مشروع “سانتواريو دي لاسال” يدمج العمارة البارامترية مع التجربة الروحية المعاصرة
تحول المفهوم الفراغي بين العلمانية والقدسية
تقوم الفكرة المعمارية لمشروع سانتواريو دي لاسال، الذي صممته شركة CAZA، على إعادة تفسير النموذج التقليدي للكنيسة داخل سياق جامعي معاصر في مدينة بينيان بالفلبين. ويتجاوز المشروع الصورة النمطية لـالمباني الدينية من خلال تكوينات عضوية غير منتظمة صيغت باستخدام التصميم البارامتري، مع تنفيذها عبر منظومة إنشائية معيارية مبسطة تجمع بين التعقيد الشكلي وكفاءة البناء. ويبدأ التحول الفراغي منذ لحظة الانتقال من حيوية الحرم الجامعي إلى فضاء أكثر هدوءًا وتأملًا، حيث يعيد التصميم تشكيل العلاقة بين الأنشطة اليومية والفضاءات الروحية عبر عتبة انتقالية تخفف الإحساس بضجيج المحيط وتُهيئ الزائر لتجربة مختلفة.
السينوغرافيا المكانية والتجربة الإنسانية
يعتمد المبنى على تكوين فراغي يوجه الحركة والإدراك البصري في آن واحد، إذ تتداخل الكتل لتقود الزائر عبر مسار متدرج يعزز الإحساس بالانتقال نحو القلب الروحي للمشروع. كما يسهم الغلاف المسامي والأسطح المنحنية في تشكيل تفاعل مستمر بين الضوء الطبيعي والظل وحركة الهواء، مما يضفي على الفراغ حيوية متغيرة على مدار اليوم. ويولد هذا التفاعل بين المادة والضوء تجربة حسية هادئة تعزز التأمل، وتمنح الكنيسة هوية معاصرة تتجاوز الصورة التقليدية لـالعمارة الدينية.


النفاذية العتبية وتفكيك الكتلة
يتجسد الغلاف الخارجي في هيئة تكوين بارامتري من شرائح رأسية خرسانية ذات ملمس خشن، تحيط بالكتل الدائرية المترابطة لتشكل غلافًا مساميًا يوازن بين الكتلة والفراغ. وتعمل هذه الشرائح على ترشيح الضوء الطبيعي وإلقاء ظلال متغيرة، مما يخفف الإحساس بصلابة الكتلة ويعزز ارتباط المبنى بالمناخ المحيط من خلال السماح بمرور الهواء. ويشكل هذا الغلاف منطقة انتقالية شبه خارجية تُبطئ إيقاع الحركة، وتوفر انتقالًا تدريجيًا من البيئة الجامعية إلى الفضاء المخصص للتأمل.
التحول المادي والمسار الحركي
تتغير التجربة المكانية تدريجيًا مع الانتقال إلى الداخل، حيث تتحول الخامات من الخرسانة الخشنة إلى الأخشاب الدافئة والنحاس المصقول، بما يعزز الإحساس بالاحتواء والسكينة. وتنظم الأعمدة الإنشائية متفاوتة الأقطار مسارات الحركة حول الفراغات الدائرية، مع الحفاظ على مقياس إنساني ينسجم مع تجربة المستخدم. ويعزز هذا التناغم بين المادة والفراغ والضوء الإحساس بالهدوء، ويجعل الحركة داخل المبنى جزءًا من التجربة التأملية نفسها، مع توظيف مواد بناء تتوافق مع الأداء الوظيفي والبيئي.


التحول الفراغي والارتقاء إلى المركز
تبلغ رحلة العبور ذروتها في الفضاء المركزي ذي الارتفاع المزدوج، الذي يُتاح الوصول إليه عبر أربعة عشر بابًا منفصلًا توزع حركة المصلين وتجمعهم داخل فضاء واحد. ويجسد هذا الانتقال تحولًا من التأمل الفردي إلى المشاركة الجماعية، بينما يستحضر السقف المائل بخطه القوسي حركة الأجرام السماوية، في حين يغمر الضوء الطبيعي القادم من النوافذ العلوية (Clerestory) الفراغ الداخلي، متفاعلًا مع الإضاءة المعلقة والخامات الدافئة ليعزز الإحساس بالسمو والارتباط بالطبيعة.
التجربة الروحية والحلول البيئية
يعتمد المشروع على لغة معمارية بسيطة تخلو من الزخرفة المفرطة، وتستند إلى قوة الفراغ والخامات الطبيعية في تشكيل التجربة الروحية. كما يسهم الغلاف المسامي والتنظيم الهندسي للكتل في تحسين التهوية الطبيعية وتحقيق أداء بيئي متوازن يتلاءم مع مناخ الموقع. وبهذا ينجح المشروع في تقديم كنيسة معاصرة تجمع بين الكفاءة البيئية والبعد الروحي، وتوفر فضاءً يحتضن التأمل الفردي والتفاعل المجتمعي ضمن بيئة جامعية مفتوحة، ليصبح نموذجًا ضمن مشاريع معمارية تستجيب لمتطلبات العصر.



✦ تحليل ArchUp التحريري
لا يتعامل مشروع سانتواريو دي لاسال مع العمارة الدينية بوصفها نمطًا منفصلًا، بل يعيد تنظيم الفضاء المقدس عبر هندسة بارامترية، وإنشاء معياري، واستجابة بيئية متكاملة. ويعيد المشروع صياغة التجربة الروحية كسلسلة دقيقة من العتبات، حيث يصبح الضوء والتهوية ومسارات الحركة أدوات معمارية فاعلة بدلًا من الاقتصار على الرمزية الزخرفية. وتكمن أهميته في إظهار كيف يمكن لـأبحاث معمارية المرتبطة بالبنية التحتية الخوارزمية أن تعزز العمق الحسي مع الحفاظ على انضباط مادي ومعماري ضمن إطار أخبار معمارية المتخصصة.
ومع ذلك، قد يبالغ هذا الطرح في اعتبار التعقيد الشكلي المصدر الرئيس للسمو الروحي. فالأجواء المكانية تتشكل أيضًا من الطقوس، والاستخدام المتواصل، والاستمرارية الثقافية، لا من الدقة الحسابية وحدها. فالأغلفة البارامترية قد تحقق أداءً بيئيًا متقدمًا، لكنها قد تتحول إلى تكوينات بصرية مقنعة تفتقر إلى رسوخ رمزي إذا غاب عنها الارتباط المستدام بالمجتمع والممارسة الدينية، وهو ما يستدعي قراءة أوسع ضمن أرشيف المحتوى.







