إعادة توظيف الإرث الصناعي: Turner Works تحوّل موقعًا نسيجيًا قديمًا إلى مركز إبداعي في لندن
أكمل مكتب Turner Works المعماري مشروع توسعة وتحويل موقع صناعي قديم لصناعة المنسوجات في منطقة Harringay Warehouse District شمال لندن إلى مركز إبداعي يحمل اسم Florentia Village، في مشروع يعيد قراءة العمارة الصناعية بوصفها بنية قابلة للتكيّف مع اقتصاد الإبداع المعاصر.
جاء المشروع بتكليف من شركة التطوير العقاري General Projects، وشمل إضافة توسعة بمساحة 9,290 مترًا مربعًا إلى مبنى صناعي يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، ليصبح الموقع موطنًا لنحو 50 شركة إبداعية تعمل في مجالات الإنتاج، التصميم، والحِرَف.
توسعة فولاذية تحاكي الذاكرة الصناعية للمكان
استجابةً للطابع الصناعي القائم، أضاف المكتب أربعة مبانٍ فولاذية في مساحة كانت تشغلها سابقًا حاويات تخزين، ما أدى إلى أكثر من مضاعفة المساحة الإجمالية للمجمع. وجاءت الكتل الجديدة مستلهمة من لغة العمارة الصناعية التقليدية، مع أسقف منشارية (Sawtooth)، وميول سقفية متعددة، ونوافذ علوية تسمح بدخول الضوء الطبيعي.
ويقدّم Florentia Village اليوم وحدات عمل مرنة تتراوح مساحاتها بين 46 و1,400 متر مربع، تشمل ورشًا، واستوديوهات، ووحدات صناعية خفيفة، إلى جانب مساحات مجتمعية ومقهى، جميعها منظمة حول أفنية ومسارات خارجية تعزز التفاعل اليومي بين المستخدمين.
مواد صلبة ووظيفية بلغة معاصرة
اعتمد المشروع على لوحة مواد وُصفت بأنها “متينة وعملية”، تضم الفولاذ المجلفن المموج، وألواح الأسمنت الليفي الخضراء، والزجاج متعدد الكربونات، في اختيار يوازن بين التحمّل، والاستدامة، والطابع الصناعي.
واستخدمت الهياكل الفولاذية المثبتة بالبراغي لتشكيل الكتل الهندسية، بما يحد من الفاقد الإنشائي، ويتيح تفكيك العناصر وإعادة تدويرها مستقبلًا. كما أُضيفت لمسات لونية جريئة بالوردي والبرتقالي في الممرات والسلالم الخارجية، في إشارة إلى الألوان الزاهية التي ميّزت المباني الأصلية في الموقع.
مساحات داخلية مرنة بلا فرضيات تصميمية مسبقة
في الداخل، جُهزت ورش الطابق الأرضي بمستويات ميزانين تسمح بالجمع بين العمل الإنتاجي والمساحات المكتبية، بينما ترتبط الاستوديوهات العلوية الأصغر عبر ممرات خارجية مرتفعة تطل على الأفنية.
واختيرت تشطيبات داخلية بسيطة من الخرسانة الظاهرة، والبلوك، وألواح الخشب الصناعي (OSB)، مع تعمّد عدم فرض تصميم داخلي نهائي، لإتاحة المجال أمام المستخدمين لتكييف المساحات وفق احتياجاتهم المتغيرة.
نظرة مستقبلية: العمارة الصناعية كحاضنة للاقتصاد الإبداعي
يعكس مشروع Florentia Village توجّهًا متناميًا في المدن الكبرى نحو إعادة توظيف المباني الصناعية بدل هدمها، بوصفها بنية مرنة قادرة على استيعاب أنماط عمل جديدة. وبالنسبة للمعماريين، يقدّم المشروع نموذجًا لكيفية توظيف المواد الخام، والهياكل القابلة للفك، والمساحات المفتوحة في خلق بيئات إنتاجية منخفضة الكلفة وعالية التكيّف.
في ظل تصاعد الطلب على مساحات العمل الإبداعي داخل المدن، تبرز مثل هذه المشاريع كحل عمراني يجمع بين الاستدامة، والهوية المحلية، والجدوى الاقتصادية، مع إعادة تعريف العلاقة بين العمارة الصناعية والمدينة المعاصرة.
✦ قراءة تحريرية بأسلوب ArchUp
يُجسّد مشروع Florentia Village من تصميم Turner Works مقاربة معاصرة لمفهوم إعادة التوظيف التكيّفي، منطلِقًا من العمارة الصناعية كإطار مرن وقابل لإعادة التفسير. إذ حوّل المشروع موقعًا صناعيًا سابقًا لصناعة النسيج إلى منظومة مفتوحة للإنتاج الإبداعي، تجمع بين الذاكرة المادية للمكان ومتطلبات الاقتصاد الإبداعي المعاصر. ويعتمد التصميم على توسيع مخزن يعود إلى سبعينيات القرن الماضي عبر إضافات بهياكل فولاذية، أعادت قراءة المفردات الصناعية التقليدية من خلال أسقف منشارية، وإضاءة علوية (clerestory glazing)، وتعبير مادي صارم يضع الضوء الطبيعي والمتانة وقابلية التكيّف المكاني في صميم التجربة المعمارية. ومع ذلك، ورغم نجاح المشروع في الحفاظ على الطابع الصناعي للموقع ودعم تنوّع الاستخدامات الإبداعية، فإنه يفتح بابًا لأسئلة أوسع تتعلق بمدى ملاءمته للسياق العمراني المحيط واستدامة القدرة على تحمّل التكاليف على المدى الطويل، خاصة في المناطق الحضرية سريعة التحوّل. فغالبًا ما تتحول المراكز الإبداعية إلى مقدّمات لعمليات الإقصاء العمراني وارتفاع القيم العقارية، ما يضع تحديًا حقيقيًا أمام دمج هذه المشاريع اجتماعيًا واقتصاديًا.ورغم هذه الإشكاليات، يقدّم Florentia Village نموذجًا ذا طموح معماري واضح، يتعامل مع البنية الصناعية لا كأثرٍ جامد من الماضي، بل كهيكل مرن وقادر على استيعاب تحوّلات المكان والديناميكيات المتغيّرة للاقتصاد الحضري المعاصر.