براز زجاج مورانو في عرض Bottega Veneta: حيث تلتقي الحرفة التقليدية بالتصميم المعاصر
في عالم عروض الأزياء، حيث تكون الأنظار مسلطة على القماش والتفاصيل النسجية، جاء عرض Bottega Veneta لمجموعة صيف 2026 في ميلانو ليعيد تعريف مفهوم السينوغرافيا، من خلال تحويل المقاعد من مجرد دعامة وظيفية إلى تحف فنية مركزية تروي قصة المجموعة بلغة بصرية صامتة لكنها شديدة التأثير.
سلسلة براز زجاج مورانو: قلب السينوغرافيا النابض
شكلت سلسلة البراز المصنوع من زجاج مورانو الشفاف المنفوخ يدوياً المحور البصري الرئيسي للعرض. لم تكن هذه القطع مجرد مقاعد للجلوس، بل كانت منحوتات ضوئية تحاكي تحديق العين في البحر. صممها استوديو التصميم 6:AM خصيصاً للعرض، لتخلق حواراً بصرياً مع ألوان المجموعة ونسيجها، في ترجمة غير مباشرة لفكرة “الإنتريتشياتو” الشهيرة للعلامة من خلال تشابك الضوء واللون والشفافية.
لوحة ألوان مستوحاة من الطبيعة: عشرة ظلال من الساحل الإيطالي
اعتمد التصميم على لوحة ألوان مخصصة مكونة من عشرة ألوان طبيعية، تدرجت بين ظلال الأخضر المائي، والعنبر الدافئ، والرمادي الصخري. لم يطغَ لون على آخر، بل انسجمت جميعاً في تناغم لوني يذكرنا بانسجام ألوان الطبيعة في مشهد ساحلي. هذا التدرج اللوني لم يكن عشوائياً، بل عمل على توجيه نظر الحضور عبر مسار العرض، حيث كان كل مقعد يشكل محطة بصرية مستقلة ومكملة في الوقت ذاته.

حوار المادة والضوء: محاكاة هدوء البحر واضطرابه
تجلى إتقان التصميم في كيفية تفاعل القطع مع الضوء. الأسطح الخارجية الناعمة ذات العلامات الطبيعية الناتجة عن عملية النفخ، تعمل على تشتيت الضوء بلطف، مما يخلق وهجاً يشبه سطح الماء تحت أشعة الشمس المباشرة. عند النظر من الأعلى، يُظهر السطح العلوي المسطح بشكل طفيف انعكاسات هادئة، بينما يكشف التجويف الداخلي الشفاف والمجوف عن عمق سحري، يحبس الضوء ويطلقه بشكل متدرج، محاكياً أعماق المحيط حيث يتحول الضوء إلى ظلام. هذا التلاعب البصري حول القطع الثابتة إلى كائنات ديناميكية تتغير مع تغير زاوية الرؤية وشدّة الإضاءة.

الجوهر الوظيفي: بين الفن والاستخدام العملي
على الرغم من طبيعتها الفنية، حافظت المقاعد على جوهرها الوظيفي. الشكل المكعب ذو الأبعاد المتساوية والمقعد العلوي المسطح يؤكدان على إمكانية استخدامها كبراز أو مقعد أو حتى طاولة جانبية منخفضة. هذا المزج بين الجمالية الواضحة والوظيفة الكامنة هو جوهر فلسفة Bottega Veneta في التصميم، حيث لا ينفصل الجمال عن المنفعة.

حرفة مورانو: قرون من التاريخ في قالب معاصر
لا يمكن فصل جمال هذه القطع عن تاريخها الحرفي العريق. صُنعت المقاعد في جزيرة مورانو قرب البندقية، باستخدام تقنيات الزجاج المنفوخ التي تم تطويرها وتوراثها على مدى قرون. في هذا المشروع، عمل استوديو 6:AM عن كثب مع حرفيي الزجاج المحليين، الذين استخدموا الأفران التقليدية وتحكموا بدقة فائقة في درجة الحرارة وحركة الصهر لتحقيق الشكل المكعب المطلوب والخصائص البصرية الفريدة لكل قطعة. كل مقعد هو شاهد على حرفة لا تزال حية تتنفس، ترفض الاندثار في مواجهة الإنتاج الآلي.

التجربة الحسية الشاملة: عندما يصبح الصوت نسيجاً
لم تكن التجربة البصرية هي العنصر الحسي الوحيد في العرض. لتعميق تجربة الحضور، قدّمت Bottega Veneta قطعة صوتية فريدة من إنتاج الفنان والمخرج البريطاني الحائز على جائزة الأوسكار، ستيف ماكوين. قام ماكوين بإنشاء عمل سمعي بعنوان “66 – ’76″، أعاد فيه تشكيل وتسجيل أغنية “Wild Is the Wind” لكل من الأسطورتين نينا سيمون وديفيد بوي. تم تحرير الإصدارين ليتداخلا ويعملا كدوّام صوتي، ووصف الفنان عمله بأنه “ترابط سمعي” (intrecciato auditivo)، في إشارة ذكية ومباشرة إلى نمط الجلد المنسوج الذي يشكل حجر الأساس في هوية العلامة التجارية. بهذه الطريقة، لم يكن العرض مجرد عرض أزياء، بل كان تركيباً فنياً شاملاً يحفز جميع الحواس.

من خلال هذا الدمج المتقن بين حرفة مورانو التاريخية، والتصميم المعاصر، والتجربة الحسية الغامرة، نجح عرض Bottega Veneta في تقديم بيئة سينوغرافية متكاملة. لم تكن المقاعد الزجاجية مجرد ديكور، بل كانت مصفوفة بصرية تربط الماضي بالحاضر، والحرفة بالتصميم، والفن بالوظيفة، مؤكدةً أن الإبداع الحقيقي يكمن في التفاصيل التي تحيط بالملابس بقدر ما يكمن في الملابس نفسها.
✦ رؤية تحريرية من ArchUp
يتناول المقال تحويل عنصر وظيفي أساسي في عروض الأزياء – المقاعد – إلى قطع فنية مركزية تشكل سينوغرافيا العرض بأكمله. من خلال القراءة المعمارية للقطع، يلاحظ أن الاعتماد على الشكل المكعب الصارم ذي الأبعاد المتساوية يتعارض مع السردية العضوية المستمدة من البحر والموجات، مما يخلق تناقضاً بين مرونة المرجع البصري وجمود التجسيد المادي. يعتمد التصميم بشكل كلي على الشفافية والانعكاسات الضوئية لخلق القيمة الجمالية، لكن هذه الخاصية تجعل القطعة شديدة الحساسية للسياق المحيط، حيث قد تفقد تأثيرها في ظروف إضاءة غير محكمة أو خلفيات غير موحدة. كما أن الطبيعة اليدوية البحتة للإنتاج، رغم قيمتها الحرفية، تطرح تحديات تتعلق بإمكانية الإنتاج على نطاق واسع أو تحقيق درجة من الاتساق إذا ما أردنا تطبيق الفكرة في سياق معماري أوسع. ومع ذلك، تظهر القطعة كفاءة ملحوظة في توظيف الخصائص البصرية الفريدة للمادة لخلق حوار ديناميكي مع الفراغ المحيط، حيث تعمل على تفعيل الحيز من خلال كسر حدة الضوء وإعادة توزيعه وإضفاء عمق بصري متغير يضفي حيوية على الفضاء الثابت.
مقدم لكم من فريق تحرير ArchUp
من هنا يبدأ الإلهام. تعمق في الهندسة المعمارية، والتصميم الداخلي، والبحث، والمدن، والتصميم، والمشاريع الرائدة على ArchUp.