دير فلمنت تحول المتحف يحصل على جناح جديد صارخ من قبل باروزي فيجا

آبي كورتريج: حيث يلتقي صلب التاريخ بروح العصر في تحفة معمارية فلمنكية

Home » العمارة » آبي كورتريج: حيث يلتقي صلب التاريخ بروح العصر في تحفة معمارية فلمنكية

في قلب مدينة كورتريك البلجيكية، تلك الجوهرة الفلمنكية التي تحتفظ بشوارعها المرصوفة بالحجارة وواجهات الطوب الأحمر البني، ينهض مشروع ثقافي طموح من رحم تاريخ عريق. إنه متحف “آبي كورتريج” للفنون، الذي افتتح حديثاً بتكلفة بلغت 14.8 مليون دولار، ليس مجرد مبنى جديد، بل هو حوار معماري شاعري بين ماضي الدير العائد للقرن السادس عشر ومستقبل الفن المعاصر، معلناً ولادة “غرفة المعيشة الثقافية” للمدينة.

كورتريك: لوحة تاريخية حية تروي قصة هوية

تقف كورتريك كشاهد أصيل على تاريخ منطقة فلاندرز، حيث تشهد قاعة مدينتها القوطية، وكنائس سانت مارتان والسيدة العذراء، والجرس المدرج في قائمة اليونسكو، على تراث ثقافي غني. الموقع الذي شهد قبل قرون “معركة سيور الذهبية” في عام 1302، حيث انتصر مزارعو فلاندرز على فرسان الملك الفرنسي، يستضيف اليوم معركة جديدة من نوعها: معركة إعادة تعريف الهوية من خلال الفن والعمارة. كان الدير الأخضر، الذي أسسته راهبات سيسترسيان في العصور الوسطى، جزءاً من هذه القصة، وهو الآن يحمل على عاتقه مهمة جديدة.

Abby Kortrijk
يعد جناح باروزي فيجا (أعلى الصفحة) جزءًا من متحف معاصر يقع في دير جرونينجي السابق

رحلة التحول: من دير مقدس إلى متحف للفنون

لم يكن تحويل مجمع “دير جرونينجه” التاريخي إلى متحف للفن المعاصر مجرد عملية ترميم، بل كان إعادة تخيل كاملة للدور الذي يمكن أن يلعبه المبنى في حياة المدينة الحديثة. في أواخر السبعينيات، استحوذت المدينة على الدير المتألف من ثلاثة أجنحة رئيسية: الكنيسة من عام 1595، والمهجع من 1597-1598، وجناح الربط الذي يضم مصلى كلاريس الفقيرات من القرن التاسع عشر.

شهدت الثمانينيات محاولة أولى بقيادة المهندس إيريك دي ماير لتحويل المكان إلى متحف “كورتريك 1302″، حيث أدخل هيكلاً معدنيًا ضخماً داخل الكنيسة وأضاف أجنحة جديدة. لكن بعد ثلاثة عقود، جاءت الرؤية الجديدة لتحقق قفزة نوعية.

فلسفة التصميم: احترام الماضي وبناء المستقبل

قاد عملية التحول المعقدة هذه تحالف تصميمي ضم مكتب “باروزي فيجا” الإسباني ذا السمعة العالمية، بالتعاون مع “تاب آركيتكتس” المحلية ومتخصصي التراث في “كوبلامب آركيتكتن”. كان التحدي المطروح في المسابقة العامة هو تجسيد “الهوية الفلمنكية” مع توفير مساحة حيوية قادرة على استضافة برنامج ثقافي متنوع.

تبنى المصممون فلسفة تقوم على استعادة الوضوح الأصلي للنسيج التاريخي. فبدلاً من التعامل مع الإضافات السابقة كجزء من تاريخ الموقع، رأوا فيها عناصر “عدوانية” تحجب العلاقات المكانية الأصلية، فتمت إزالتها لاستعادة وضوح رؤية مباني الدير الثلاثة في علاقتها الطبيعية.

Abby Kortrijk
يصل الزوار إلى الإضافة من خلال ممر زجاجي.

الحلول الذكية: التواضع تحت الأرض والجرأة فوقها

واجه المهندسون المعماريون معضلة حقيقية: كيف يوفرون مساحة معرض كافية داخل مبانٍ تاريخية لم تُصمم لهذا الغرض؟ جاء الحل ذكياً ومتواضعاً في الوقت نفسه: حفر صالتين رئيسيتين للعرض تحت الأرض، تحت الفناءين الشرقي والغربي للمجمع. هذا القرار لم يحافظ على السلامة البصرية للمباني التاريخية فحسب، بل وفر مساحات عرض محايدة ومثالية من ناحية التحكم البيئي والإضاءة.

ولضمان التكامل الوظيفي، تم إدخال درج جديد ومصعد في جناح المصلى، مما وفر سهولة الوصول الرأسي بين جميع المستويات. لكن التدخل الأكثر جرأة كان بناء الجناح الجديد في الحديقة، الذي أصبح الوجه المعاصر للمتحف والإشارة البصرية القوية لوجوده في المشهد الحضري للمدينة.

تجربة الزائر: رحلة بين المتناقضات المقصودة

يقدم المتحف لزواره تجربة غامرة تقوم على تباين مقصود بين القديم والجديد. فالمباني التاريخية – الكنيسة، المهجع، والمصلى – تم تجديدها بلمسة معاصرة لكن بمظهر متقشف. المساحات الداخلية تُظهر جدراناً بيضاء ناصعة، تخلق خلفية محايدة للمعروضات الفنية، مع إضاءة متطورة وأنظمة تحكم مناخي متكاملة.

في الكنيسة، تمت إزالة الهيكل المعدني الضخم ليفسح المجال لفيض من الضوء الطبيعي، تُنقله الآن نوافذ شفافة وستائر بيضاء عملاقة تخفف من حدة الضوء عندما يلزم. المهجع، المبنى الأفضل حفظاً في المجمع، عومل باحترام أكبر، حيث تم الكشف عن عوارضه الخشبية الأصلية وإبراز بلاط أرضية التيرا كوتا العائد للقرن السادس عشر.

أما الجناح الجديد، فيمثل الطرف الآخر من الطيف التصميمي. من الخارج، يبرز ككتلة معمارية صريحة ذات طابع حداثي واضح. من الداخل، يغمر اللون الأحمر الزاهي الفراغ، في إشارة جريئة إلى التاريخ الفلمنكي، مع فتحات سقفية مدروسة تستدرج الضوء الطبيعي لتخلق أجواءً دراماتيكية متغيرة مع حركة الشمس.

مواد وتفاصيل: حوار بين العصور والتقنيات

يتميز الجناح الجديد بهيكل إنشائي مبتكر من النظام الكتلي الخرساني، مغطى بالكامل بالطوب الأسود كثيف القوام، الذي تم الحصول عليه من مصادر مستدامة عبر الحدود الهولندية. المادة التي يتكون 60% منها من مخلفات الهدم المعاد تدويرها – معظمها من السيراميك – لا توفر فقط مقاومة ممتازة للعوامل الجوية، بل تخلق حواراً مادياً مع طوب الدير التاريخي.

بدلاً من تشكيل الطوب ليناسب المنحنيات المعقدة للجناح، اختار المصممون قطع القطع الفردية، مما خلق سطحاً أملس ومتجانساً يشبه النحت أكثر من كونه بناءً تقليدياً. هذه المعالجة، إلى جانب استخدام الملاط الداكن، تمنح الجناح مظهراً صلداً وأحادي الكتلة، يتحول مع ضوء النهار إلى منحوتة بصرية متغيرة.

Abby Kortrijk
تتناقض التصميمات الداخلية المجددة (1 و2) مع الجناح الواقع في الحديقة

الاستدامة والوظيفة: رؤية متكاملة للمستقبل

لا يقتصر المشروع على الجانب الجمالي، بل يمثل نموذجاً للاستدامة من خلال استخدام المواد المعاد تدويرها والحلول التصميمية الموفرة للطاقة. الجناح الجديد لا يخدم كمساحة عرض فحسب، بل يعمل كمنطقة استقبال ومقهى ومساحة للمناسبات، مع إمكانية امتداد الجلوس إلى الحديقة المحيطة، مجسداً فعلياً مفهوم “غرفة المعيشة للمدينة” الذي كان محور الرؤية التصميمية.


✦ رؤية تحريرية من ArchUp

يتناول المقال التحول المعماري لمتحف آبي كورتريج، الذي يمزج بين ترميم دير تاريخي وإضافة جناح معاصر لخلق كيان ثقافي جديد. يثير التصميم تساؤلات حول أولوية الحفاظ على القيمة الأثرية مقابل فرض لغة معاصرة صارخة، حيث أن إزالة الإضافات السابقة محت طبقة تاريخية ذات قيمة توثيقية لتطور الموقع. قرار دفن معظم مساحات العرض تحت الأرض يقلل من الحضور البصري للمتحف في المشهد الحضري ويعتمد بشكل كامل على الإضاءة الاصطناعية، مما قد يضعف ارتباط الزائر بالسياق التاريخي والزمني. كما أن الطابع المحايد والشبه سريري للمساحات المعاد تأهيلها داخل المباني التاريخية يخاطر بفقدانها لروحانيتها الموروثة ويحولها إلى فراغات عرض نمطية. ومع ذلك، فإن القرار التصميمي الأكثر إقناعًا يكمن في توظيف الجناح الجديد كعنصر ربط واجهوي، حيث يعمل كحلقة وصل مادية وبصرية بين الفناء الرئيسي والحديقة، مما يعيد تعريف تدفق الحركة والعلاقات بين فراغات المجمع المتباينة.

مقدم لكم من فريق تحرير ArchUp

من هنا يبدأ الإلهام. تعمق في الهندسة المعمارية، والتصميم الداخلي، والبحث، والمدن، والتصميم، والمشاريع الرائدة على ArchUp.

Further Reading from ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليق واحد