يشيد بيرلويجي سيررينو الراحل تشاك ديفيس ، الشريك المؤسس لـ EHDD

تشاك ديفيس: عندما تتحول العمارة إلى إرث إنساني

Home » الأخبار » النقاشات المعمارية » تشاك ديفيس: عندما تتحول العمارة إلى إرث إنساني

تشارلز “تشاك” ميدلي ديفيس: بصمة معمارية إنسانية

عندما يرحل مهندس معماري صاحب رؤية مؤثرة، تتحول الخسارة إلى شأن مجتمعي يتجاوز الفرد. وهذا ينطبق تمامًا على تشارلز ميدلي ديفيس، أو كما عُرف بين زملائه بـ «تشاك». لقد توفي في 7 مايو 2025 عن عمر ناهز 90 عامًا، تاركًا إرثًا معماريًا استثنائيًا في ولاية كاليفورنيا.

جذور التكوين والبداية

وُلد تشاك في أوماها بولاية نبراسكا عام 1934، ثم انتقل مع عائلته إلى سان فرانسيسكو في سن الثانية عشرة. ساهمت هذه النقلة في تشكيل رؤيته المعمارية وقيمه المجتمعية. في عام 1951، التحق بمدرسة الهندسة المعمارية في جامعة كاليفورنيا بيركلي. هناك تأثر بالمناهج المتجددة التي وضعها وليام وورستر، وتعلّم على يد معماريين بارزين مثل تشارلز إيمز وبول رودولف.

محطات مهنية مبكرة

بعد تخرّجه عام 1955، انضم تشاك إلى مكتب روجر لي، حيث صمم مشاريع سكنية في بيركلي وسان لياندرو. بحلول عام 1958، اكتسب خبرة عملية عزّزت من قدراته في الدمج بين البُعد الجمالي والوظيفي.

نقطة التحول: لقاء ملهم

شهد عام 1961 محطة فارقة في مسيرته، إذ حضر مؤتمر «Eyes West» في مونتيري. هناك، أثرت كلمات لويس كان في توجهاته الفكرية، وألهمته العودة للدراسة الأكاديمية. التحق ببرنامج الماجستير، حيث درس تحت إشراف جوزيف إيشريك، الذي أصبح معلمه وشريكه لاحقًا.

من التعاون إلى الريادة

مع بداية الستينيات، التحق تشاك بشركة Esherick Homsey Dodge & Davis (EHDD)، وأصبح شريكًا بها عام 1972. ما ميّز عمله هو شغفه بإعادة إحياء الهياكل التاريخية وتحويلها إلى مساحات حية تخدم المجتمع.

ومن أبرز إنجازاته إعادة تأهيل مبنى علب الصياد في سان فرانسيسكو عام 1967، وتحويله إلى مركز تجاري نابض بالحياة. وقد تم ذلك مع الحفاظ على قيمته التاريخية.

نهج يوازن بين العمارة والمجتمع

لم يكن تشاك مهندسًا تقليديًا فحسب، بل كان يؤمن بأن للعمارة دورًا اجتماعيًا جوهريًا. فقد عمل دائمًا على حماية رؤاه من التأثيرات السلبية. كان يقوم بذلك دون أن يفقد تواضعه ولطفه الذي ترك أثرًا طيبًا لدى كل من تعامل معه.

إرث باقٍ

على مدار سبعة عقود، أثبت تشاك أن العمارة ليست مجرد مبانٍ، بل هي وسيلة لتحسين جودة الحياة وتعزيز الانتماء. ومن أبرز مشاريعه المستقلة التي قادها لاحقًا مختبرات فارويست في سان فرانسيسكو، التي اكتملت عام 1974. أكدت هذه المشاريع قدرته على المزج بين الابتكار والحفاظ على روح المكان.

حوض خليج مونتيري: نقطة التحول الكبرى

رغم تعدد محطاته المهنية، شكّل مشروع Monterey Bay Aquarium علامة فارقة في مسيرة تشاك. ففي عام 1978، نال وفريقه فرصة تصميم هذا المشروع الذي اُفتتح أخيرًا عام 1984.

كان لتعاونه الوثيق مع العميل ديفيد باكارد دور محوري. من خلال هذه التجربة، تعلّم أن خلق هندسة معمارية خالدة لا يعتمد فقط على التصميم. بل يحتاج أيضًا إلى مشاركة واعية من رُعاة يؤمنون بقيمة العمل.

العمل الجماعي والتحديات التقنية

خلال مراحل تصميم الحوض، تعاون تشاك مع شقيقه هارولد، المهندس الهيكلي في شركة راذرفورد + تشيكين. معا، واجها تحديات كبيرة، أبرزها الحفاظ على الطابع التاريخي لموقع العلب القديمة، إلى جانب تلبية متطلبات المعدات الضخمة للبرنامج.

من خلال هذا المشروع، توسعت معارف تشاك ليصبح خبيرًا في تصميم الأحواض البحرية ومعارض العلوم والتعليم. وهو مجال سيبني عليه لاحقًا إنجازات جديدة.

توسيع الأفق: مشروعات محلية ودولية

فتح النجاح في خليج مونتيري أمام تشاك فرصًا لمشاريع مميزة في أنحاء مختلفة من العالم. كان له دور بارز في تطوير Shedd Aquarium في شيكاغو. هناك جمع بين الطابع الكلاسيكي الجديد وانسيابية التصاميم الحديثة الملائمة للبيئة المائية.

أما على المستوى الدولي، فقد نقل خبراته إلى متحف تايوان للموارد المائية. هناك ساهم في تصميم معارض مبتكرة على موقع متميز في جنوب الجزيرة، مع الحفاظ على حسّه في ربط الهندسة بالبعد المجتمعي.

لمسة إنسانية في الفضاءات الساحلية

ظل تشاك وفيًا لرؤيته في استثمار العمارة كوسيلة لإحياء المناطق الحضرية. يظهر هذا في مشروع نقل المستكشف عند الرصيف 15 في سان فرانسيسكو. لقد ساهم بتحويل جزء من الميناء إلى منطقة نشطة ذات بُعد تعليمي وسياحي في آن واحد.

كما تجلّى شغفه بالتصميم المتكامل في مشروع Long Beach Aquarium، وهو من آخر إسهاماته قبل التقاعد. في هذا العمل، نجح تشاك في تنسيق التصميم المعماري مع أحدث طرق عرض النماذج المائية. وقد حافظ على جوهر الوظيفة التعليمية.

العمارة الأكاديمية: فصل ثابت في مسيرته

إلى جانب إبداعه في تصميم الأحواض والمتاحف، ظل تشاك ديفيس حاضرًا بقوة في ميدان التعليم العالي. فمنذ بداياته مع أستاذه جوزيف إيشريك، أصبحت المباني الأكاديمية ركيزة ثابتة في أعماله.

فعلى سبيل المثال، تُعد مكتبة العلوم والهندسة في جامعة كاليفورنيا سانتا كروز (UCSC) من أبرز إنجازاته في هذا المجال. لقد جسّد فيها مبدأ «الهيكل في خدمة الطبيعة»؛ حيث انسجمت البنية مع المناظر المحيطة، محافظةً على تناغمها مع البيئة.

احترام التاريخ وإعادة التوظيف

وفي جامعة كاليفورنيا بيركلي، صمّم تشاك مكتبة وزارة الطاقة، التي تميّزت بكونها إعادة تنظيم لهياكل قائمة دون المساس بقيمتها التاريخية. يظهر هذا التوجه بوضوح في مشاريعه مع جامعة ستانفورد أيضًا. حيث تدخّل بعناية في مواقع حساسة مثل ركن التاريخ، ومبنى I-120، وتجديد جناح الجيولوجيا (Stanford Geology Corner) ضمن الحرم الجامعي.

إرث إنساني لا يُنسى

بعيدًا عن المباني، ترك تشاك فراغًا عميقًا بين عائلته والمقرّبين منه. ينعاه كل من ابنه هايدن ديفيس، وشقيقه هارولد (هال)، وأخته كارولين ديفيس. هؤلاء لم يفقدوا مهندسًا مبدعًا فحسب، بل فقدوا إنسانًا جمع بين السلطة المكتسبة بالجهد واللطف الصادق.

حكمة وروح متجددة

تميز تشاك بسمات نادرة: فقد كان حكيمًا وصاحب موهبة فطرية. كان يتمتع بروح كريمة لم يعرف لها حدًا. بفضل ذاكرته القوية، كان يستدعي الأسماء والتفاصيل بسهولة، ويشارك تجاربه مع الجميع بشغف دائم. لم يتوقف يومًا عن التصميم أو زيارة المباني أو النقاش حول العمارة. استمر وكأنه ما يزال ذلك الطالب المتحمس الذي التحق حديثًا بكلية الهندسة المعمارية.


✦ تحليل ArchUp التحريري

لم يكن انضمام ديفيس إلى Esherick Homsey Dodge & Davis (EHDD) بداية الستينيات مجرد وظيفة، بل بداية مشروع حياة. منذ صار شريكًا رسميًا عام 1972، تخصص في إحياء الأماكن المهملة وإعادة بث الحياة فيها. مشروع علب الصياد في سان فرانسيسكو مثالٌ مبكرٌ: سوق نابض نشأ داخل هيكل صناعي منسي.

علّم تشاك ديفيس أجيالًا أن المبنى يمكن أن يصبح لغة. وكلما سار الناس في أروقته وحدائقه وسواحله، حملوا جزءًا من رؤيته معهم: أن التصميم ليس جدرانًا فقط، بل حوار مستمر بين الإنسان والمكان، وهكذا كان تشاك.


اكتشف أحدث المعارض والمؤتمرات المعمارية

نقدم في ArchUp تغطية يومية لأبرز الفعاليات المعمارية والفعاليات الدولية والمنتديات الفنية والتصميمية حول العالم.
تابع أهم المسابقات المعمارية, وراجع المنصات الرسمية, وابقَ على اطلاع عبر الأخبار المعمارية الأكثر مصداقية وتحديثًا.
يُعد ArchUp منصة موسوعية تجمع بين الفعاليات وفرص التفاعل المعماري العالمي في مكان واحد.


Further Reading from ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *