البيت الحديث في أحضان الطبيعة: “بيت درن” يتجلى كأنموذج للعمارة الاستوائية المعاصرة في أوباتوبا
تُشكل “بيت درن” (DRN Residence) لوحة معمارية آسرة، حيث تلتقي الخطوط المعاصرة للهندسة البرازيلية مع النسيج الحي لغابة أوباتوبا المطيرة في ساو باولو. هذا المشروع، الذي أنجزه مكتب “بيتا للهندسة المعمارية” (Pitta Arquitetura)، ليس مجرد مسكنٍ يقف على أرضٍ، بل هو حوارٌ معماريٌ عميق معها. يمتد البيت على مساحة 250 متراً مربعاً موزعة على طابقين، ليقدم رؤيةً عصرية للعيش الرحب الذي يجمع بين جماليات التصميم الحديث، والراحة المستدامة، والاتصال الكامل مع المحيط الطبيعي.
(الملهم الأول: شجرة الجاك فروت)
لم تكن شجرة الجاك فروت الموجودة في الأرض مجرد عنصر طبيعي، بل كانت حجر الزاوية في التصميم كله. لقد شكلت هذه الشجرة المحفوظة النقطة المحورية التي دارت حولها كافة القرارات التصميمية. يوضح المهندس المعماري ثياغو ب. بيتا: “الشجرة الكبيرة كانت نقطة انطلاقنا الإبداعية. منها، ولدت هندسة معمارية لا تتجنب الطبيعة أو تقاومها، بل تحتفي بها وتجعلها شريكةً أساسية في التجربة السكنية”. هذا التوجه هو ما حدد اتجاهات البناء، ومواقع الفتحات، وإطار المشاهد البصرية التي تخلق شعوراً مستمراً بالوجود داخل الطبيعة، وليس مجرد الإطلال عليها.

(تخطيط الفراغات: انسيابية بين الخاص والعام)
تم توزيع البرنامج المعماري بعناية فائقة لتحقيق توازن دقيق بين حياة العائلة الاجتماعية وخصوصيتها، مع التأكيد على سيولة الحركة بين الداخل والخارج.
· الطابق الأرضي: قلب الحياة الاجتماعية
يتربع الطابق الأرضي كمنطقة للاستقبال واللقاء. هنا، تندمج المنطقة الاجتماعية (الجلوس والمعيشة) اندماجاً كاملاً مع منطقة الاسترخاء الخارجية عبر جدران زجاجية كبيرة. كما يضم هذا المستوى جناحين نوم رئيسيين يطلان مباشرة على الحديقة الخضراء، مما يضمن ربط غرف النوم بالطبيعة من لحظة الاستيقاظ.
· الطابق العلوي: عالم الخصوصية والهدوء
يصعد الزائر إلى الطابق العلوي ليجد جناحي نوم إضافيين، كل منهما يفتح على شرفة خاصة محاطة بحديقة معلقة، تخلق شعوراً بالعزلة المليئة بالحياة. يقع في هذا المستوى أيضاً مكتب العمل، الذي يمتد ليشمل ارتفاع الطابقين، مما يخلق فراغاً جوهرانياً يضفي إحساساً بالاتساع والراحة النفسية.

(استراتيجيات التصميم المستدام: حوار مع المناخ)
يتجاوز التصميم كونه شكلاً جميلاً ليكون آلة ذكية للتعامل مع مناخ أوباتوبا الاستوائي.
· التهوية المتقاطعة: حرص المصممون على توجيه الفتحات لاستقبال التيارات الهوائية الطبيعية، مما يضمن تجديد الهواء باستمرار ويقلل الاعتماد على أجهزة التكييف إلى أدنى حد.
· التحكم في الإشعاع الشمسي: تم تجهيز النوافذ بمظلات متحركة يمكن التحكم فيها. هذه المظلات تعمل كمرشح ذكي للشمس، تسمح بدخول الضوء الطبيعي الناعم الذي ينير الفراغات دون أن يحمل معه حرارة الشمس المباشرة، مما يحافظ على برودة المبنى.
· الشفافية المعمارية: إن الاستخدام الجريء للجدران الزجاجية الكاملة في غرفة المعيشة ذات الارتفاع المزدوج ليس مجرد قرار جمالي، بل هو أداة لتحقيق الاستمرارية المكانية، مما يمحو الحدود المادية بين داخل البيت وخارجه.

(مواد الطبيعة: لغة الصدق والمتانة)
لتعزيز فكرة الانتماء إلى المكان وتعزيز متانة البناء، تم اختيار المواد بعناية لتكون طبيعية ومعبرة.
· الحجر الطبيعي (Moledo): تم استخدام حجر “الموليدو” في تغطية الواجهات وأجزاء من الديكور الداخلي، ليضفي صلابة أرضية واتصالاً بصرياً بالمكان.
· أعمال النجارة والأطر: أنيطت مهمة صناعة الأطر المعدنية وأعمال النجارة الدقيقة لشركة “GM Marcenaria”، مما يضمن جودةً عالية في التفاصيل التي تلامس الحياة اليومية.
· لمسات الإضاءة: تم اختيار مصابيح الإضاءة المصنوعة من السيراميك والروطان لإضفاء دفءٍ ونوع من الحرفية التقليدية، معززةً الجو الدافئ والترحيبي داخل الفراغات.

(المناظر الطبيعية: تصميم يوظف الطبيعة كحليف)
لم يكن دور المناظر الطبيعية، الذي صممته “Plantare”، مقصوراً على التجميل، بل كان عنصراً وظيفياً أساسياً في نظام البناء.
· المرشحات البصرية والسمعية: تعمل النباتات والاشجار الكثيفة كطبقة عازلة طبيعية، تحجب الضوضاء وتوفر الخصوصية من الخارج دون اللجوء إلى الجدران الصماء.
· خلق مناخات مصغرة: تساعد النباتات الاستوائية المختارة، مثل الهليكونيا والموز، على تنظيم المناخ المحيط بالبيت، حيث تزيد الرطوبة قليلاً وتلطف الجو، مكونة بيئة مريحة حول المسكن.
· المنطقة الترفيهية الخارجية: صُمم سطح السفينة الخشبي ليكون امتداداً طبيعياً للمعيشة، حيث يجمع بين حوض السباحة، وجاكوزي الاسترخاء، ومجموعة من الأثاث الخشبي الصلب، كل ذلك في إطار من النباتات الاستوائية التي تعزز العطلة الدائمة.

(الخاتمة: بيان للعمارة الاستوائية المعاصرة)
بعد ثمانية أشهر من التطوير الدقيق للمشروع، وسنة ونصف من التنفيذ في الموقع، تظهر “بيت درن” كبيان مكتمل للعمارة الاستوائية المعاصرة. كما تختصر لويزا كويريدو رؤية المشروع: “أكثر من كونه بيتاً، هذا المشروع ينقل فكرة الرفاهية الاستوائية، حيث الهندسة المعمارية تتكيف بذكاء مع المناخ والطبيعة الجبلية في أوباتوبا”. إنه نموذج يُظهر كيف يمكن للجماليات والراحة والمسؤولية البيئية أن تلتقي في عملٍ معماريٍ واحدٍ متماسك.
✦ رؤية تحريرية من ArchUp
يتناول التحليل مشروعاً سكنياً يطمح لتحقيق الاندماج الكلي مع بيئته الطبيعية من خلال فراغات مفتوحة وشفافية بصرية عالية. يلاحظ أن الاعتماد المكثف على الواجهات الزجاجية الشفافة في مناخ استوائي رطب مثل أوباتوبا، رغم نجاحه في تحقيق الاتصال البصري، يزيد من الحمل الحراري داخل الفراغات بسبب الاختراق الشمسي، مما يضع عبئاً إضافياً على أنظمة التبريد لتعويض نقص العزل الحراري في هذه المساحات الواسعة. كما أن توزيع الكتلة المعمارية ومواقع الأساسات حول الشجرة المركزية يثير تساؤلاً حول مدى تأثير التدخل الإنشائي على النظام الجذري للتربة والتنوع البيولوجي الدقيق الذي كان موجوداً مسبقاً في الموقع، وهو ما يتجاوز الحفاظ على الشجرة كعنصر رمزي وحيد. ومع ذلك، تبقى قدرة الحل التصميمي على صياغة علاقات بصرية وحسية ديناميكية ومستمرة بين مستخدمي البيت والمشهد الطبيعي المحيط به، نقطة قوة جوهرية في إثراء التجربة السكنية اليومية.
مقدم لكم من فريق تحرير ArchUp
من هنا يبدأ الإلهام. تعمق في الهندسة المعمارية، والتصميم الداخلي، والبحث، والمدن، والتصميم، والمشاريع الرائدة على ArchUp.