نافورة فايانكور بين مطرقة التطوير وسندان التراث: معلم حداثي مهدد بالزوال
نافورة فايانكور: عمل فني يواجه خطر الزوال
مشروع تطوير يهدد إرثًا فنيًا
في قلب ساحة إمباركاديرو في مدينة سان فرانسيسكو، تقف نافورة فايانكور منذ أكثر من نصف قرن، وتحديدًا منذ 54 عامًا. إلا أن هذا المعلم الفني، الذي شكّل جزءًا لا يتجزأ من المشهد الحضري، أصبح اليوم مهددًا ضمن سياق هدم طريق إمباركاديرو والنقاش حول العمارة الوحشية.
العمل الفني الذي أثار الجدل
تحمل النافورة اسمًا رسميًا مثيرًا للانتباه: “كيبيك حرة!”، وقد صمّمها الفنان الكندي أرمان فايانكور، الذي اشتهر بأعماله الجريئة والمرتبطة بالرسائل السياسية والاجتماعية. وعلى الرغم من حضورها البصري القوي، فإن المخططات المبدئية للمشروع الجديد لا تتضمن أي إشارات إلى هذه النافورة أو هدم طريق إمباركاديرو.
ردود الفعل الرسمية والفنية
من جانبهم، أوضح مسؤولو المدينة أن التصاميم المعروضة حتى الآن ليست نهائية، وأنها تهدف فقط إلى توضيح الفكرة العامة. لكن في المقابل، لم يتم تقديم أي ضمانات حقيقية بشأن مستقبل النافورة، مما زاد في النقاش حول العمارة الوحشية.
هذا الغموض دفع فايانكور، الذي يبلغ من العمر الآن 95 عامًا، إلى اتخاذ موقف حازم. فقد بدأ، بمساعدة عائلته، في التواصل مع السياسيين المحليين. وكان ذلك لمطالبتهم بالحفاظ على هذا العمل الذي يعتبره إرثًا فنيًا وثقافيًا لا ينبغي التفريط فيه.
دعم فني وشعبي في وجه الهدم
تحالف واسع للدفاع عن النافورة
في ظل المخاوف من إزالة نافورة فايانكور، لم يقف الفنان الكندي بمفرده؛ فقد تمكن من حشد دعم واسع. جاء ذلك من جهات متنوعة مهتمة بالحفاظ على الإرث الحداثي والمعماري، وأيضاً بشأن النقاش حول العمارة الوحشية. من بين هذه الجهات، برزت مجموعة “دوكومومو” التي تُعنى بصون العمارة الحديثة.
الأمر لم يقتصر على المهتمين بالفن والعمارة، بل امتد ليشمل راكبي السكيت المحليين. تُعد النافورة ومحيطها مكانًا شهيرًا للتزلج منذ تسعينيات القرن الماضي. وقد أكسبها هذا بعدًا اجتماعيًا جديدًا كموقع تفاعلي في الفضاء العام.
عمل حداثي ذو طابع تفاعلي
من الناحية الفنية، تعتبر نافورة فايانكور من أبرز الأمثلة على النحت الحداثي في الأماكن العامة، وتُجسد أيضًا نقاشات هدم طريق إمباركاديرو والعمارة الوحشية. وقد اكتمل إنشاؤها عام 1971، وتم تشييدها باستخدام أنابيب خرسانية مسبقة الصب. وأعطت هذه الأنابيب النافورة مظهرًا صناعيًا ينسجم مع التوجهات المعمارية الجريئة لذلك العصر.
وعلى خلاف النُصب الجامدة، صُمّمت هذه النافورة لتكون تجربة تفاعلية. يمكن للزائرين التنقل عبر جسور وممرات وسلالم مدمجة داخل هيكلها، مما يجعلها أكثر من مجرد قطعة فنية. إنها فضاءً معماريًا معيشًا.
رؤية معمارية متكاملة
لم تكن النافورة عملًا معزولًا، بل شكّلت محورًا أساسيًا في تصميم ساحة إمباركاديرو ككل. فقد صممها مهندس المناظر الطبيعية المعروف لورانس هالبيرن، الذي رأى في هذا المشروع تجسيدًا لرؤية حضرية حديثة. ولم يتردد في وصف النافورة بأنها “نافورة تريفي لعصرنا الحديث”، في إشارة إلى رمزيتها ومكانتها في الذاكرة الحضرية للمدينة.

الجدل حول بقاء النافورة: بين القيمة الجمالية والوظيفية
تعطيل الوظيفة الأصلية يثير التساؤلات
على الرغم من القيمة الرمزية والتاريخية التي تحظى بها نافورة فايانكور، إلا أن وجودها في الفضاء العام لم يكن يومًا خاليًا من الجدل. فهذه المنحوتة الضخمة، التي صُممت ليجري الماء خلالها بشكل دائم، توقفت عن أداء وظيفتها الأساسية بعدما تم تجفيفها في يونيو 2024. وقد فتح هذا التغيير الباب أمام تساؤلات عديدة حول جدوى استمرارها في المشهد الحضري. خاصة في ظل صيانتها المكلفة.
تغير السياق العمراني وأثره على التصميم
من العوامل المهمة التي أثّرت على النظرة إلى النافورة هو هدم طريق إمباركاديرو السريع عام 1991 والنقاش الناتج حول العمارة الوحشية. وكانت النافورة تُصمم في الأصل للتفاعل البصري معه. صُمّمت أنابيبها الخرسانية لتكون بمثابة حاجز بصري يعكس مظهر الطريق ويخفف من قسوته في البيئة الحضرية. ومع زوال هذا السياق، فقد التصميم جزءًا من مبررات وجوده الأصلي.
ذوق معماري مثير للانقسام
إلى جانب التغييرات الوظيفية والسياقية، فإن الأسلوب الوحشي (Brutalism) الذي يميز النافورة لا يحظى بإجماع جماهيري. فبينما يرى فيه البعض تجسيدًا للجرأة الحداثية، يراه آخرون قبيحًا ومنفّرًا. وقد عبّر الناقد المعماري ألان تيمكو عن هذا الانقسام بقسوة، حين شبّه النافورة بأنها: “أشبه بشيء أفرغه كلب خرساني يملك أمعاءً مربعة الشكل”.
مشروع إعادة التطوير: استثمار في المستقبل أم خسارة للتراث؟
حديقة جديدة بملايين الدولارات
ضمن خطط إعادة تطوير ساحة إمباركاديرو، وأيضًا ضمن نقاشات هدم طريق إمباركاديرو والعمارة الوحشية، تعتزم السلطات إنشاء حديقة حضرية بمساحة 5 أفدنة. ويهدف المشروع إلى دمج الواجهة البحرية بالحي المالي في تصميم موحد. وتُقدّر تكلفة هذا المشروع بـ 30 مليون دولار. وهذا يعكس رغبة في إحداث تحوّل عمراني كبير في قلب المدينة.
كلفة الترميم والتساؤل عن الأولويات
في المقابل، تُقدَّر تكلفة ترميم نافورة فايانكور بـ 3 ملايين دولار، وفقًا لتقديرات إدارة الترفيه والمتنزهات في سان فرانسيسكو. هذا الرقم يثير النقاش مجددًا: هل تستحق هذه القطعة الفنية كل هذا الاستثمار؟ أم أن الوقت قد حان لتوديعها بمناسبة هدم طريق إمباركاديرو والنقاش حول العمارة الوحشية؟
بين الرمز والمظهر: كيف نُقيّم الإرث البصري؟
السؤال الجوهري الذي يبقى مفتوحًا:
كيف ترى نافورة فايانكور؟
هل تعتبرها جوهرة حداثية تحتضر وتستحق الإنقاذ؟ أم أنها نُصب بصري فقد وظيفته وسحره مع مرور الزمن؟
الجواب قد يكشف الكثير ليس فقط عن الذوق المعماري، بل عن أولويات المدن الحديثة في التوازن بين التراث والتجديد.