بين العواصم والمدارج: قراءة نقدية في تحولات ناداج فانهي المفاهيمية ضمن عروض Hermès
التحولات الجغرافية وتأثيرها على عروض الأزياء
من باريس إلى نيويورك: رؤية تتجاوز الحدود
قبل عام تقريبًا، انتقلت ناداج فانهي، المديرة الفنية لمجموعات الملابس النسائية في دار Hermès، من باريس إلى نيويورك لعرض ما أسمته “الفصل الثاني” من مجموعة خريف/شتاء 2024. وقد اختير موقع العرض بعناية ليقام في مساحة مؤقتة في Pier 36 بمنطقة لوار إيست سايد. هذا القرار يعكس رغبة المصممة في محاكاة نبض المدينة، لا الاكتفاء بموقع تقليدي أو مألوف.
هذه الخطوة لم تكن مجرد تنقل جغرافي، بل عكست أيضًا تحولًا في طريقة تقديم الأزياء. فقد تجاوز العرض كونه مجرد حدث بصري، ليصبح تجربة حسية تفاعلية. وهذا يتماشى مع الخلفية المهنية لفانهي التي عملت سابقًا في نيويورك. ما منحها فهمًا عميقًا لثقافة المدينة ووتيرتها المتسارعة.
إعادة إنتاج الإحساس في مدينة جديدة: شنغهاي
بعد نيويورك، اختارت فانهي مدينة شنغهاي لتكرار التجربة، ولكن برؤية جديدة تراعي خصوصية المكان. ففي أمسية صيفية رطبة، أُقيم العرض على ضفاف نهر هوانغبو في منطقة North Bund Bay، وهي منطقة تُمثل تقاطعًا بين العمارة الحديثة والهوية الصينية المعاصرة.
اللافت في هذا العرض لم يكن فقط الموقع، بل طريقة كشف الخلفية: صف طويل من النوافذ الممتدة من الأرض حتى السقف انفتح تدريجيًا مع بداية العرض. هذا كشف أفق المدينة المتلألئ بأبراج زجاجية وأضواء نيون، شبيهة بعوالم الخيال العلمي. بذلك، لم يكن العرض مجرد مناسبة استعراضية، بل تحول إلى تجربة مسرحية مؤقتة تحمل بُعدًا بصريًا وفكريًا.
العمارة المؤقتة كأداة سردية
ما يميز كلا العرضين هو استخدام الهيكل المؤقت الذي وصفته الدار بأنه “قابل للتعديل”. يخدم هذا الهيكل غرضًا مزدوجًا: عرض الأزياء ثم التحول إلى مساحة للاحتفال. هذه البنية ليست مجرد حيلة تصميمية، بل أداة سردية تعكس طبيعة التنقل والتحول. ربما تُشير إلى فكرة المرونة التي أصبحت ضرورة في عالم اليوم.
تطور السرد البصري: من باريس إلى شنغهاي
الفصل الثاني: من التربة إلى الشارع
جاء هذا العرض تتويجًا للمرحلة الثانية من مفهوم ناداج فانهي المعروف باسم “الفصل الثاني”. هذا استمرار لمجموعة خريف/شتاء 2025 التي عُرضت لأول مرة في باريس. هناك، على ممشى حلزوني مغطى بالتربة، عبّرت العارضات عن مفهوم القوة والصلابة في تصميم الأزياء، من خلال حضور جسدي صارم. كما حملت الإطلالات نبرة التحدي. كانت الرسالة واضحة: المرأة المعاصرة “تمضي قدمًا دون أن تنظر إلى الخلف”، حسب تعبير فانهي.
من الرمزية إلى الواقعية
لكن في شنغهاي، اختلفت النبرة قليلًا. لم تعد البطلة متمركزة حول الرمزية الأرضية للتصميم، بل انتقلت إلى واقع المدينة المكتظ – حيث الحياة اليومية والحركة المستمرة. هذه النقلة شكّلت تحوّلًا من التأمل الداخلي إلى التفاعل مع الفضاء الحضري، مما أضفى على العرض طابعًا أكثر عفوية وتنوعًا.
الأزياء كأداة تأقلم
في هذا السياق، عكست الإطلالات الجديدة فكرة التأقلم مع بيئات غير مألوفة. فقد جاءت الملابس متعددة الطبقات وغنية بالإكسسوارات. هذه توحي بالتحضير المسبق والانفتاح على المفاجآت – تمامًا كما يفعل أي مسافر في مدينة لا يعرفها. من أبرز هذه التفاصيل: حافظات زجاجات المياه المصنوعة من الجلد، سترات مربوطة حول الخصر، وحقائب محمولة بطريقة غير تقليدية على الصدر أو الكتف. هذه العناصر لم تكن مجرد زينة، بل حملت ردًا ضمنيًا على الصور النمطية الكلاسيكية المرتبطة بحقائب Hermès. لقد قدمت بدائل عملية ومعاصرة.

المرأة المستكشفة: صورة معاصرة متعددة الأبعاد
بين التناقض والتكامل
ترى ناداج فانهي أن المرأة اليوم لم تعد تنتمي إلى صورة واحدة أو نمط ثابت. لذلك، وصفت إطلالات مجموعتها بأنها تمثل “امرأة مستكشفة عالمية”. تجتمع فيها التناقضات: الصلابة والأنوثة، الذكاء والمرح. هذا المزج لا يعكس فقط رؤية شخصية، بل يعبر عن فهم متجدد لدور المرأة في السياقات العالمية المعاصرة. يعكس المزج أيضًا كيف يمكن للأزياء أن تتجاوب مع هذا الدور المتعدد.
الأسلوب كأداة تعبير مرن
كما في عرض نيويورك، سمح الانتقال إلى شنغهاي لفانهي بتجريب تنسيقات أكثر حرية وجرأة. الألوان والنقوش تداخلت، والتصاميم حملت ملامح التحول. تضمنت التحول أكمامًا مرفوعة، طبقات تتحرك، وأقمشة تُعيد تشكيل نفسها أثناء الارتداء. حتى بعض القطع جاءت هجينة وقابلة للتعديل، ما يشير إلى فكرة أن المرأة اليوم بحاجة إلى ملابس تتغير معها. ملابس لا تقيّدها.
تفاصيل الحياة اليومية في سياق جمالي
الإشارات الحسية لم تغب عن العرض، فقد ظهرت بوتات لامعة تعكس أضواء المدينة. كما ظهرت سماعات رأس تُوحي بأن العارضة في طريقها للاندماج في صخب الحياة الليلية. هذه التفاصيل، رغم بساطتها، تنقل إحساسًا بالتحرر من الطابع الرسمي للأزياء الراقية. إنها تُعيد الأزياء إلى واقع المرأة التي تتحرك، تسافر، وتعيش.
رمز الضفيرة: بين الحرفة والتاريخ
من جذور الفروسية إلى خزانة معاصرة
أحد أبرز الرموز التي استلهمتها فانهي في هذه المجموعة هو “الضفيرة”. المقصود بها هنا جدائل الفروسية التي ترتبط بإرث Hermès كدار بدأت بصناعة السروج في القرن التاسع عشر. هذه الضفيرة تحوّلت إلى عنصر زخرفي متكرر، بدءًا من الأوشحة الحريرية مثل Dressage Tressage، وحتى بطانة المعاطف. هذا يُبرز كيف يمكن للتفاصيل الصغيرة أن تحمل إرثًا بصريًا وثقافيًا عميقًا.
التضفير كاستعارة ثقافية
لكن فانهي لم تتوقف عند الرمز فقط، بل تأملت في فعل التضفير ذاته. هذا الفعل عملية تتطلب الصبر، وتدمج بين عناصر متعددة لتشكيل نسيج واحد متماسك. هذه الاستعارة تمثل صلب عملها في Hermès – العمل جنبًا إلى جنب مع الحرفيين، ودمج تأثيرات ثقافية متنوعة ضمن تصميم واحد. يعكس التصميم روح المرأة المعاصرة، أياً كانت خلفيتها أو موقعها الجغرافي.

نظرة من الداخل: التصميم كمرآة لحياة النساء
في مقابلة لها مع مجلة Wallpaper عام 2024، لخّصت ناداج فانهي فلسفتها التصميمية بجملة عميقة:
“أنا ببساطة أراقب أنواعًا مختلفة من النساء واحتياجاتهن. أحب الخروج من منطقة راحتي وطرح السؤال: كيف تعيش المرأة في هونغ كونغ؟ أو المرأة في ساكرامنتو؟ من مزايا حضارتنا أننا نعيش في زمن فرط العولمة: يمكننا أن نرى، أن نذهب، أن نستكشف. لم نعد محاصرين في أبراجنا العاجية الصغيرة.”
هذا التصريح يعكس موقفًا إنسانيًا ومعرفيًا في آنٍ معًا. فالتصميم عند فانهي لا يبدأ من فرض نمط جمالي معيّن، بل من الملاحظة الدقيقة والتفاعل مع الواقع المعيشي للنساء في مختلف أنحاء العالم. من خلال هذه العدسة، تتحول الأزياء من مجرد منتج بصري إلى وسيلة لفهم الآخر – امرأة كانت أو ثقافة أو مدينة.

✦ تحليل ArchUp التحريري
يُظهر عمل فانهي قدرة لافتة على استيعاب التناقضات وتطويعها داخل هوية متماسكة تحمل توقيع Hermès. فمزجها بين الصرامة والأنوثة، والذكاء والمرح، لا يبدو مجرد استعراض جمالي، بل محاولة واعية لطرح صورة معاصرة للمرأة متعددة الأبعاد. ومع ذلك، فإن هذا التوازن الدقيق بين الإبداع والهوية قد يثير تساؤلات حول مدى أصالته واستدامته. فبينما تنجح المجموعة في تقديم رؤى جذابة بصريًا، إلا أن كثافة التفاصيل وتعدد المرجعيات قد تشتت بعض المتلقين. أو تترك انطباعًا بأن البذخ البصري أتى على حساب البساطة والوضوح.
توظيف “الضفيرة” كرمز زخرفي وفكري في آنٍ معًا يكشف عن بعد فلسفي عميق في التصميم. إلا أن تواتر هذا النوع من الرموز قد يُقرأ أحيانًا بوصفه مجازًا مكررًا يسعى لتأصيل ارتباط قد لا يكون واضحًا دائمًا للمشاهد غير المتمرس. أما من الناحية العملية، فإن السؤال عن مدى ارتداء هذه القطع في الحياة اليومية يظل قائمًا. هذا السؤال مطروح خاصة في ظل إصرار المصممة على تقديم تنسيقات ذات طابع مفاهيمي.
في النهاية، تقدم فانهي تجربة فكرية وبصرية غنية، تتحدى المألوف. لكنها لا تخلو من التحديات التي قد تواجهها حين تُعرض هذه الإبداعات على جمهور عالمي متنوع الأذواق والاحتياجات.
اكتشف أحدث المعارض والمؤتمرات المعمارية
نقدم في ArchUp تغطية يومية لأبرز الفعاليات المعمارية والفعاليات الدولية والمنتديات الفنية والتصميمية حول العالم.
تابع أهم المسابقات المعمارية, وراجع المنصات الرسمية, وابقَ على اطلاع عبر الأخبار المعمارية الأكثر مصداقية وتحديثًا.
يُعد ArchUp منصة موسوعية تجمع بين الفعاليات وفرص التفاعل المعماري العالمي في مكان واحد.