خريطة التوسع العمراني للمتاحف في أمريكا: بين الدوافع الثقافية والتحولات الاقتصادية
خارطة انتشار المتاحف الجديدة في أمريكا
قد يبدو للوهلة الأولى أن المشهد الثقافي في الولايات المتحدة ساكن، لكن نظرة سريعة تكشف عكس ذلك تمامًا. إذ لو أغمضت عينيك ووضعت إصبعك عشوائيًا على خريطة أمريكا، ستجد غالبًا متحفًا فنيًا جديدًا، أو آخر خضع لتجديد شامل، أو مشروعًا ثقافيًا قيد الإنشاء، على بُعد مسافة قصيرة فقط من موقع إصبعك.
توسع عمراني في قلب البراري
فعلى سبيل المثال، في سهول البراري الكبرى، يظهر متحف جوسلين للفنون في أوماها بولاية نبراسكا كواجهة معمارية جديدة بفضل جناحه الواسع الذي صممته شركة Snøhetta، وهو ما يعكس توجهًا معاصرًا لربط الفن بالهندسة الحديثة.
توسعات جنوبية طموحة
وإذا انتقلنا جنوبًا، نجد مشاريع أخرى لافتة؛ مثل متحف نيلسون أتكينز للفنون في مدينة كانساس بولاية ميزوري، الذي لا يزال في طور البناء بتصميم مكتب Weiss Manfredi. كما يبرز مشروع توسعة متحف ممفيس بروكس للفنون في ولاية تينيسي، بتوقيع Herzog & de Meuron، مما يعكس اهتمامًا متزايدًا بالفن في مناطق لا تُعد تقليديًا مراكز كبرى للفنون.
تحديثات معمارية في نيويورك
أما في نيويورك، فلا يخفى حجم التحولات التي تشهدها المتاحف هناك. إذ أعيد إحياء مجموعة فريك بالكامل داخل قصر تاريخي يعود إلى حقبة الفنون الجميلة، بجهود مكتب Selldorf Architects. كما يُنتظر افتتاح توسعات جديدة لثلاثة متاحف بارزة هي: نيو ميوزيوم، ستوديو متحف، والمتروبوليتان للفنون، تحت إشراف مكاتب معمارية عالمية مثل OMA، وAdjaye Associates، وFrida Escobedo Studio.
توسع ملحوظ على السواحل الغربية
وفي سياق متصل، لا تقتصر حركة التوسع على قلب البلاد فقط، بل تمتد أيضًا إلى السواحل الغربية. إذ يستعد متحف مقاطعة لوس أنجلوس للفنون (LACMA) لافتتاح جناحه الجديد، الذي صممه المعماري الشهير بيتر زومثور، خلال الصيف الجاري كخطوة افتتاحية أولية.
توسعات متواصلة للمؤسسات الحديثة
وعلى مقربة، يخطط متحف ذا برود — الذي لم يتجاوز عمره العقد الواحد — لمضاعفة حضوره من خلال توسعة جديدة بمساحة 50 ألف قدم مربع، من تصميم مكتب Diller Scofidio + Renfro. وهو ما يعكس رغبة المؤسسات الثقافية الحديثة في الحفاظ على جاذبيتها مع مرور الوقت.
مشاريع ثقافية أوسع من المتاحف
ومن اللافت أن حراك التطوير لا يقتصر على المتاحف وحدها. فهناك أيضًا مشاريع ثقافية نوعية، مثل إعادة تأهيل حديقة ستورم كينغ للنحت في وادي هدسون بولاية نيويورك، فضلًا عن تشييد مسرح دوريس ديوك ضمن مركز جاكوبس بيلو للفنون الأدائية، بتوقيع مكتب Mecanoo، والذي من المنتظر افتتاحه خلال هذا الصيف.
موجة توسع غير مسبوقة
ولإيضاح حجم هذه الموجة، تكشف بيانات شركة AEA Consulting — المتخصصة في تقديم الخدمات الاستراتيجية للقطاع الثقافي — أنه قد تم الإعلان عن نحو 90 مشروعًا ثقافيًا جديدًا في أمريكا الشمالية وحدها خلال العام الماضي. ويعلّق أدريان إيليس، مؤسس الشركة، قائلاً: «إن قطاع المتاحف يشهد موجة مستمرة من التوسع العمراني منذ فترة طويلة.»

ما الذي يقف وراء موجة التوسع الجديدة؟
قد يبدو من الغريب أن تشهد الولايات المتحدة هذا النمو في بناء المتاحف رغم ما تعانيه من صراعات ثقافية وتقليصات متكررة في الميزانيات العامة. لكن عند التعمق أكثر، يظهر أن هناك عدة أسباب تقف خلف هذا الازدهار المستمر.
الجائحة كمحفز مؤقت
إحدى العوامل المباشرة هي جائحة كوفيد-19، التي أوقفت معظم مشاريع البناء حول العالم لفترة، لكنها في المقابل دفعت كثيرًا من المؤسسات لإعادة جدولة خططها واستئناف المشاريع المتوقفة. يوضح آرون دورف، المدير في مكتب Snøhetta للهندسة المعمارية، أن أعمال المتاحف بطبيعتها دورية، إلا أن الجائحة لعبت دورًا في إطلاق موجة جديدة من النشاط المؤجل.
يقول دورف: «العديد من المؤسسات كانت في مرحلة التخطيط المبدئي، ثم توقف كل شيء فجأة، فتغيرت جداول التنفيذ لعدد كبير من المشاريع.»
دورة حياة المباني تدفع إلى التطوير
لكن الأمر لا يتوقف عند تأثير الأزمات المؤقتة فقط، فهناك سبب جوهري آخر يتعلق بدورة حياة المباني نفسها. يوضح بريان باترفيلد، المدير في Why Architecture، أن المتاحف تحتاج إلى التحديث المستمر للحفاظ على صلتها بالجمهور.
«المتاحف تريد أن تظل ذات صلة. ولتحقيق ذلك، عليها أن تتطور. وغالبًا ما يعني ذلك مشاريع رأسمالية ضخمة.» — بريان باترفيلد
ويشير إلى أن أبرز نقاط الضعف تكمن في الأنظمة الميكانيكية التي تتحكم في البيئة الداخلية لحماية الأعمال الفنية، مثل أنظمة التبريد والتحكم بالرطوبة. وبحسب باترفيلد: «كل 20 إلى 30 عامًا يجب استبدال هذه الأنظمة بالكامل»، ما يحوّل عمليات التوسعة والتجديد إلى فرصة لتحديث هذه البنية التحتية وتأمين التمويل اللازم لها.
صيانة البنية التحتية.. فرصة للتوسع
يضيف باترفيلد أن جمع التبرعات لمجرد استبدال نظام تكييف هواء قد يبدو أمرًا غير جذاب للعامة، لكن تحويله إلى مشروع توسعة أو تجديد شامل يمنح المؤسسات فرصة لجمع الأموال بسهولة أكبر. ويضرب مثالًا بمشروع إعادة تأهيل جناح مايكل سي روكفلر في متحف المتروبوليتان، الذي أتاح تحديثًا كاملًا للأنظمة الميكانيكية وعرض مجموعات جديدة من إفريقيا وأوقيانوسيا والأمريكتين، مع إضافة عناصر رقمية حديثة.
موجة توسع بدأت من بلباو
من ناحية أخرى، يرى أدريان إيليس أن جذور هذا التوسع الحالي تعود إلى أواخر التسعينات، حين افتُتح متحف غوغنهايم في بلباو من تصميم فرانك جيري. حينها بدأت مدن كثيرة تعيد التفكير في البنية الثقافية كوسيلة لجذب السكان والزوار. يقول إيليس: «كانت بلباو نموذجًا مثاليًا لما يمكن أن تفعله البنية التحتية الثقافية للمدن.»
تحولات فرضتها العولمة
علاوة على ذلك، أسهمت العوامل الكبرى مثل العولمة، والحاجة إلى تعزيز الأمن بعد أحداث 11 سبتمبر، وانتشار الهواتف الذكية، في إعادة تشكيل طريقة بناء المتاحف وآليات تفاعلها مع الجمهور. ويصف باترفيلد التحدي الأساسي بقوله: «كيف تحافظ على جمهورك الحالي وتجذب في الوقت نفسه جمهورًا جديدًا أصغر سنًا وأكثر تنوعًا؟ الإجابة تكمن غالبًا في مشاريع توسعية كبيرة.»
أمثلة حية على مشاريع عملاقة
يُعد مشروع توسعة متحف LACMA مثالًا واضحًا، إذ يجري التخطيط له منذ نحو عقدين، وسيضيف مساحة ضخمة تصل إلى 110 آلاف قدم مربع، تشمل صالات عرض جديدة، ومدخلًا موسعًا، وساحات مفتوحة، ومسرحًا، ومتاجر ومرافق تعليمية وترفيهية.
دور المانحين في رسم المشهد
ولا يقف وراء هذه المشاريع كبار المعماريين فقط، بل إن كبار المانحين وهواة جمع الأعمال الفنية يلعبون دورًا كبيرًا أيضًا. يوضح باترفيلد: «هناك جيل يمتلك مجموعات فنية نادرة، وتُدعم مشاريع التوسع الكبرى غالبًا بهدايا موعودة من هذه المجموعات.»
فعلى سبيل المثال، ساهمت مجموعة الراحل فيليب جي شراغر — التي تضم أعمالًا لفنانين مثل جون تشامبرلين وروي ليختنشتاين — في بناء الجناح الجديد لمتحف جوسلين. ولا يغيب عن المشهد كذلك طموح مديري المتاحف أنفسهم، الذين يفكرون في ترك بصمة ملموسة. يقول إيليس: «غالبًا ما يكون المشروع الإنشائي هو الطريق الأسرع لجعل الأثر واضحًا ومؤثرًا.»
عصر ذهبي جديد.. على خطى الماضي
الأموال الضخمة لهذه المشاريع متوفرة بالفعل؛ إذ تشير بيانات إيليس إلى أن تسعة من أصل أكبر عشرة مشاريع ثقافية جديدة في العالم تتركز في الولايات المتحدة، بميزانيات قد تصل إلى نصف مليار دولار. يعلق إيليس: «نحن نعيش حقبة شبيهة بعصر الذهب المذهب (Gilded Age)، حين تأسست المتاحف الكبرى مثل المتروبوليتان قبل أكثر من قرن.»

تباطؤ محتمل بعد سنوات من الازدهار
رغم الزخم الذي يشهده قطاع المتاحف منذ عقود، يبدو أن هذا العصر الذهبي للبناء الثقافي، على الأقل في العالم الغربي، بدأ يدخل مرحلة التباطؤ التدريجي. إذ يشير أدريان إيليس إلى أن هذا الاتجاه «قد بلغ ذروته أو هو في طريقه للانتهاء في أوروبا وأمريكا»، بينما يتفق معه آرون دورف مؤكدًا: «نحن على المنحدر النزولي من قمة الموجة.»
مؤشرات التباطؤ بالأرقام
وتدعم الأرقام هذه التوقعات؛ إذ يكشف مؤشر الفواتير المعمارية الصادر عن المعهد الأمريكي للمعماريين (AIA) لشهر أبريل أن فواتير المشاريع شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال 28 شهرًا من أصل 31 شهرًا مضت. ويربط الخبراء هذا التراجع بحالة عدم اليقين الاقتصادي. يقول إيليس في هذا السياق: «قد لا نشهد انخفاضًا حادًا، لكن من المحتمل أننا نعيش ذروة بناء المتاحف كنتيجة لذروة التخطيط لها.»
هل الحجم يعني الأفضلية؟
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يعني كبر حجم المتحف أنه أفضل؟ يجيب إيليس موضحًا أن المتاحف التي يصفها الناس عادة بأنها المفضلة لديهم ليست بالضرورة الأكبر، بل غالبًا ما تكون متاحف صغيرة نسبيًا وذات طابع شخصي، مثل متحف السير جون سوان في لندن. ويوضح: «هذه المتاحف تقدم تجارب إنسانية حميمة يمكن للجمهور التواصل معها بسهولة.»
ويختتم إيليس بتحذير لافت: «قليلون جدًا من يعتبرون المتاحف الضخمة هي المفضلة لديهم. وأعتقد أن في ذلك درسًا مهمًا ينبغي أن نتعلمه» — درسٌ لا يمكن حتى لأضخم الميزانيات أن تشتريه.
✦ تحليل ArchUp التحريري
لا يقتصر الأمر على طموحات المعماريين أو المدن وحدها، بل يلعب المانحون وأصحاب المجموعات الفنية دورًا رئيسيًا في رسم هذا المشهد. فكثير من التوسعات العملاقة اليوم مدفوعة بهدايا موعودة أو رغبة بعض المديرين في ترك بصمة ملموسة تبقى بعدهم.
ورغم كل هذه الديناميكية، بدأت المؤشرات ترصد تباطؤًا وشيكًا. فبحسب بيانات مؤشر الفواتير المعمارية، شهدت المشاريع تباطؤًا خلال معظم الأشهر الأخيرة، في إشارة إلى أن موجة التوسع قد بلغت ذروتها، وربما تستعد للتراجع التدريجي.
ختامًا، يذكّرنا المحللون بأن المتاحف المفضلة لدى الناس ليست دومًا الأكبر حجمًا. فتجارب المتاحف الصغيرة مثل متحف السير جون سوان تُثبت أن الارتباط الإنساني والمعنى يتفوقان على المساحة الضخمة والميزانيات الهائلة.
تفتح هذه الموجة العمرانية للمتاحف نقاشًا عميقًا حول دور البنية الثقافية في إعادة رسم المدن، لكنها تطرح أيضًا تساؤلًا مهمًا: كيف تظل المؤسسات ذات صلة دون أن تتحول إلى مبانٍ ضخمة بلا روح؟
اكتشف أحدث المعارض والمؤتمرات المعمارية
نقدم في ArchUp تغطية يومية لأبرز الفعاليات المعمارية والفعاليات الدولية والمنتديات الفنية والتصميمية حول العالم.
تابع أهم المسابقات المعمارية، وراجع المنصات الرسمية، وابقَ على اطلاع عبر الأخبار المعمارية الأكثر مصداقية وتحديثًا.
يُعد ArchUp منصة موسوعية تجمع بين الفعاليات وفرص التفاعل المعماري العالمي في مكان واحد.