هل نعيش في كون غير متناظر؟
في يوليو 2025، نشرت مجلة Astrophysical Journal Letters دراسةً أحدثت دوياً علمياً غير مسبوق: بيانات دقيقة من تلسكوبَي “جيمس ويب” و”هابل” أظهرت وجود تناقض حاد في معدل تمدد الكون. هذه المفارقة ليست مجرد فرق رقمي، بل صرخة علمية في وجه كل ما كنا نظنه ثابتًا في قوانين الجاذبية ونظريات أينشتاين. نحن، ببساطة، على أعتاب إعادة تعريفٍ لما تعنيه “قوانين الطبيعة”.
لكن ماذا لو أسقطنا هذه الأزمة الكونية على الأرض؟ على خرائطنا؟ على هندستنا؟
ما الذي يعنيه التمدد غير المتماثل في لغة المعماري؟ هل تنسحب هذه اللايقينيات الكونية على عمراننا وهويتنا الحضرية؟ وما موقع المعماري من اتساع عالم أصبح نفسه موضع سؤال؟
العمارة كصدى للكون المتنافر
لطالما كانت العمارة محاولة لترجمة النظام. النظام الهندسي، النظام المجتمعي، النظام الرمزي. ومع القرن العشرين، دخلنا عصر الـ “انزياح” — لا في الضوء فقط، بل في الفكر. اللايقين كمبدأ. التناقض كجزء من المنطق.
ما يقترحه العلماء اليوم — بأن الكون يتمدد بمعدلات مختلفة في اتجاهات مختلفة — يفتح بابًا لفكرة أن التماثل قد لا يكون شرطًا للاتزان.
في العمارة، لطالما كانت مفاهيم مثل المحورية، التماثل، والانتظام الكتلي عناصر مركزية في تشكيل الفضاء. لكن ماذا لو كان التمدد العشوائي، اللاتماثل، والتشظي هو قانون الطبيعة الأصدق؟ ألن يكون من المشروع حينها أن نعيد النظر في نظرتنا إلى الفراغ، الكتلة، والامتداد؟ ألا يحتم ذلك عمارة مرنة، ديناميكية، وغير قطعية؟
الفضاء العام كمساحة مرنة: هل نعيش داخل كائن ينبض؟
إذا كان الكون نفسه لا يتصرف كجسم صلب بل كنسيج حي يتوسع باضطراب، فإن مدننا قد تكون في حاجة لإعادة تصميم تُشبه بنية الكائن الحي: قابلة للتمدد، للتراجع، للتنفس، وحتى للفوضى المنظمة.
بدأت بعض المدن بالفعل تُجري تجارب معمارية تُحاكي هذا التصور.
- في كوبنهاغن، يتغير مخطط بعض الأحياء تلقائيًا كل خمس سنوات بحسب تغير أنماط الاستخدام.
- في طوكيو، تستجيب بعض المباني للأزمات الطارئة (كالزلازل) بمرونة ديناميكية تعتمد على حساسات ارتجاجية.
- في دبي، مفهوم “الكتلة المعمارية المرنة” بدأ يُطبق ضمن نطاقات المشاريع طويلة الأمد كمتحف المستقبل.
هذه الحالات لا تختلف كثيرًا عن فيزياء تمدد الكون: الكتلة نفسها تتحرك، لكن وفق سياقات وقيود غير متناظرة.
نحو عمارة
ما بعد-الجاذبية
حين صاغ أينشتاين نظريته للنسبية، لم يكن يتصور أن تُستخدم كأداة للمعماري، لكن فعلًا، ظهرت مدارس في العمارة أطلقت على نفسها “الباراسيكولوجية”، و”ما بعد الجاذبية”، وبدأت تصمم على أساس انحناءات الزمكان، وتأثير التسارع على الإدراك البشري داخل الفضاء.
مشروع Landscript Pavilion في برلين — على سبيل المثال — تمت صياغة فراغاته بناءً على محاكاة لحركة الجاذبية المتغيرة.
في NEOM، تظهر محاولة لرسم مدينة ليست مجرد خطوط أفقية أو عمودية، بل امتدادات انسيابية كأنها نسخ أرضية من نسيج فضائي.
كل هذه المحاولات تدفعنا للسؤال: هل نحن بصدد نشوء طبقة جديدة من المعماريين؟ معماريو الكون المرن؟ الذين لا يخططون لأرض ساكنة، بل لعالم يتمدد بلا قواعد؟
البحث المعماري في زمن الاختلال الكوني
مع تزايد الشكوك حول اتساق الفيزياء نفسها، ربما يصبح من المشروع أن تنتقل العمارة من محاكاة القوانين إلى ابتكارها.
نحن نعيش في زمن لا يكتفي بإعادة التفكير، بل يُعيد تعريف كل شيء — حتى “الطوبوغرافيا الكونية”. وبالتالي، يصبح لزاماً على المعماري أن يتحول من مصمم جدران إلى باحث في هندسة العالم.
كما قال عالم الفيزياء داريو أمودي مؤخرًا:
“الكون لم يعد متناظرًا. والوظائف، والهياكل، والحدود لم تعد كذلك أيضاً.”
ربما، إذًا، ليس من المبالغة القول إن المعماري هو أصدق من يُمكنه فهم هذا العصر: لأنه دائمًا كان يعيش في هشاشته.
رأي رئيس التحرير:
العمارة ليست مجرد بناء جدران، بل هي إعادة نحتٍ مستمرٌّ لمفاهيم الثبات والزمن. في لحظةٍ يتمدد فيها الكون بطرق لم نعهدها من قبل، لا بد أن يتمدد معنا أيضًا وعينا المعماري.
هل يمكننا أن نصمّم في عالم لم نعد نفهمه؟ ربما لا.
لكن ربما كان ذلك هو لبّ المهنة: أن نبني رغم اللايقين، وأن نُجسد الجمال حتى في العشوائية.
معارض معمارية، مؤتمرات، وفعاليات تصميم عالمية
هل تبحث عن معارض معمارية متميزة أو مؤتمرات معمارية دولية؟ في ArchUp نوثق أهم الأحداث المعمارية والفنية، من معارض التصميم إلى المنتديات الحضرية.
نغطي أيضًا أبرز المسابقات المعمارية ونتائج المسابقات، مع تحديثات مستمرة عبر قسم الأخبار المعمارية.
من خلال ArchUp، ستجد كل الفعاليات المعمارية في منصة واحدة تجمع بين الإلهام والفرص المهنية.