بيت العناصر يعيد صياغة تجربة الحدائق الحيوانية من خلال دمج العناصر الطبيعية
استكشاف عناصر الطبيعة من منظور معماري
استوديو التصميم في بانكوك قدّم نموذجًا معماريًا يبتعد عن المفاهيم التقليدية للحظائر أو البيئات الحيوانية. الفكرة الأساسية لم تكن مجرد إنشاء مبنى، بل تحويل تجربة زيارة الحيوانات إلى رحلة تفاعلية تحاكي تطور الحياة على الأرض.
رحلة بين العناصر الخمسة
المبنى، المعروف باسم “بيت العناصر”، صُمم ليحوّل العناصر الكلاسيكية، الأرض، الجليد، الماء، النار، والهواء، إلى تجربة تعليمية وسردية متكاملة. تغطي المساحة الإجمالية نحو 6000 متر مربع، بحيث يشعر الزائر وكأنه ينتقل ضمن قصة طبيعية متكاملة، بدلاً من التنقل بين معارض منفصلة.
تصميم يحاكي تطور الحياة
المسار المعماري للمبنى يقوم على حركة مستمرة بين الهبوط والصعود، ما يعكس مراحل تطور الحياة على الأرض بطريقة بصرية وتجريبية. هذه الطريقة تمنح الزائر فهمًا أعمق للعلاقات بين العناصر الطبيعية، وتحوّل زيارة الحديقة إلى تجربة تعليمية متكاملة تتجاوز الشكل التقليدي للمعارض الحيوانية.
رحلة غامرة عبر العناصر
عند دخول الجناح، يبدأ الزائر رحلة تعليمية تحت الأرض، تتجه نحو قلب الأرض، ثم تصعد تدريجيًا عبر مناطق تمثل الجليد والماء والنار، وصولًا إلى الهواء. كل قسم مصمم ليعرض بطريقة تفاعلية كيف ساهمت هذه العناصر في تشكيل الحياة على كوكبنا، مع الحيوانات التي تُقدّم كرموز حية لهذه العملية الطبيعية المستمرة.
التصميم المعياري كأداة تعليمية
الميزة البارزة في هذا التصميم تكمن في استخدام هيكل معماري أساسي واحد يتفرع ويتكيف مع احتياجات كل منطقة. يمكن تشبيه هذا الأسلوب بموضوع موسيقي واحد يتحول ويتغير خلال سمفونية، حيث يظهر المبنى كوحدة متماسكة رغم تنوع المساحات والوظائف.
تكامل المبنى مع الطبيعة
الواجهة الخارجية تعكس هذا النهج المعياري؛ فهي تتكون من عناصر خشبية ترتفع بشكل يشبه الأواني الكبيرة، وتغطى بأسطح خضراء متصلة بالمناظر الطبيعية. يتيح هذا التصميم الاستجابة لاحتياجات مختلفة مثل الحظائر، التظليل، الحركة، وتكامل المناظر الطبيعية، مع الحفاظ على إحساس الانسجام العام للمبنى كوحدة تعليمية وتجريبية واحدة.
تنوع المساكن الحيوانية
تُبرز المساكن الحيوانية تنوعًا بيئيًا مذهلًا، حيث تعكس كل منطقة طبيعة العنصر الذي تمثله. على سبيل المثال، تعيش السلاحف العملاقة في تضاريس بركانية مع ممرات مرتفعة تتناسب مع حجمها واحتياجاتها الحركية. أما الكابيبارا فتتواجد بالقرب من جدران مغطاة بالطحالب الحية وتماثيل نباتية، بينما توفر الساحات المخصصة للأسود البحرية تجربة مختلفة تمامًا. كذلك، ترتبط الحديقة المركزية بممر حلزوني يربط بين مختلف البيئات، مع الحفاظ على طابع كل عنصر دون الانزلاق إلى أساليب عرض شبيهة بمنتزهات الألعاب.
ربط المبنى بالمحيط العام
لم يقتصر تفكير المصممين على المبنى نفسه، بل شمل سياقه الأكبر. يخلق المشروع مساحة عامة تربط بين المدخل الرئيسي للحديقة والمجمع الحالي لـ Orientarium، إضافة إلى الجناح الجديد.
تصميم متعدد الطبقات
يشمل التصميم أسطحًا مزروعة ومنحدرات تخدم عناصر متعددة مثل المقاهي وأقفاص الطيور، مما يضيف مستويات مختلفة من التجربة داخل المبنى وخارجه. هذه الطبقات المتعددة لا تعزز فقط الجانب الجمالي، بل تسهم أيضًا في خلق تجربة تعليمية وتفاعلية غنية للزوار، تربط بين الطبيعة والهندسة المعمارية بطريقة سلسة ومتماسكة.
البشر كعنصر تفاعلي
يمثل التصميم جانبًا مبتكرًا في دمج الزوار ضمن التجربة التعليمية. فالبشر هنا لا يُنظر إليهم كمراقبين سلبيين يسيرون في ممرات مغلقة، بل يُدرَجون كجزء من السرد التطوري للمبنى. هذا النهج يقلل من الإحساس بالحواجز بين الإنسان والطبيعة، ويعزز فهمًا أعمق لموقعنا ضمن النظام البيئي والعلاقات بين العناصر المختلفة.
معايير المسابقة الدولية
المسابقة التي أُعلنت جذبت اهتمامًا عالميًا، حيث طُلب من المعماريين تقديم مقترحاتهم قبل الموعد النهائي في ديسمبر. تضمنت هذه المقترحات تصورًا لكيفية اندماج المبنى مع المنظر الطبيعي للحديقة، إضافة إلى ثلاث مخططات طوابق توضح المستويات المختلفة للمسار الداخلي.
فوز تصميم عالمي اللغة
فوز استوديو التصميم التايلاندي بالمركز الأول في بولندا يعكس القدرة على تطبيق لغة تصميمية عالمية. فالعناصر الطبيعية التي يركز عليها المشروع، مثل الأرض والماء والنار والجليد والهواء، تُعد مفاهيم مشتركة يمكن لأي زائر فهمها بغض النظر عن خلفيته الثقافية، ما يجعل التجربة متاحة ومتسقة عالميًا.
الواجهة كعنصر سردي
عند النظر إلى التصميم البصري، تبرز الواجهة كعنصر محوري يلفت الانتباه. توفر الملفات الخشبية إيقاعًا وملمسًا واضحين، في حين تغطي الأسطح الخضراء الفواصل بين المبنى والمناظر الطبيعية المحيطة. هذا النهج الحيوي (Biophilic) لا يُستخدم كزينة فحسب، بل كاستراتيجية معمارية أساسية، تجعل المبنى يبدو وكأنه جزء طبيعي من الأرض وليس فرضًا عليها.
العمارة كوسيلة لسرد القصص
يمثل المشروع تحولًا في فلسفة تصميم حدائق الحيوان. فالحدائق المعاصرة لم تعد تقتصر على عرض الحيوانات فقط، بل أصبحت منصات لسرد قصص الحفظ، التطور، والتواصل بين الكائنات. وفي هذا السياق، تصبح العمارة الإطار الذي يحوّل هذه المفاهيم إلى تجربة ملموسة للزوار.
فهم شامل للعناصر والبيئة
تصميم VMA يوضح فهمًا عميقًا لكيفية دمج العناصر الطبيعية والبيئة المبنية، بحيث تُقدّم تجربة تعليمية وتفاعلية متكاملة. من خلال الجمع بين المسار المعماري، المساكن الحيوانية، والواجهة الحيوية، يتمكن الزائر من استيعاب العلاقات بين العناصر والطبيعة بطريقة متسقة وسلسة.
استكمال تجربة الحديقة
يمثل “بيت العناصر” امتدادًا لمجمع Orientarium المخصص لحياة برية جنوب شرق آسيا، ويُعد التطوير الرئيسي الثاني في حديقة الحيوان في وودج، بولندا. معًا، تعكس هذه المشاريع تحولًا في مفهوم الحدائق الحيوانية؛ فهي لم تعد مجرد مساحة لعرض الحيوانات، بل أصبحت بيئة تعليمية وتجريبية متكاملة تجمع بين العمارة والطبيعة والأفكار العلمية.
تجربة تفاعلية عميقة
عند افتتاح الجناح، سيمر الزوار بتجربة شاملة تبدأ من الأرض، مرورًا بالجليد والنار، وصولًا إلى الهواء، مع إدراك العلاقات بين العناصر الأساسية للحياة. هذه الرحلة لا تقتصر على مشاهدة مساكن الحيوانات، بل تساعد الزائر على فهم القوى الطبيعية التي تجعل الحياة على كوكبنا ممكنة، مما يخلق أثرًا طويل الأمد في تجربة الزيارة.
تعزيز الطموح التصميمي
يظهر هذا المشروع نوعًا من الطموح التصميمي الذي يركز على دمج التعليم، التفاعل، والجمال الطبيعي في تجربة واحدة. مثل هذه المقاربات تعكس أهمية الابتكار في تصميم الحدائق الحيوانية الحديثة، حيث يمكن للعمارة أن تصبح أداة لفهم الطبيعة بشكل أعمق وأكثر إشراكًا للزوار.
✦ تحليل ArchUp التحريري
على الرغم من أن “بيت العناصر” يقدم مقاربة جديدة لدمج العمارة مع العناصر الطبيعية وتجربة الزوار، إلا أن بعض الجوانب تطرح أسئلة مهمة حول التطبيق العملي والفلسفة التصميمية. من ناحية إيجابية، يتيح المشروع فهمًا معماريًا وتجريبيًا للعلاقة بين العناصر الطبيعية ومسار الزوار، كما يعكس اهتمامًا واضحًا بالاندماج بين المبنى والطبيعة المحيطة.
مع ذلك، تبرز عدة تحفظات محتملة. أولًا، اعتماد التصميم على مسار موحد متدرج قد يقلل من قدرة المبنى على الاستجابة المرنة لاحتياجات مستقبلية أو تغييرات في أنواع المساكن الحيوانية أو البرمجيات التعليمية الجديدة. ثانيًا، التعقيد الهيكلي والمعماري قد يجعل صيانة المبنى واستدامته طويلة المدى أكثر تحديًا، خصوصًا عند التعامل مع الأسطح المزروعة والواجهات الحيوية. كما أن التركيز المكثف على سرد رحلة العناصر الطبيعية قد يقلل من القدرة على تكييف المساحات لتجارب تعليمية مختلفة أو مجموعات زوار متعددة في الوقت ذاته.
من منظور معماري، يوفر المشروع فرصة ثمينة لدراسة كيف يمكن للهندسة المعمارية أن تصبح وسيطًا لتفسير المفاهيم الطبيعية والبيئية. ومع ذلك، يبقى تحدي التوازن بين الطموح التجريبي واحتياجات الاستدامة والمرونة العملية عنصرًا أساسيًا لأي تحليل معماري مستقبلي، ما يجعله حالة دراسة مهمة للمصممين والباحثين في مجال الحدائق الحيوانية المعاصرة.