سكن المتقاعدين في شنغهاي تجربة معماريّة لإنسانية العمر الثالث
في أحد أحياء شنغهاي، يقدم مشروع سكن المتقاعدين في شنغهاي نموذجًا معماريًا جديدًا يعيد تعريف تجربة المعيشة بعد التقاعد. تتحول العمارة هنا من مجرد مأوى إلى مساحة إنسانية تفاعلية تدمج الراحة الجسدية مع التواصل الاجتماعي والطمأنينة النفسية. يركز المشروع على المتقاعدين وكبار السن كأشخاص يمكنهم أن يعيشوا حياة نشطة ومتصلة بالمدينة، بعيدًا عن الانعزال أو التقييد التقليدي للسكن المخصص لهذه الفئة العمرية.
إعادة التفكير في نموذج سكن المتقاعدين
الأساس الفكري للمشروع يقوم على مفهوم أن كبار السن لا يجب أن يعيشوا في عزلة، بل في بيئة تسمح لهم بالمشاركة المجتمعية اليومية. المباني لا تُصمّم فقط للإقامة، بل لتشجيع النشاط الاجتماعي والتفاعل غير الرسمي. يتم توزيع الوحدات المعمارية بطريقة تسمح بالتنقل الطبيعي بين الأماكن المفتوحة والمغلقة، وتوفير مسارات حركية متصلة، مما يخلق إحساسًا بالاستمرارية بين الداخل والخارج.
تم تصميم 22 وحدة معمارية مترابطة عبر ممرات علوية وأرضية، لتشكّل شبكة معمارية مرنة تدعم الحركة والتفاعل، مع الحفاظ على هوية كل وحدة واستقلاليتها. هذا التنظيم يعكس فلسفة المشروع: التكامل بدل الانعزال، وخلق بيئة عمرية تشجع على المشاركة والتواصل بين مختلف الأجيال.
الجانب المعماري: الضوء، الحركة، والانفتاح
المشروع يعتمد على تدرج الفراغات بين العام والخاص، حيث تمتد المساحات العامة إلى المدينة بينما تُخترق الوحدات الخاصة بنظام يتيح الاتصال البصري والحركي. الممرات العلوية الموصلة بين الكتل توفر مسارات للمشي، أما الأفنية الداخلية فتشكل فضاءات لقاء يومية، مما يعزز النشاط البدني ويحفّز التفاعل الاجتماعي.
الضوء الطبيعي عنصر أساسي في التجربة البصرية، فهو يتخلل جميع المساحات الداخلية ويخلق إحساسًا بالانفتاح والتواصل مع البيئة المحيطة. التوازن بين الواجهات الزجاجية والخامات الطبيعية يعكس هدفًا مزدوجًا: تعزيز الراحة النفسية وضمان استدامة حسية للمكان.
المساحات المرنة: التصميم كأداة للتكيف
يحتوي المشروع على فراغات قابلة للتكيف مع الاستخدامات المستقبلية، مثل القاعات المفتوحة والممرات الواسعة والاستوديوهات الصغيرة. هذه المساحات يمكن أن تتحول بسهولة إلى ورش عمل أو معارض أو مناطق أنشطة، مما يحوّل المبنى من هيكل جامد إلى نظام حي يتفاعل مع سكانه.
الأفنية المغطاة، الشرفات، والممرات الزجاجية العلوية ليست عناصر إنشائية فحسب، بل أدوات لإدارة العلاقة بين الحركة الاجتماعية والراحة النفسية، وتخلق فرصًا للاكتشاف اليومي والتواصل العفوي بين السكان والزوار على حد سواء.
تصميم إنساني مدروس للتنقل والمرونة
يولي المشروع اهتمامًا خاصًا بتجربة الحركة اليومية، حيث صُممت سارات الحركة بممرات علوية بعرض ٢٫٨ متر وانحدارات لا تتجاوز ١:١٢، مما يضمن سهولة التنقل لمختلف الأعمار. تتوزع المقاعد على مسافات كل ١٥ مترًا لتوفير محطات راحة مريحة على طول المسارات.
أما نظام الإضاءة فيعتمد حرارة لون ٣٥٠٠ كلفن مع تحكم تلقائي في الشدة، مدعومًا بحساسات حركة في الممرات والحمامات لتعزيز الكفاءة والاستدامة.
تُستخدم مواد آمنة مثل الأرضيات المانعة للانزلاق بمعامل احتكاك يزيد عن ٠٫٦، مع درابزين مزدوج على ارتفاعي ٧٠ و٩٠ سم لتسهيل الاستخدام لجميع الفئات العمرية.
ويمتاز المشروع بدرجة عالية من المرونة المعمارية، حيث يمكن إعادة تشكيل نحو ٤٠٪ من المساحات بفضل الجدران المتحركة التي تسمح بتعديل الوظائف والفراغات وفق الاحتياجات المستقبلية.
الجانب الفكري والاجتماعي
الابتعاد عن نمط الحي المغلق المعتاد في سكن كبار السن هو خطوة فلسفية أساسية. المشروع يعيد تعريف العلاقة بين الشيخوخة والحياة المدنية، ليكون كبار السن جزءًا من النسيج العمراني وليس فقط متلقين للرعاية.
التصميم يعكس اعتقادًا جوهريًا: المكان يمكن أن يكون رافدًا للكرامة والاستقلالية، وليس مجرد غطاء مادي. حركة المشي، الانفتاح على الحدائق، والتفاعل مع المساحات المشتركة، كل ذلك يسهم في بناء شعور بالانتماء والفعالية في الحياة اليومية، بعيدًا عن الروتين والانعزال.
الخلاصة: العمارة كأداة لإعادة صياغة الشيخوخة
مشروع سكن المتقاعدين في شنغهاي يقدّم نموذجًا معماريًا يوازن بين الخصوصية والانفتاح، بين الاستقرار والمرونة. فهو يعكس كيف يمكن للمعمار أن يخلق بيئة تحترم العمر الثالث، تشجع الحركة والتواصل، وتعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان.
العمارة هنا ليست مجرد بناء، بل فضاء حيّ للتجربة الإنسانية، يمكن أن يكون نموذجًا مستقبليًا لتخطيط المجتمعات العمرية في المدن الكبرى.
الخاتمة
يمثل مشروع سكن المتقاعدين في شنغهاي نموذجًا معماريًا وإنسانيًا متقدمًا يعيد صياغة مفهوم الحياة بعد التقاعد. من خلال دمج المساحات المفتوحة والممرات المرنة والأفنية الداخلية، يوفر المشروع بيئة تجمع بين الخصوصية والانفتاح، بين الراحة والتفاعل الاجتماعي. العمارة هنا ليست مجرد بناء، بل وسيلة لتعزيز الكرامة والاستقلالية والاندماج المجتمعي، موفرة تجربة يومية متجددة لسكانه. يمثل المشروع رؤية مستقبلية لتخطيط المدن الصديقة لكبار السن، ويؤكد أن العمر الثالث يمكن أن يكون مرحلة حيوية وفاعلة ضمن النسيج الحضري.
يتيح موقع ArchUp قاعدة بيانات موسوعية تضم تغطيات لأحدث الفعاليات والمعارض، مع تحديث دوري لـالمسابقات ونتائجها الرسمية.
جدول تلخيصي للمشروع
| العنصر | التوضيح |
|---|---|
| نوع المشروع | سكن حضري لكبار السن |
| الموقع | حي سكني في شنغهاي |
| عدد الوحدات | 22 وحدة معمارية مترابطة |
| الفكرة الأساسية | دمج كبار السن في نسيج المدينة بدل العزلة |
| النهج التصميمي | ممرات علوية وأرضية، أفنية داخلية، مسارات للحركة المفتوحة |
| الأبعاد الفكرية | تعزيز الاستقلالية والكرامة، تشجيع النشاط والتفاعل الاجتماعي |
| الرسالة المعمارية | العمارة كأداة لإنسانية العمر الثالث |
✦ نظرة تحريرية على ArchUp
يقع مشروع سكن المتقاعدين في شنغهاي ضمن شبكة من 22 وحدة معمارية مترابطة، تتخللها مسارات علوية وأرضية تربط بين الأفنية الداخلية والمناطق المفتوحة، ما يعزز حركة السكان والتفاعل الاجتماعي. الواجهات الزجاجية تسمح بدخول الضوء الطبيعي وتفتح المجال للرؤية على الحدائق والممرات، ما يخلق إحساسًا بالانفتاح والاتصال بالبيئة المحيطة. من الناحية النقدية، يُظهر التصميم مرونة واضحة في استخدام المساحات، لكنه قد يحتاج لتنوع أكبر في مناطق الظل للحماية من الشمس في ساعات الذروة. مع ذلك، ينجح المشروع في تقديم نموذج حضري متكامل يحترم خصوصية السكان ويعزز شعورهم بالكرامة والانتماء.
ArchUp Editorial Management
يقدم المقال تحليلاً إنسانياً عميقاً لفلسفة التصميم الموجه لكبار السن، مع تركيز متميز على الجوانب الاجتماعية والنفسية. ولتعزيز القيمة الأرشيفية، نود إضافة البيانات التقنية والتصميمية التالية:
نود الإضافة إلى أن:
· المسارات العلوية بعرض 2.8 متر مع منحدرات لا تزيد عن 1:12، ومقاعد استراحة كل 15 متراً
· نظام الإضاءة: 3500 كلفن مع تحكم آلي بالشدة، مع مستشعرات حركة في الممرات والحمامات
· المواد: أرضيات غير قابلة للانزلاق (معامل احتكاك >0.6)، مع درابزين على ارتفاعين (70 سم و90 سم)
· المرونة: 40% من المساحات قابلة لإعادة التهيئة، مع جدران متحركة تسمح بتعديل المساحات حسب الاحتياجات المتغيرة
ربط ذو صلة يرجى مراجعته لمقارنة مشاريع السكن الصديق لكبار السن:
[تصميم المجتمعات العمرية المستدامة في المدن الآسيوية]
https://archup.net/ar/الخيزران-في-البناء-المقاوم-للزلازل-في/