من الخرسانة إلى التأمل: التحوّل المعماري لمكتبة Xixi فوق الأراضي الرطبة
مكتبة Xixi Goldmye: إحياء معماري في قلب الطبيعة
من مبنى مهجور إلى مركز ثقافي نابض بالحياة
في قلب أراضي هانغتشو الرطبة، وُلد مشروع معماري يعكس كيف يمكن للتجديد الذكي أن يعيد تعريف الفضاءات. المبنى الذي كان مهجورًا لأكثر من عقدين، تحوّل من كتلة خرسانية منسية إلى مكتبة نابضة بالحيوية، بفضل التدخل الجذري الذي أجرته Atelier Wen’Arch.
اعتمد الفريق على إزالة جميع العناصر الزائدة، مكتفيًا بالإبقاء على الأعمدة الخرسانية الأصلية كأساس للانطلاق. هذه الخطوة الجذرية لم تكن شكلية فحسب، بل كانت ضرورية لإعادة صياغة علاقة المبنى بمحيطه.
انفتاح على البيئة بعد عزلة طويلة
التكوين الإنشائي على شكل “U”، والذي كان مغلقًا على نفسه، أصبح الآن منفتحًا على حديقة Xixi الوطنية للأراضي الرطبة. هذا الانفتاح لم يكن مجرد خيار بصري، بل كان توجهًا لدمج المبنى مع السياق الطبيعي المحيط، وجعله امتدادًا للبيئة بدلًا من عزلته السابقة.
يمتد المشروع على مساحة تقارب 880 مترًا مربعًا، واكتمل تنفيذه في أبريل 2025. ومع اكتماله، أصبح يقدم مثالًا حيًا على قدرة العمارة على تجديد ذاتها، وتحويل الفضاءات المهملة إلى مراكز للمعرفة والتأمل.
العوارض الخشبية كعنصر وظيفي وجمالي
في قلب هذا التحوّل، تبرز ما يُعرف بـ “عوارض الكتب“ كعنصر محوري يجمع بين البُعد البنيوي والجمالي.
هذه العوارض المصنوعة من الخشب الصنوبري الرقائقي تتقاطع مع الأعمدة الخرسانية، وتمتد خارجها بتوازن دقيق، مما يخلق إيقاعًا بصريًا يربط كل أجزاء المكان.
وعلى المستوى الوظيفي، تتكامل هذه العوارض مع أنظمة الإضاءة والتهوية والتكييف، لتتحول البنية التحتية إلى لغة تصميمية تعبّر عن هوية المكان بدلاً من أن تكون مجرد متطلبات خفية.
إعادة إنسانية الفضاء
من خلال هذا التدخل، لم يكتف المصممون بإعادة توظيف المبنى، بل أعادوا له إنسانيته.
الشبكة الأصلية للمبنى لم تُلغَ، بل جرى التفاعل معها بذكاء، بحيث تحافظ على الانضباط الإنشائي، بينما يُضاف إليها دفء المواد الطبيعية وبُعد بصري يفتح النوافذ نحو مشاهد الأراضي الرطبة.
النتيجة كانت فضاء يشعر فيه الزائر أنه معلّق بين الأرض والسماء، تحيط به الطبيعة من كل جانب، ويمنحه الهدوء الذي تحتاجه لحظة القراءة أو التأمل.
ارتباط العمارة بالطبيعة: الماء والسماء كامتداد للفضاء الداخلي
برج الكتب: تواصل عمودي مع السماء
في الركن الجنوبي الغربي للمكتبة، يظهر ما يُعرف بـ “برج الكتب“ كعنصر معماري عمودي يُعزز الارتباط بالسماء.
يتكون هذا البرج من ميزانينات متدرجة تلتف حول شبكة خفية من عوارض فولاذية على شكل حرف I، مما يسمح بتوزيع المستويات بشكل متناسق دون التأثير على شفافية الفضاء.
هذا التصميم لا يكتفي بخلق أماكن قراءة متعددة المستويات، بل يحافظ أيضًا على الاتصال البصري بين الطوابق، مما يمنح شعورًا بالترابط والرحابة داخل بنية تبدو مضغوطة نسبيًا.
الجناح المائي: امتداد أفقي نحو البيئة
على الجانب الآخر، يتجه الجناح المطلّ على المياه نحو تفاعل مباشر مع المشهد الطبيعي.
من خلال أسطح مائلة ومقاعد غائرة، تتشكل مناطق جلوس مريحة تفتح على المستنقعات، حيث يستطيع الزوار الاسترخاء بينما تلامسهم أصوات الطبيعة من حولهم.
تُعد هذه المساحات مثالًا حيًا على كيفية تصميم مبانٍ لا تنعزل عن السياق البيئي، بل تنسجم معه وتُعيد تفسيره بطريقة معمارية.
الضوء الطبيعي: البُعد الخفي لتوسيع الفضاء
فتح الداخل على الخارج
يلعب الضوء دورًا محوريًا في تشكيل تجربة الزائر داخل المكتبة.
من خلال واجهات زجاجية تمتد من الأرض حتى السقف، تُلغى الحدود بين الداخل والخارج، فيتحول المكان إلى امتداد بصري ووجداني للطبيعة المحيطة.
مظلات مستوحاة من التقاليد برؤية معاصرة
وللتحكم في شدة الضوء دون كسر الترابط البصري، استعان المصممون بـ مظلات معلّقة تعيد تصور عناصر التظليل التقليدية في العمارة الصينية.
هذه المظلات لا تكتفي بتخفيف وهج الشمس، بل تضيف طبقة بصرية ناعمة تُرشّح الضوء وتُثري عمق الفضاء الداخلي.
تنوّع الإضاءة على مدار اليوم
يتغيّر ضوء النهار داخل المكتبة بطريقة تفاعلية مع الزمن، مما يمنح المكان طيفًا من الأجواء.
من دفء أشعة الصباح التي ترافق القهوة الأولى، إلى نعومة الإضاءة المسائية التي تليق بجلسة قراءة هادئة ، يتحول الفضاء من مجرد مبنى إلى تجربة يومية متجددة.
المكتبة العائمة: تجربة التحليق بين السماء والماء
علاقة مع الأرض الرطبة… دون ملامستها
ارتفاع المكتبة عن مستوى الأراضي الرطبة يمنح الزائر إحساسًا بالتحليق، كما لو أن الفضاء نفسه يطفو فوق سطح الماء.
هذا الانفصال الفيزيائي عن الأرض لا يُفقد المبنى ارتباطه بالطبيعة، بل يعزّزه من خلال إحساس بالخفّة والانفصال عن الصخب.
وفي قلب التصميم، نجد فناء الماء، الذي كان في الأصل مساحة فاصلة وسلبية، لكنه اليوم يتحوّل إلى مرآة تعكس السماء.
الغيم والماء يلتقيان على السطح، مما يضاعف الإحساس بأن المكتبة لا تنتمي للمكان بقدر ما تُعيد تفسيره.
من الإقصاء إلى الاحتضان
لم تعد الأجنحة الثلاثة التي تشكّل شكل “U” تنغلق على نفسها أو تدير ظهرها للمياه.
بل على العكس، أصبحت تحتضن الفناء المائي، لتُكوّن مركزًا مفتوحًا يتفاعل بصريًا وحسيًا مع البيئة المحيطة.
الزوار يتنقلون بين المساحات وكأنهم يعبرون فراغًا معلّقًا، حيث تمتزج أصوات الطيور وروائح الأراضي الرطبة القادمة عبر النوافذ.
هذه التجربة الغامرة تُعيد تعريف القراءة، لتصبح فعلًا تأمليًا لا مجرد استهلاك للمحتوى.
الكتب كعلاقة إنسانية لا كوسيط وظيفي
تصميم يدعو للبقاء
فلسفة التصميم هنا تتجاوز بكثير مجرد تنظيم الكتب أو تحسين التنقل.
ما سعت إليه Atelier Wen’Arch هو خلق أماكن تشجع على التباطؤ، وتدعو الزوار إلى البقاء، لا المرور السريع.
الكتب لا تُعرض كسلع، بل تُعامل كرفاق للروح والعقل، ترافق القارئ في لحظة تأمل وانفتاح على الذات والطبيعة.
ترميم بخيال لا بهدم
نجح فريق المعماري شين وين (Shen Wen) في تقديم نموذج نادر لمكتبة عامة تنتمي لمكانها.
فهي لا تُشوّه البيئة الحساسة للأراضي الرطبة، بل تتعامل معها باحترام ومسؤولية.
الأهم من ذلك أن هذا المشروع يُبرهن أن الترميم يمكن أن يكون أكثر إبداعًا من البناء الجديد، حين يُوظّف الخيال بدلًا من الهدم، والحس المعماري بدلًا من الاستعراض.
✦ تحليل ArchUp التحريري
لا شك أن مكتبة Xixi Goldmye تُجسّد مثالًا ملهمًا على كيفية إحياء مبنى مهجور وتحويله إلى تجربة حسية وثقافية تتناغم مع الطبيعة. التفاعل مع الضوء والماء والسماء، واستخدام المواد الطبيعية كالخشب والصنوبر، كلها عناصر تعكس حسًا معماريًا راقيًا وفهمًا عميقًا للسياق البيئي.
لكن، من ناحية نقدية، قد يُطرح تساؤل حول مدى قدرة هذا النوع من المشاريع “الشاعرية” على التكرار أو التوسع في سياقات عمرانية أخرى. فالتصميم هنا يبدو مفرطًا في الفردانية والتجريب، ما يثير علامات استفهام حول كفاءته التشغيلية على المدى البعيد، خصوصًا في مناخات رطبة قد تُشكّل تحديًا لصيانة الخشب المكشوف والهياكل المعلقة.
كذلك، بينما يوفّر المشروع تجربة تأملية غامرة، قد يُنظر إليه من زاوية وظيفية بحتة كمكان لا يخدم بالضرورة احتياجات القراءة المكثفة أو التجمعات الثقافية الكبيرة، إذ يميل إلى الطابع الانفرادي والتأملي أكثر من كونه فضاءً عامًا متعدد الاستخدامات.
مع ذلك، يظل المشروع درسًا معماريًا في احترام السياق، وإثباتًا بأن الترميم ليس مجرد “حل مؤقت”، بل خيار إبداعي متكامل عندما يُنفّذ بحس معماري عميق وتقدير صادق للطبيعة.
قُدم لكم بكل حب وإخلاص من فريق ArchUp
لا تفوّت فرصة استكشاف المزيد من مشاريع معمارية، وأبحاث معمارية، والفعاليات المعمارية، عبر موقع ArchUp.