي تطبيق مستقبلي، وهو ما يتماشى مع أخبار معمارية ومتابعة التطورات الحديثة.