حين يصبح الروبوت صديقًا: قراءة في فلسفة كريكيت 3000 التصميمية
الروبوتات اللطيفة: ظاهرة نادرة في تاريخ التقنية
عبر التاريخ، لم يظهر سوى عدد قليل جدًا من الروبوتات التي استطاعت أن تجمع بين الكفاءة والمظهر الذي ينزع السلاح العاطفي للمشاهد. هذه الروبوتات وصلت إلى مستوى جاذبية جماهيرية لافتة. من أبرز هذه الأمثلة: بايماكس، وول-إي، إيف، وروزي روبوت عائلة جيتسونز. ولعل أسترو بوي يُضاف أحيانًا إلى هذه القائمة القصيرة.
كريكيت 3000: محاولة لإحياء الروبوت الودود
في هذا السياق، يظهر تصميم Kriket 3000 كمحاولة جديدة للعودة إلى هذا النهج. إذ يقدّم تصميمًا يجمع بذكاء بين اللطافة والقدرة، في محاولة لتقديم روبوت يمكن الوثوق به بصريًا قبل أي شيء آخر.
استلهام الماضي لمستقبل أكثر تفاؤلًا
من الجدير بالذكر أن المصمم الصناعي والفنان شون ويلينز يقف خلف فكرة Kriket 3000، مستفيدًا من خبراته السابقة في تصميم الروبوتات. ولكن هذه المرة، اختار ويلينز أن يستلهم من الماضي بدلاً من التوجه نحو صور تقليدية للمستقبل. فهو يقول إن التصميم مستوحى من منتجات الستينيات والسبعينيات. الهدف هو استحضار شعور بالحنين ودمجه مع معايير التصميم العصري. وبهذا يعبّر المشروع عن رغبة في إعادة إحياء روح الحماس والتفاؤل بمستقبل أكثر إشراقًا.


الذكاء الاصطناعي بين الثقة والقلق
من المثير للاهتمام أن آخر مرة عمل فيها شون ويلينز على تصميم روبوت كانت قبل ظهور ChatGPT أصلًا. وخلال السنوات الأربع الماضية، شهد العالم تحولات كبيرة مع تزايد حضور الذكاء الاصطناعي في حياة البشر. هذا الأمر غيّر الكثير من المفاهيم والسلوكيات.
وبالرغم من أن الأغلبية ترى في الذكاء الاصطناعي فرصة حقيقية لتحسين الحياة وتسهيلها، إلا أن المخاوف من مخاطره المحتملة لا تزال حاضرة بقوة. لذلك، أصبح من الضروري أن توظّف التكنولوجيا نفسها لتعزيز الثقة والشعور بالأمان لدى الناس.
كيف يعكس كريكيت هذه الفلسفة؟
ضمن هذا الإطار، حاول ويلينز أن يعكس هذه الحاجة النفسية من خلال تصميم Kriket 3000. ليكون أكثر من مجرد جهاز ذكي؛ بل كائنًا بصريًا يوحي بالألفة والاطمئنان. وذلك في زمن يزداد فيه القلق من تقنيات الذكاء الاصطناعي.


التصميم الناعم: كيف يبدو الروبوت غير مُهدِّد؟
عند الحديث عن تصميم الروبوتات، من المفيد أن نفهم كيف يمكن للشكل الخارجي أن يؤثر على الانطباع النفسي للمستخدمين. فمن أبسط الطرق لجعل الروبوت يبدو غير مؤذٍ التخلي عن الخطوط الحادة والزوايا القاسية، واستبدالها بأشكال أكثر نعومة وانسيابية.
وهنا يأتي Kriket 3000 كلُغة تصميمية ناعمة، إذ يعتمد بشكل أساسي على مظهر أبيض ناصع يوحي بالنظافة واللطف معًا. وهو ما يذكّرنا بشخصية بايماكس الشهيرة من فيلم Big Hero 6. لكن على عكس بساطة بايماكس، يتميز Kriket 3000 بتفاصيل دقيقة. تعكس هذه التفاصيل فكرًا تصميميًا معاصرًا؛ إذ يحتوي على مفاصل واضحة في الأذرع والساقين. إضافة إلى حقيبة بطارية خلفية، وأضلاع صناعية، وهوائي يشبه الهالة ليُضفي عليه طابعًا «ملائكيًا» خاصًا.


رأس بتفاصيل غير تقليدية: لغة التصميم والتواصل
يمتد تميّز Kriket 3000 ليشمل تصميم الرأس أيضًا، إذ يضم عناصر غير معتادة تجعل مظهره أكثر قربًا للمستخدمين. ففي البداية، لا يأخذ الرأس شكلًا تقليديًا. بل يأتي أعرض نسبيًا مقارنةً بالجسم، ما يخلق نوعًا من عدم التناسق المقصود الذي يمنح الروبوت مظهرًا «طفوليًا». هذا الاختلاف في الأبعاد يُذكّرنا بكيفية ظهور رؤوس الأطفال واليافعين أكبر حجمًا نسبيًا قبل اكتمال نموهم.
ومن ناحية عملية، زُوِّد رأس Kriket 3000 بعدة كاميرات تمنحه قدرة على الوعي بزاوية 360 درجة. بينما تعمل المستشعرات الموجودة على جسمه على التقاط المسافة وقياس العمق بدقة. ولتعزيز تواصله مع من حوله، يوجد في مقدمة الروبوت شاشة تؤدي دور «الوجه». من خلالها تُعرض عيناه التي تعبّر عن حالته بطريقة مألوفة لمحاكاة تعبيرات الروبوتات.
أما في الجهة الخلفية، فقد أُضيفت شاشة أخرى تعرض مستوى بطارية Kriket بشكل مباشر. ورغم أن هذه المعلومة ليست أساسية من الناحية العملية، إلا أنها تضيف بُعدًا من الشفافية. ذلك في عرض البيانات ويعزز الثقة بين الروبوت ومحيطه.


مفهوم تصميمي ورسالة أعمق
في نهاية المطاف، يمكن اعتبار Kriket 3000 أكثر من مجرد فكرة عابرة أو تصميم افتراضي؛ فهو يُقدّم إطارًا مرجعيًا يوضح كيف يمكن للروبوتات أن تكتسب ثقة الناس من خلال شكلها ولغتها البصرية. إذ يمنح التصميم انطباعًا بوجود «موظف» ودود قريب من الناس. ذلك بفضل مظهره البسيط وتفاصيله الصغيرة مثل شارة الاسم المثبّتة على صدره. هذه الشارة تضيف بُعدًا إنسانيًا للتعامل معه.
ومن خلال هذه الفكرة، يقدّم Kriket 3000 نموذجًا بديلًا للروبوتات المخيفة أو الباردة التي قد تثير القلق. مثل الكلاب الآلية التي تطورها بعض الشركات التقنية. وهنا تظهر قيمة التصميم الودود كعنصر أساسي لدمج الروبوتات في حياة البشر بشكل سلس وطبيعي.
✦ تحليل ArchUp التحريري
لا ينبغي النظر إلى Kriket 3000 كمفهوم جمالي فقط، بل كدليل على أن لغة التصميم يمكنها أن تبني جسورًا من الثقة بين البشر والآلات. في عالم تتقدّم فيه الروبوتات بملامح باردة أو حتى مقلقة، يبرز كريكيت كدراسة مصغّرة تقول إن التفاصيل الناعمة والمقاربة «الإنسانية» ليست رفاهية، بل ضرورة إذا أردنا أن نتعايش مع التقنية دون خوف.
اكتشف أحدث المعارض والمؤتمرات المعمارية
نقدم في ArchUp تغطية يومية لأبرز الفعاليات المعمارية والفعاليات الدولية والمنتديات الفنية والتصميمية حول العالم.
تابع أهم المسابقات المعمارية، وراجع المنصات الرسمية، وابقَ على اطلاع عبر الأخبار المعمارية الأكثر مصداقية وتحديثًا.
يُعد ArchUp منصة موسوعية تجمع بين الفعاليات وفرص التفاعل المعماري العالمي في مكان واحد.