الطبق الطائر في كييف: معركة الحفاظ على التراث الحداثي في أوكرانيا
مقدمة: أيقونة مستقبلية على حافة الهاوية
في قلب العاصمة الأوكرانية كييف، يقف مبنى “الطبق الطائر” شاهداً على حقبة طموحة من التاريخ المعماري. هذا الهيكل الخرساني الجريء، الذي تم الانتهاء من بنائه عام 1971 بتصميم من المهندس المعماري فلوريان يوريف، كان مقراً لمعهد المعلومات العلمية والتقنية، ليصبح نموذجاً بارزاً للعمارة الحداثية السوفيتية. يتألف المبنى من قاعة سينما ومحاضرات على شكل قرص مستقبلي، مستوحى من سباق الفضاء بين القوتين العظميين في ذلك الوقت، ويرتفع هذا القرص بشكل دراماتيكي فوق قاعدة أفقية من الزجاج والفولاذ. لكن اليوم، يجد هذا الصرح نفسه محاصَراً بموقع بناء لمركز تسوق جديد، وهو مصير يهدد العديد من كنوز العمارة الحديثة في أوكرانيا.
دميترو سولوفيوف: حارس ذاكرة مدينة مهددة بالزوال
يقف دميترو سولوفيوف، الناشط في مجال التراث المعماري والمصور، في مواجهة هذا المصير، وهو يكرس جهوده لحماية “الطبق الطائر” وغيره من الإرث المعماري للحقبة السوفيتية من الاندثار. بإيمان راسخ بقيمة هذا التراث، يقول سولوفيوف: “هكذا هي الأمور في كييف، ليس هناك احترام للماضي”.
شكّل انبهاره بالعمارة الحداثية وقلقه على مصيرها الدافع وراء مشروعه التوثيقي الطموح. جمع سولوفيوف حوالي مائة نموذج معماري، بُني معظمها بين ستينيات وثمانينيات القرن الماضي، في كتابه الشهير “الحداثة الأوكرانية”، والذي نشرته دار اللندنية في أوائل هذا العام. ولم يقتصر عمله على الطباعة، بل امتد إلى العالم الرقمي، حيث يدير حساباً على إنستغرام يحمل الاسم نفسه، يجذب أكثر من 100 ألف متابع، ويقود جولات معمارية في شوارع كييف لتعريف السكان المحليين بالعجائب المعمارية المهددة بالاختفاء في مدينتهم.
من أمام “الطبق الطائر” نفسه، يستذكر سولوفيوف نقطة التحول في مسيرته: “لقد أصبحت للتو مهتمًا بالحداثة ولم أستطع أن أفهم كيف كان هذا المبنى الشهير على وشك أن يتحول إلى مركز تجاري. أدركت أنني لا أستطيع أن أفعل الكثير حيال ذلك، ولكن على الأقل أستطيع تصويره.”

جولة داخل ذاكرة كييف: الحداثة تحت القصف
خلال ظهيرة أحد أيام الأحد في أواخر حزيران/يونيو، تقدم إحدى جولات سولوفيوف مثالاً صارخاً على تناقضات الحياة في كييف. هذه الجولات، التي تحظى بإقبال جيد، تجسد كيف تستمر الحياة النهارية بشكل طبيعي، بينما تتعرض المدينة للقصف الشديد ليلاً. كانت كييف، مثل بقية أوكرانيا، مسرحاً لطفرة معمارية خلال الحقبة السوفيتية، حيث ازدانت بالمباني التجريبية والفسيفساء والفن العام المستوحى من غزو الفضاء.
“تعجبني الفلسفة الكامنة وراء الحداثة: فكرة الانفصال عن المبادئ التقليدية للهندسة المعمارية وإنشاء شيء جديد تمامًا”، يشرح سولوفيوف للمشاركين. “إنه أسلوب متفائل للغاية، حيث يأخذ المهندسون المعماريون في الاعتبار الأشخاص الذين يعيشون في المباني.”
صراع الأجيال: إرث معماري بين القبول والرفض
تكشف جولات سولوفيوف عن انقسام في النظرة إلى هذا الإرث المعماري. فبينما يبدو أن معظم الحاضرين من الشباب تحت سن الـ 35، يشير سولوفيوف إلى أن الأجيال الأكبر سناً غالباً ما ترى هذه المباني على أنها غير جذابة وبالية.
بولينا كاربينكو (32 عاماً)، إحدى الحاضرات في الجولة، تعمل كمديرة منتج في قطاع التكنولوجيا وتعبّر عن تقديرها لجماليات هذه المباني: “الجميع يريد التخلص من كل ما يرتبط بالحقبة السوفيتية، ولكن هناك الكثير لنتعلمه من هذه الهندسة المعمارية. لقد أولى التخطيط اهتمامًا أكبر لاحتياجات الناس، مثل الرعاية الصحية والثقافة. وتم بناء أحياء بأكملها في وقت واحد، وكانت البنية التحتية أفضل تنظيمًا مما هي عليه اليوم.”

التهديد المزدوج: طلقات الحرب ومطرقة التطوير
تشكل الهجمات الروسية على أوكرانيا تهديداً مباشراً ومأسوياً لهذا التراث. فقد تحول توثيق الدمار إلى جزء أساسي من عمل سولوفيوف، حيث ينشر على إنستغرام صوراً للمباني المدمرة، مثل قصر الثقافة في بافلوهراد الذي تعرض للقصف الصيف الماضي.
الليلة التي تلت الجولة كانت كافية لتذكير الجميع بواقع الحرب. حيث شنت مئات الطائرات بدون طيار الروسية هجمات على المدينة، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى. لكن الحرب ليست التهديد الوحيد؛ فقوى السوق والفساد وغياب التشريعات الواضحة لحماية هذا الإرث الثقافي تشكل خطراً لا يقل شراسة. فمباني مثل “الطبق الطائر” تواجه مصير الهدم أو إعادة التطوير التجاري التي تفتقد إلى الحساسية التاريخية.
توثيق التراث تحت طائلة الخطر
لإتمام كتابه “الحداثة الأوكرانية”، اضطر سولوفيوف للسفر إلى بعض أكثر المدن تضرراً في البلاد، بما في ذلك مسقط رأسه زابوريزهيا وخاركيف وسومي. لم تكن المهمة سهلة، حيث واجه تحديات خطيرة، أبرزها خطر التجنيد الإجباري في الجيش الأوكراني. ويوضح: “كان العديد من السكان المحليين الذين كان من المفترض أن يريوني المباني يترددون في الاجتماع في الأماكن العامة لهذا السبب”. هو نفسه كان معرضاً لخطر الاعتقال بسبب وضعه الدراسي.
اجتثاث الماضي: معضلة الهوية الوطنية
يضيف الصراع مع الماضي السوفيتي بُعداً آخر للمشكلة. فمنذ عام 2014، سنّت أوكرانيا قوانين تهدف إلى اجتثاث الرموز السوفيتية والشيوعية من الفضاء العام. وفي بعض الحالات، تم توجيه هذه السياسة ضد المباني الحداثية نفسها، كما حدث عندما حاول قوميون إلغاء محاضرة لسولوفيوف في لفيف.
يوضح سولوفيوف هذه المعضلة بقوله: “بدلاً من حماية ما يدمره الروس، يريدون التخلص من كل شيء سوفياتي، لأنهم يعتبرونه روسيًا. لكن هذا هو بالضبط ما يدعيه بوتين: أن كل شيء سوفيتي هو روسي. وكثيرا ما يتم رفض هذه المباني باعتبارها استعمارا روسيا، وقد تم إنشاؤها من قبل المهندسين المعماريين الأوكرانيين الذين حاولوا تشكيل عالم أفضل لشعب أوكرانيا.”

خاتمة: صورة من أجل المستقبل
في النهاية، يمثل عمل دميترو سولوفيوف أكثر من مجرد توثيق للمباني؛ إنه محاولة للحفاظ على ذاكرة جماعية وهوية معمارية فريدة في وجه التهديدات الوجودية. من خلال كاميرته وكتابه وجولاته، لا يسجل سولوفيوف تفاصيل الأسمنت والزجاج فحسب، بل يسجل روحاً من الإبداع والتفاؤل من حقبة مضطربة، داعياً أوكرانيا المعاصرة إلى التصالح مع ماضيها المعقد من خلال الحفاظ على إرثها المعماري المميز.
✦ رؤية تحريرية من ArchUp
يتناول المقال جهود الحفاظ على التراث المعماري الحداثي الأوكراني، ممثلاً في مبنى “الطبق الطائر”، في مواجهة الإهمال والتهديد المزدوج بالحرب وإعادة التطوير التجاري. يبرز التصميم فكرة مستقبلية جريئة من خلال الشكل القرصي المعلّق، لكن العلاقة بين الكتلة العلوية المعلقة والقاعدة الزجاجية تخلق حالة من الانفصال البصري والوظيفي، مما يضعف من تكامل الحجم الكلي للمبنى. يعاني التصميم الداخلي من تحديات في توزيع الإضاءة الطبيعية بسبب السقف غير التقليدي، كما أن العلاقة بين الفراغات الداخلية والفراغ الخارجي المحيط تبدو محدودة. على الرغم من ذلك، فإن المبنى يقدم نموذجاً معمارياً فريداً في تعبيره النحتي عن فكرة “الطبق الطائر”، محققاً حضوراً بصرياً قوياً يشكل علامة فارقة في سياقه الحضري.
مقدم لكم من فريق تحرير ArchUp
من هنا يبدأ الإلهام. تعمق في الهندسة المعمارية، والتصميم الداخلي، والبحث، والمدن، والتصميم، والمشاريع الرائدة على ArchUp.