كاسا تاو: استكشاف الضوء والظل في تصميم معماري تأملي على ساحل المكسيك
منزل جديد على ساحل المحيط الهادئ
في بلدة بويرتو فالارتا على الساحل الغربي للمكسيك، شُيّد منزل يلفت الانتباه بطابعه المعماري المختلف عن النسيج العمراني المحيط به.
الحي المحيط
يقع المنزل في زاوية من ضاحية يغلب عليها الطابع البسيط؛ منازل من طابقين متشابهة في شكلها ووظيفتها. وسط هذا المشهد المتكرر، يظهر المبنى الجديد كعنصر استثنائي يفرض حضوره.
كاسا تاو: كتلة خرسانية ذات طابع نحتي
المنزل، الذي أطلق عليه اسم “كاسا تاو”، يتجسد في صورة كتلة خرسانية صلبة، أقرب إلى منحوتة معمارية. خطوطه البسيطة وأسطحه المتقشفة تعكس رغبة في خلق بيئة تأملية أكثر من كونها مجرد مساحة للعيش.
تأثيرات معمارية
يلتقط التصميم روح بعض أعمال المعماري الياباني تاداو أندو، خاصة مساكنه التجريدية في طوكيو خلال منتصف مسيرته. هذا التشابه لا يقتصر على الشكل، بل يمتد إلى فلسفة التعامل مع الضوء، الخرسانة، والمساحات الفارغة.
لمسة استوديو HW
وراء هذا العمل يقف استوديو HW، ومقره مدينة موريليا. اختار المعماريون تقديم رؤية تتجاوز الوظيفة اليومية لتلامس البعد الجمالي والتأملي في الحياة السكنية.
فريق التصميم خلف المشروع
أشرف على تنفيذ المشروع المهندس المعماري روخيليو فاييخو بوريس، إلى جانب كل من أوسكار ديدييه أسينسيو كاسترو ونيك زاريت سيرفانتس أورداز من فريق استوديو HW. هذا التعاون أفرز رؤية متكاملة حافظت على هدوء ودقة الحضور المعماري رغم تباينه عن محيطه.
كتلة متدرجة على أربعة مستويات
يمتد المنزل عبر أربعة مستويات، ما يمنحه طابعًا متدرجًا في الارتفاع. العنصر الأبرز في تكوينه هو الجدار الخرساني المنحني الذي يحيط بالموقع، موجّهًا الحركة نحو الداخل.
الانتقال بين المستويات
من خلال هذا الجدار المنحني، يجد الزائر نفسه منقادًا إلى المستوى الثاني (أو ما يُعرف بالطابق الأول وفق التصنيف الأوروبي). هذا التدرج في الحركة يضيف بعدًا مسرحيًا للتجربة المعمارية، حيث لا يقتصر العبور على التنقل بين الطوابق، بل يتحول إلى جزء من الرحلة البصرية داخل المكان.

رؤية من الأعلى
تكشف الصور الجوية للمنزل عن هندسة دقيقة ومدروسة، حيث تتضح العلاقة بين الكتل الخرسانية والمساحات المفتوحة، ما يعكس تخطيطًا واعيًا للتوازن بين الخصوصية والانفتاح.
مدخل محجوب بعناية
أمام البيت، يظهر حوض نباتي دائري يعمل كعنصر بصري يحجب المدخل عن الشارع. هذا الحل البسيط يحقق قدرًا من العزلة دون الحاجة إلى إغلاق كامل، ويؤكد على فكرة الانتقال التدريجي من العام إلى الخاص.
الجدار الخرساني المنحني
يبرز الجدار الخرساني النحيف وهو يلتف بانسيابية حول المسكن، ليحدد ملامحه الخارجية. انحناء الجدار ليس مجرد اختيار شكلي، بل عنصر وظيفي وجمالي يوجّه الحركة ويصنع حدودًا واضحة للمكان.
الضوء كجزء من التصميم
خلف هذا الجدار مباشرةً، نجد فتحة ضوء عمودية تمتد على ارتفاع المبنى. هذه الفتحة لا تضيء فقط الممرات، بل تغذي أيضًا الغرف الثلاث المزودة بحمامات داخلية في المستوى الأول (الطابق الأرضي)، مانحةً إياها تهوية طبيعية ولمسة من الحيوية.


الطابق العلوي: قلب الحياة اليومية
تموضع مساحة المعيشة الرئيسية في الطابق العلوي للمنزل، حيث تتجسد على شكل صندوق خرساني كبير يرتفع فوق الجدار المنحني السفلي. هذا التصميم يمنح الطابق العلوي شعورًا بالعلو والانفصال عن الفضاءات الخارجية، مع تعزيز الخصوصية.
توزيع الفراغات
تشمل هذه المساحة المطبخ، غرفة الطعام، والمعيشة بارتفاع مضاعف، ما يخلق بيئة رحبة ومتجددة، مع قدرة على استقبال الضوء الطبيعي بشكل مكثف.
الضوء والتنظيم
تم ترتيب النوافذ العلوية بدقة لتوجيه الضوء إلى قلب الفراغ، ما يضفي جوًا متوازنًا بين الإشراق والراحة البصرية. هذه النوافذ لا تعمل فقط على الإضاءة، بل تساهم في تعزيز الإحساس بالاتساع والعمق داخل المساحة.
المعرض العلوي والمكتبة
تحتوي الفراغات الخرسانية أيضًا على معرض علوي يضم مكتبًا ومنطقة مكتبة متكاملة، ما يدمج بين الوظيفة العملية والجمالية، ويعزز تجربة العيش في هذا الطابق بشكل متكامل.

العميل والإلهام وراء التصميم
صُمم المنزل خصيصًا للمصوّر وعاشق الجمال غوستافو كيروز وزوجته سينثيا روزاورا ساندوفال. الهدف الأساسي كان خلق فضاء يعكس شخصية ساكنيه ويستحضر ذكريات كيروز عن طفولته.
الضوء والمساحة والمادة
ركز المعماريون على أهمية الضوء والمساحة والمادة في تكوين المنزل، حيث لا تُعتبر المواد مجرد عناصر بنائية، بل أدوات للتعبير عن الشعور والذاكرة.
الجذور الطفولية وتأثير البيئة
يقول المعماريون عن كيروز:
«لقد نشأ في منزل متواضع بُني بالجهد أكثر مما بُني بالمواد. كطفل، عاش في بويرتو فالارتا، المدينة الواقعة على ساحل المحيط الهادئ في المكسيك، حيث يحدد الشمس والرطوبة إيقاع الأيام، وحيث لا تُعدّ الظلال صدفة، بل ثروة ثمينة وملاذًا حقيقيًا».
هذا الوصف يوضح كيف أن الذكريات البيئية والمناخية للطفولة شكلت أساسًا فلسفيًا لتصميم المنزل، حيث أصبح الضوء والظل جزءًا أساسيًا من تجربة السكن، وليس مجرد عنصر جمالي ثانوي.

اللعب بالضوء والظل
لإعادة الأحاسيس الطفولية وإبراز العلاقة الجوهرية بين الشمس والظل، بين الضوء والعتمة، اعتمد HW Studio على تصميم غرف نوم تحاكي الكهوف. الضوء الطبيعي يقتصر على الجدار الزجاجي المطل على فتحة الضوء الداخلية، ما يخلق أجواء تأملية وخصوصية عالية.
الضوء في الطوابق الأخرى
حتى الطابق السفلي لم يُهمل في هذه الفلسفة، إذ تم تزويده بفتحة إضاءة خاصة به، ما يضمن تدفق الضوء الطبيعي إلى الفراغات الأقل ارتفاعًا.
نظام الإضاءة والتحكم
في مساحة المعيشة، يبرز نظام الإضاءة المتحكم فيه بعناية الزوايا المظلمة والفراغات الخفية، مضيفًا بعدًا ديناميكيًا للتصميم الداخلي. هذا التوازن بين الضوء والظل يعكس اهتمام المعماريين بالتفاصيل الدقيقة، ويحوّل كل زاوية من المنزل إلى تجربة حسية متكاملة.



الظل كعنصر عاطفي
نجح المعماريون في التعامل مع الظل ليس كعنصر بصري فقط، بل كشرط عاطفي وتجربة حسية. يمثل الظل وعدًا بالسكينة والتنفس، ويعمل كحاجز صامت يحمي الساكن من صخب العالم الخارجي، مما يعزز الشعور بالهدوء والطمأنينة داخل المنزل.
حوض السباحة كواحة خفية
حتى حوض السباحة النحيل يعكس هذا المفهوم، حيث يقع محصورًا بين جدارين مرتفعين من الخرسانة. هذا التصميم يحوله إلى واحة خفية معزولة عن وهج الشمس والضوضاء المحيطة، ما يضيف بعدًا تأمليًا وتجربة شخصية للساكنين.

رحلة البحث عن الإلهام
قبل بدء مشروع كاسا تاو، قام غوستافو كيروز وعائلته الصغيرة برحلة إلى اليابان. هذه التجربة أتاح لهم التعرف على جماليات الفراغ، نقاء التكوين، والسكون الكامن في كل إيماءة معمارية، وهو ما شكل مصدر إلهام مباشر للتصميم.
دمج الإحساس الياباني في التصميم
اعتمد المعماريون على هذه الرحلة في صياغة متطلبات المشروع، حيث كان من المهم أن يجعل التصميم يشعر الساكنين وكأنهم يعيشون داخل متحف ياباني. هذا المفهوم يوضح التوجه نحو التأمل، التحكم بالمساحات، واستحضار السكون في الحياة اليومية، بدل الاقتصار على الوظائف التقليدية للمنزل.


التنظيم العمودي للمساحات
بتصميم قاعدة المنزل لاستيعاب المساحات الخدمية، غرف النوم، والمرآب، تمكن المعماريون من تخصيص الطوابق العليا للحياة الاجتماعية بشكل مستقل تمامًا عن الشارع. هذا الفصل بين الوظائف يعزز الخصوصية ويتيح للفراغات الاجتماعية الحرية في التعبير والتفاعل.
العلاقة بين الجدار والمناظر الطبيعية
تساهم انحناءة الجدار في تشكيل سلسلة داخلية متصلة من الفراغات، مدعومة بـ توزيع مدروس للنباتات، ما يخلق إحساسًا بالتدفق بين الداخل والخارج. على السطح العلوي، تضيف حديقة الزِن بعدًا تأمليًا، حيث توفر مساحة هادئة للتواصل مع الطبيعة.
الباحات كمنصات للتأمل
يقول المعماريون:
«تعمل الباحات المرتفعة كمدرجات للتأمل، منصات صغيرة نتنفس منها عبير الزهور بشكل أفضل، ونصغي إلى همس الرياح بين قمم الأشجار».
هذا الوصف يعكس التكامل بين التصميم المعماري والطبيعة، ويبرز كيف يمكن للفراغات المرتفعة أن تصبح أماكن للراحة النفسية والتفاعل الحسي مع المحيط.

التباين بين الفراغات
يظهر العالم الداخلي لغرف النوم بشكل متباين تمامًا مع مساحات المعيشة المفتوحة. حيث تم تصميم الغرف لتوفر إحساسًا بالخصوصية والانغلاق، في حين تمنح مساحات المعيشة شعورًا بالرحابة ولكن ضمن شروطها الخاصة للانفتاح على الخارج.
خصوصية منفتحة
المنزل، رغم كونه منغلقًا على الحي المحيط، يقدم دعوة هادئة للزائرين والساكنين، بدلًا من الاعتماد على واجهات صاخبة موجهة للعامة. هذا التصميم يخلق توازنًا بين الانعزال والاندماج مع البيئة المحيطة.
الحياة بوتيرة أبطأ
وفقًا للمعماريين:
«لقد تم ترتيب كل شيء بحيث تجري الحياة بوتيرة أبطأ وأكثر امتلاءً – منفتحة بدرجة أكبر على ما هو غير مرئي».
يشير هذا إلى أن التصميم لا يركز فقط على الرؤية المكانية، بل على تجربة الحياة اليومية، حيث يصبح الساكن أكثر وعيًا بالفراغات الصغيرة، الظلال، والضوء، ويعيش تجربة أعمق وأكثر تأملية داخل المنزل.

الخرسانة كخيار معماري
اختيار الخرسانة لم يكن عشوائيًا، بل جاء كخيار طبيعي يتماشى مع فلسفة التصميم. لم يكن الهدف فقط الارتباط بالمنازل اليابانية الهادئة، بل أيضًا التعامل مع أشعة الشمس الساطعة بطريقة ذكية، من خلال ترشيح الضوء عبر سطح ناعم ماص لا يبعثره، بل يعيد تشكيله ليخلق أجواء داخلية متوازنة.
الأشكال والفراغات التأملية
بهذا الأسلوب، تصبح الأشكال المقيدة للجدران والغرف الخلوية أكثر تأملًا، حيث يتيح التصميم للساكن تجربة هدوء بصري وذهني داخل الفراغات، بعيدًا عن الانحرافات البصرية الشائعة في التصميمات التقليدية.
الزوايا والظلال
كما يوضح فريق HW Studio:
«كل زاوية تدعوك للبقاء لا للعبور، وكل ظل هو وعد بالراحة والطمأنينة».
يعكس هذا المبدأ العلاقة المتبادلة بين الضوء والظل والمواد، ويحول كل زاوية من المنزل إلى تجربة حسية متكاملة، تجعل من السكن أكثر تأملية وارتباطًا بالمحيط الداخلي والخارجي في آن واحد.
✦ تحليل ArchUp التحريري
يمكن وصف كاسا تاو بأنها مشروع معماري يلفت الانتباه ويقدم تجربة سكنية غنية من حيث الضوء، الظل، والمساحات التأملية. التصميم يظهر براعة في التعامل مع الخرسانة وتوزيع الفراغات، ما يمنح المنزل هويته الخاصة ويجعل العيش فيه تجربة حسية فريدة. ومع ذلك، قد يجد البعض أن كثافة الخرسانة والانغلاق النسبي للواجهات على المحيط الخارجي تقلل من الإحساس بالانفتاح العام، بينما قد تكون بعض المساحات الداخلية صعبة التكيف مع متطلبات الحياة اليومية العملية. بشكل عام، يبرز المشروع كمحاولة واضحة للمزج بين الجمال، الخصوصية، والتأمل، مع وجود بعض التحديات المرتبطة بالوظائف العملية للمنزل.
قُدم لكم بكل حب وإخلاص من فريق ArchUp
لا تفوّت فرصة استكشاف المزيد من أخبار معمارية في مجالات الفعاليات المعمارية، و مشاريع معمارية عبر موقع ArchUp.