بينالي كوبنهاغن 2025: العمارة المستدامة وفلسفة التباطؤ
بينالي كوبنهاغن للهندسة المعمارية 2025
حدث معماري عالمي في نسخته الافتتاحية
ينطلق بينالي كوبنهاغن للهندسة المعمارية في سبتمبر 2025 ويستمر حتى 18 أكتوبر، تحت شعار لافت هو: “التباطؤ“. يشكّل هذا الشعار مدخلًا لفهم طبيعة التحديات التي يطرحها البينالي، حيث يأتي في لحظة تاريخية يطغى عليها ما يُعرف بـ”التسارع الكبير”.
من يقف وراء البينالي؟
يقوده منتدى كوبنهاغن للعمارة (CAFx)، ويدعمه عدد من المؤسسات الأوروبية البارزة مثل منصة LINA European Architecture Platform وجائزة Obel Award. أما الإدارة الفنية فتتولاها جوزفين ميشو، التي سبق أن أشرفت على جناح الدنمارك في بينالي البندقية 2023.
موضوع التباطؤ ومعناه
يستعرض البينالي مجموعة واسعة من المشاريع التي تطرح استجابات مكانية لفترة التسارع الكبير، تلك المرحلة التي اتسمت بنمو اقتصادي غير مسبوق رافقه استهلاك هائل للطاقة.
ومن خلال هذه المشاريع، يتم البحث في إمكانية إعادة التفكير في مفهوم النمو داخل صناعة البناء، بوصفه محاولة للرد على التحديات البيئية والانهيار الوشيك للنظام البيئي العالمي.
بينالي كوبنهاغن 2025 وشعار “التباطؤ”
المعرض المركزي
يرتكز البينالي على معرض جماعي رئيسي يجسّد فكرة التباطؤ من خلال عرض خيارات وحلول تصميمية متعددة. يقام هذا المعرض في المركز الثقافي Halmtorvet 27، حيث ينطلق منه الزوار لاكتشاف أرجاء المدينة عبر سلسلة من التركيبات الفنية والمشاريع الميدانية والفعاليات التي تتقاطع جميعها مع الموضوع الأساسي للحدث.
من المعرض إلى المدينة
لا يقتصر الحدث على مساحة مغلقة، بل يمتد إلى المدينة نفسها. فالمعرض يشجع على استكشاف كوبنهاغن كجزء من التجربة، مما يحول المدينة إلى مختبر مفتوح لأفكار التباطؤ وإعادة التفكير في الموارد.
جناح التباطؤ
على أحد أطراف هذا الطيف الإبداعي، يقدم المعماريان الصاعدان Slaatto Morsbøl مشروعًا لافتًا: “جناح التباطؤ“ في ساحة سورين كيركغور. يمتد الجناح على مساحة 28 مترًا مربعًا، ويقوم على إعادة استخدام مواد مهملة مثل الطوب والخشب والقش.
لكن ما يميزه حقًا هو إعادة توظيف هذه العناصر التقليدية بطرق مبتكرة تمنحها مظهرًا معاصرًا، في إشارة واضحة إلى إمكانات إعادة التدوير في صناعة البناء.

إعادة استخدام المواد في جناح التباطؤ
من الهدم إلى البناء
استُمدت مواد الجناح من مواقع هدم مختلفة في منطقة كوبنهاغن الكبرى. يقوم الهيكل البسيط على إطار خشبي يُملأ بالطوب ليشكّل الجدران والأرضيات معًا.
الطوب كعنصر متعدد الأوجه
جرى قطع الطوب المثقّب الشائع في المدينة إلى نصفين، وهو ما ضاعف كمية المواد المتاحة، وفي الوقت ذاته كشف عن سطح داخلي بملمس خاص. هذا السطح استثمره المعماريون بطرق مبتكرة، ما أضفى على المشروع قيمة جمالية ووظيفية إضافية.
اختلافات بين الأرضيات والجدران
- في الأرضيات، ثُبّت الطوب باستخدام الملاط التقليدي ليمنح تأثيرًا بصريًا شبيهًا بالبلاط.
- في الجدران، استُخدم الطوب كحشو في حالته الطبيعية، ما أبرز تباينًا مقصودًا في التعبير المعماري.
البعد التعليمي
لا يقتصر الجناح على الجانب الجمالي أو الوظيفي فقط، بل يحمل أيضًا رسالة تعليمية. فهو يعرض التعبيرات المتعددة لمادة بناء واحدة، مبرزًا كيف يمكن للمواد التقليدية أن تُوظّف بطرق جديدة تدعو للتأمل في إمكانات إعادة الاستخدام.

البطء كفلسفة في البناء والتجربة
عملية البناء اليدوية
يتجسد موضوع البطء ليس فقط في الفكرة العامة للجناح، بل في طريقة تنفيذه نفسها. فقد جرى:
- قطع الطوب يدويًا إلى نصفين.
- فرز القش المستخدم للتسقيف حسب الطول ثم خياطته في شرائط قماشية ثُبّتت على وحدات السقف.
- إعادة تدوير أنابيب التهوية بقطعها إلى نصفين لتشكل هيئة متموجة تضيف إيقاعًا بصريًا إلى سقف الجناح.
مساءلة السرعة في البناء
كل هذه العمليات البطيئة والمقصودة تطرح تساؤلًا حول منطق السرعة المسيطر على البناء التقليدي. فبدلًا من الاعتماد على الإنتاج المتسارع، يبرز هنا العمل اليدوي والاهتمام بالتفاصيل كقيمة أساسية.
تجربة حسية غير مألوفة
يخلق الجناح أيضًا تجربة حسية للزوار:
- تعليق القش في السقف بدلاً من موضعه الطبيعي في الأرض.
- عرض الطوب بطرق غير مألوفة.
هذه الخيارات تكسر التوقعات الجمالية المعتادة في العمارة وتدفع الزائر إلى التفكير في بدائل أكثر وعيًا للمواد وطرق البناء.

تحويل العيوب إلى قوة
يؤكد مؤسسا مكتب Slaatto Morsbøl، ثيلما سلاتو وسيسيلي مورسبول، أن التركيز على العيوب والتفاوتات في المواد المستعملة لا يُنظر إليه كقصور، بل كفرصة لإضفاء قيمة إضافية على العمارة.
وفقًا لهما:
- تحمل المواد التي سبق أن استخدمت حياة سابقة، ما يمنحها غنى وخصوصية.
- يمكن لهذه السمات أن تساهم في تصميم معماري أكثر وعيًا بالموارد، ويحفز التفكير المعماري ليكون أعمق وأكثر استدامة.
بهذا المفهوم، يصبح البينالي منصة لاستكشاف كيف يمكن للمواد المعاد توظيفها أن تصبح عنصر قوة وجمالية بدلًا من أن تُعتبر عائقًا.

إعادة الاستخدام على نطاق أكبر: مبنى Thoravej 29
تحويل المصنع السابق إلى فضاء متعدد الاستخدامات
يبرز في البينالي مبنى Thoravej 29، وهو مصنع سابق يعود إلى عام 1967، تم إعادة توظيفه ليضم معارض، مقاهي، ومساحات عمل. هنا، يُتَّبع نهج إعادة الاستخدام إلى أقصى الحدود، مع طموح إضافي يتمثل في دمج أي مخلفات حفر أو هدم في النتيجة النهائية قدر الإمكان.
التحدي البنيوي والإبداعي
فرض المشروع الحاجة إلى إيجاد اتصال عمودي بين الطوابق القائمة، ما استلزم فتحات إنشائية ضمن التصميم. بدلاً من التخلص من هذه القطع، احتفظ الفريق بها وأعاد توظيفها بزاويا مختلفة لتشكيل دعامات لسلالم جديدة، في مقاربة تعكس فلسفة الإضافة عبر الطرح في العمارة.
إعادة الاستخدام كأداة تصميمية
هذا النهج لا يقتصر على الجانب العملي فقط، بل يقدم درسًا في التفكير المعماري الإبداعي: كيف يمكن للقيود والقطع المتروكة أن تتحول إلى عناصر تصميمية فعالة، تعزز من القيمة الجمالية والوظيفية للمبنى.

تحويل العناصر المألوفة إلى تجارب جديدة
خلق طاقة معمارية جديدة
ينشأ في المباني المعاد توظيفها نوع من الطاقة الجديدة، حيث تُعاد تهيئة العناصر المعمارية المألوفة مثل الجدران، الأبواب، والأرضيات لتؤدي أدوارًا غير معتادة.
السلالم كأداة لإعادة التفاعل
على سبيل المثال، السلالم الجديدة، المميزة بأنها بلاطات متموجة سابقة، تدعو الزوار إلى إعادة النظر والتفاعل مع الفضاء الذي كانوا يظنون أنهم يعرفونه جيدًا، ما يخلق تجربة حسية ومعرفية جديدة.
تحويل المواد بين حالات مختلفة
في أماكن أخرى، تتحول الواجهات القديمة إلى أرصفة، والأبواب إلى قطع أثاث، ما يعكس فلسفة مستمرة في تحويل المواد بين حالات مختلفة. هذه المقاربة تمنح المباني حياة ثانية وتوسع الإمكانيات التصميمية بطريقة مبتكرة ومستدامة.

كل طبقة لها قيمة: فلسفة الاحتفاظ بالمواد
يؤكد سورين بيلمان، مؤسس مكتب Pihlmann Architects المسؤول عن المشروع، أن كل طبقة من طبقات المبنى – حتى تلك التي يُنظر إليها عادةً على أنها غير مهمة – تُعامل على أنها مورد ذو قيمة.
وفق هذا المنظور:
- تم الاحتفاظ بما يقارب 95٪ من المواد القائمة.
- أُعيد توظيف هذه المواد داخل المبنى نفسه، ما يعكس فلسفة تصميمية قائمة على الاستدامة وإعادة الاستخدام الذكي للموارد.
هذا النهج يسلط الضوء على إمكانيات العمارة المستدامة، ويظهر كيف يمكن تحويل كل جزء من المبنى إلى عنصر فعال وجمالي بدل أن يُعتبر نفاية أو فائضًا.

تنوع المقاربات المعمارية وإعادة تصور القيود
تقدّم هذه المشاريع – وغيرها في مختلف أرجاء المدينة – موسوعة من المقاربات المعمارية، تتراوح بين:
- الجهود المتدرجة للممارسين صغار النطاق،
- والمشاريع التجارية واسعة النطاق.
وفي جميع هذه الحالات، يُعاد تصوير القيود المرتبطة تقليديًا بإعادة استخدام المواد والهياكل القائمة، لتُصبح أداة منتجة بدلًا من أن تُنظر إليها كعائق.
هذا التحول يفتح آفاقًا جديدة لإمكانات التصميم المكاني، ويتيح للمعماريين ابتكار تعبيرات معمارية جديدة تعكس المرونة والإبداع في استخدام الموارد الموجودة.
✦ تحليل ArchUp التحريري
يعكس بينالي كوبنهاغن 2025 رؤية واضحة في التفاعل مع الموارد وإعادة استخدام المواد، ويطرح أفكارًا مبتكرة حول البطء في العمارة والتصميم المستدام، ما يمنح الزوار تجربة حسية وفكرية مختلفة عن المعتاد. ومن جهة أخرى، قد يشعر البعض بأن التركيز الكبير على إعادة التدوير والمواد المعاد استخدامها يجعل بعض المشاريع تبدو محدودة من حيث التنوع البصري أو الطموح التصميمي، كما أن الفلسفة العامة للبطء قد لا تُترجم بسهولة إلى جميع أنواع المشاريع المعمارية أو الاستخدامات اليومية للفضاءات. بشكل عام، يقدم البينالي نظرة قيمة ومُلهمة على العمارة المستدامة، لكنه يترك مساحة للنقاش حول توازن الابتكار العملي والجمالي في المشروعات المستقبلية.
قُدم لكم بكل حب وإخلاص من فريق ArchUp
لا تفوّت فرصة استكشاف المزيد من أخبار معمارية، الفعاليات المعمارية، و مشاريع معمارية عبر موقع ArchUp.