تجديد وتوسعة مسرح فيدي في لوزان: إحياء تراث معماري حديث

Home » العمارة » تجديد وتوسعة مسرح فيدي في لوزان: إحياء تراث معماري حديث

يمثل مسرح فيدي (Théâtre Vidy-Lausanne) في سويسرا حالة استثنائية لتحول مبنى مؤقت إلى منشأة ثقافية دائمة. صمم المبنى الأصلِي الفنان والمهندس المعماري الشهير ماكس بيل (Max Bill) كبافليون خاص للمسرح ليكون جزءًا من المعرض الوطني السويسري (Expo Nationale Suisse) الذي أقيم عام 1964. كان المقصود من هذا الهيكل أن يكون مؤقتًا وخدم لمدة ستة أشهر فقط خلال فعاليات المعرض. ومع ذلك، وبفضل رؤية بلدية لوزان وتحت قيادة المخرج المسرحي تشارلز أبوتيلوز (Charles Apothéloz)، تم شراء المبنى والحفاظ عليه، مما سمح باستمرار النشاط المسرحي فيه وإنقاذ جزء أساسي من التراث المعماري الحديث.

على مر السنين، ساهمت فرق قيادية متعاقبة في تشكيل هوية مسرح فيدي، ليتطور من منشأة مؤقتة إلى مرجعية ثقافية دولية ولاعب أساسي في تعزيز الهوية الفنية لمدينة لوزان. أصبح المسرح منصة للإبداع وتطوير الفنون المسرحية المعاصرة.

Vidy theater renovation and extension / pont12 architectes

التحديات والتدخلات: تحديث البنية التحتية للإنتاج

واجه المسرح تحديًا كبيرًا يتمثل في تقديم عروض مسرحية معاصرة ببنية تحتية قديمة. كانت مرافق الإنتاج المسرحي – والتي تشمل المسرح الرئيسي (Stage)، ومناطق خلف الكواليس (Backstage areas)، وورش العمل (Workshops) – قد تجاوزها الزمن تقنيًا ووظيفيًا. لم تعد هذه المرافق تدعم المتطلبات التقنية والحجمية للإنتاجات المسرحية الحديثة، مما استدعى تدخلًا معماريًا حاسمًا.

تمثلت الاستجابة لهذا التحدي في مشروع تجديدي طموح قادته شركة PONT12 architectes. ركز المشروع على زيادة الحجم والمساحة داخل القاعة الرئيسية (Main Hall) للمسرح، مما وفر مرونة أكبر في تصميم المناظر المسرحية واستيعاب التقنيات الحديثة. بالإضافة إلى ذلك، تم إنشاء مساحة جديدة مخصصة للبروفات (Rehearsal Space) في الموقع الذي كانت تشغله سابقًا “ساحة الفنون” (Cour des Arts). ساهمت هذه الإضافة الجوهرية في حل إشكالية التجزئة والتقطع المكاني (Spatial Discontinuities) الذي طالما عانى منه المبنى منذ أيام معرض 1964، ووفرت مساحة عمل متكاملة ومحفزة للإبداع للفرق الفنية.

Vidy theater renovation and extension / pont12 architectes

الحفاظ على الأصالة: حوار معماري مع التراث

تم تطوير وتنفيذ جميع القرارات والتدخلات المعمارية في هذا المشروع بالتعاون الوثيق والمستمر مع لجنة التراث الثقافي (Cultural Heritage Commission) في لوزان. كان الهدف هو ضمان احترام القيمة التاريخية والأصالة المعمارية للبافليون الأصلي الذي صممه ماكس بيل مع تحقيق متطلبات التحديث.

من أبرز الأمثلة على هذا النهج المتوازن هو عملية تجديد الواجهة. حيث تم صنع قوالب (Mouldings) جديدة من الستانلس ستيل (Stainless-Steel) لإعادة إنتاج المواد والمظهر الأصلي للواجهة بدقة. لطالما صممت هذه الواجهة لتباين وتتناقض مع المناظر الطبيعية المحيطة بها، وهو التأثير الجمالي الذي حافظ عليه المشروع، مؤكدًا على الطابع الحداثي (Modernist Character) للبافليون مع ضمان متانته وكفاءته لعقود قادمة.

Vidy theater renovation and extension / pont12 architectes

إعادة الربط مع المحيط: الهندسة المعمارية وتنسيق المواقع

امتدت فلسفة التجديد لتشمل الفضاء المحيط بالمبنى وإعادة دمج المسرح مع نسيجه الحضري والطبيعي. إلى الشمال من المسرح، حيث أقيم معرض “فن الحديقة” (The Art of the Garden) خلال معرض 1964، تم تطوير الحديقة المجاورة وتحويلها لتصبح ساحة مدخل (Entrance Square) للمسرح. لم تعد هذه المساحة الخضراء مجرد حديقة، بل أصبحت منطقة عامة نابضة بالحياة تستقبل الزوار وتستضيف الفعاليات.

خلقت هذه الساحة حوارًا بصريًا وفضائيًا مباشرًا بين الهيكل الأصلي للمسرح والإضافات المعمارية الحديثة المحيطة، وأبرزها البافليون الخشبي الذي صممه إيف ويناند (Yves Weinand). كما أعادت الربط بين مظلة الأشجار والمنظر الطبيعي من جهة والعمارة من جهة أخرى، معززةً تجربة الجمهور منذ لحظة وصولهم إلى الموقع.

Vidy theater renovation and extension / pont12 architectes

تفاصيل المشروع

  • المهندسون المعماريون: PONT12 architectes
  • المساحة: 5196 متر مربع
  • سنة الإنجاز: 2023
  • التصوير الفوتوغرافي: Matthieu Gafsou
  • المالك: مدينة لوزان (City of Lausanne)
  • فريق التصميم: PONT12 architectes
  • التصنيف: مسرح، تجديد، توسعة
  • المدينة: لوسان
  • البلد: سويسرا

✦ رؤية تحريرية من ArchUp

يتعمق هذا المقال في مشروع تجديد وتوسعة مسرح فيدي في لوزان، مسلطًا الضوء على التحول الناجح لمبنى مؤقت من تصميم ماكس بيل إلى منشأة ثقافية دائمة عبر تدخل معماري حساس ومحافظ على التراث. يُحسب للطرح تركيزه الدقيق على الجوانب التقنية والوظيفية للتجديد، مثل تحديث البنية التحتية للإنتاج المسرحي وحل إشكالية التجزئة المكانية، مع إبراز التعاون المثمر مع لجنة التراث الثقافي كعامل حاسم في نجاح المشروع. ومع ذلك، يمكن أن يفيد المقال من توسيع نطاق التحليل ليشمل انعكاسات هذا التجديد على المشهد الثقافي المحلي والدولي، وكيفية تفاعل الجمهور والمجتمع الفني مع المساحة المُجددة. يبقى المشروع نموذجًا ملهماً يُظهر كيف يمكن للهندسة المعمارية أن توفق ببراعة بين متطلبات الحداثة الوظيفية واحترام الأصالة التاريخية، مما يضمن استمرارية الإرث الثقافي للمباني.

مقدم لكم من فريق تحرير ArchUp

من هنا يبدأ الإلهام. تعمق في الهندسة المعمارية، والتصميم الداخلي، والبحث، والمدن، والتصميم، والمشاريع الرائدة على ArchUp.

Further Reading from ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *