Danjiang Bridge over the Tamsui River estuary, showing the asymmetric central pylon

جسر دانجيانغ في تايوان: مقاربة هندسية تجمع بين الابتكار والاستدامة

Home » الأخبار » النقاشات المعمارية » جسر دانجيانغ في تايوان: مقاربة هندسية تجمع بين الابتكار والاستدامة

محطة جديدة في مسيرة البنية التحتية بتايوان

بلغت تايوان مؤخرًا محطة مهمة في واحدٍ من أكثر مشاريعها الهندسية طموحًا، إذ اكتمل تركيب آخر جزء من السطح الفولاذي لجسر دانجيانغ، ما أدى إلى ربط الضفتين الشرقية والغربية لمصبّ نهر تامسوي للمرة الأولى.

هذا الإنجاز لا يُعد مجرد خطوة إنشائية؛ بل يمثّل تأكيدًا عمليًا لاقتراب موعد افتتاح الجسر المنتظر في 12 مايو 2026، وهو تاريخ يترقبه المهندسون والمواطنون على حد سواء باعتباره علامة فارقة في تطوير شبكة النقل الوطنية.

بصمة زها حديد على المشهد المعماري التايواني

صُمّم جسر دانجيانغ على يد المعمارية الراحلة زها حديد، الحائزة على جائزة بريتزكر، وهي أعلى تكريم في مجال العمارة العالمية.
ورغم أن المشروع يندرج ضمن خطط البنية التحتية، إلا أن تصميمه يجسّد رؤية فنية تتجاوز الوظيفة العملية إلى تجسيد طموح تايوان المعماري وسعيها للابتكار في التصميم الحضري.

ومن الجدير بالذكر أن هذا الجسر يُعد من آخر المشاريع التي شاركت حديد في تصميمها شخصيًا قبل وفاتها عام 2016، بعد أن أُعلن عنه عام 2015 في مرحلة نضوجها الإبداعي.

أهمية رمزية ومعمارية

يُنظر إلى جسر دانجيانغ اليوم ليس فقط كحل هندسي لمشكلة النقل، بل كرمز لتكامل الفن مع التقنية في العمارة الحديثة.
ومن خلال هذا المشروع، تؤكد تايوان التزامها بالمضي قدمًا نحو تطوير مشاريع تعكس هويتها المبتكرة وتربط بين الماضي والحاضر بأسلوب يجمع بين الجمال والكفاءة.

Danjiang Bridge over the Tamsui River estuary, showing the asymmetric central pylon

تحطيم الأرقام القياسية بأسلوب هندسي فريد

مع اقتراب اكتماله، يستعد جسر دانجيانغ لدخول التاريخ كأطول جسر معلّق في العالم يعتمد على سارية واحدة غير متماثلة.
يمتد الجسر لمسافة 920 مترًا فوق مصبّ نهر تامسوي بالقرب من العاصمة تايبيه، وتُعد أبرز ملامحه السارية المركزية التي يبلغ ارتفاعها 200 متر,  أي ما يعادل تقريبًا 70 طابقًا,  وهي تدعم امتدادًا يبلغ 450 مترًا نحو الغرب و175 مترًا نحو الشرق.

هذا التوازن غير المتماثل لا يمثل مجرد خيار هندسي، بل تعبير عن فلسفة زها حديد في تحويل الصرامة الهندسية إلى حركة وانسيابية.

بصمة زها حديد: بين التحدي والجمال

يتميّز تصميم الجسر بتلك الانحناءات الانسيابية والحواف المستديرة التي لطالما شكّلت هوية أعمال زها حديد.
وقد وصف أوسكار هولاند من شبكة CNN هذا الأسلوب بأنه “مزيج من الانحناءات اللطيفة والحركة المستمرة”، مؤكدًا أن فرادته تستمر رغم القيود الهندسية المفروضة على التصميم أحادي السارية.

بهذا، يتحوّل الجسر من مجرد ممرّ للنقل إلى تجسيدٍ فنيٍّ متحرك يعكس رؤية معمارية تتجاوز حدود الوظيفة إلى عالم الجمال والديناميكية.

الجسر كرقصة على النهر

استُلهمت الرؤية الجمالية للجسر من فرقة Cloud Gate Dance Theatre التايوانية، المعروفة بأدائها الذي يجمع بين الرشاقة والتوازن.
وخلال مراسم اكتمال المشروع في سبتمبر 2025، أشار الرئيس لاي تشينغ-تيه إلى أن زها حديد تخيّلت الجسر كعملٍ فنيٍّ يبدو وكأنه يرقص فوق مياه نهر تامسوي، في انسجامٍ تام بين الفن والطبيعة.

تعبّر هذه الرؤية عن فلسفة العمارة كفنٍّ حيٍّ يتحرك مع الزمن، وهو ما جعل المشروع يُنظر إليه كأحد أبرز إنجازات التصميم المعماري المعاصر في تايوان.

Danjiang Bridge over the Tamsui River estuary, showing the asymmetric central pylon

ابتكار هندسي يلتقي بالمسؤولية البيئية

لا يقتصر تميّز جسر دانجيانغ على مظهره الجمالي فحسب، بل يمتد ليشمل ابتكارًا هندسيًا رائدًا يُعد الأول من نوعه في تايوان.
فهو أول جسر في البلاد يضم نظامًا متطورًا لتخميد الاهتزازات (Damper System)، يتيح له تحمّل الزلازل حتى الدرجة السابعة,  وهي أعلى درجة في مقياس الزلازل التايواني.
هذا النظام يعزز من أمان الجسر واستدامته، ويجعل منه نموذجًا يحتذى في التصميم المقاوم للكوارث الطبيعية.

توازن بين التقنية والطبيعة

اختير موقع السارية المركزية بعناية هندسية فائقة لتحقيق توازنٍ مثالي بين الكفاءة الإنشائية والحفاظ على البيئة المحيطة.
فمن جهة، يضمن الموقع أداءً هيكليًا قويًا، ومن جهة أخرى، يحدّ من تأثير البناء على النظام البيئي الحساس لمصبّ نهر تامسوي، كما يحافظ على مناظر الغروب الشهيرة التي تُعد من أبرز معالم المنطقة.

بهذا النهج، يبرهن المشروع على أن الابتكار المعماري يمكن أن يتكامل مع احترام الطبيعة دون التضحية بجمال التصميم أو متانته.

ربط استراتيجي وتخفيف للازدحام

تبلغ تكلفة المشروع نحو 766 مليون دولار أمريكي، وهو استثمار يهدف إلى تحسين البنية التحتية الحيوية في شمال تايوان.
فالجسر يربط بين منطقتي تامسوي وبالي، موحّدًا أربع طرق سريعة رئيسية في شبكة واحدة أكثر كفاءة.

وعند افتتاحه المرتقب، من المتوقع أن يُسهم في تخفيف الضغط المروري على جسر قواندو الحالي، ما ينعكس إيجابًا على حركة النقل والربط الإقليمي، ويعزز من انسيابية التنقل بين المدن الشمالية.

Danjiang Bridge over the Tamsui River estuary, showing the asymmetric central pylon

المرحلة الأخيرة قبل الافتتاح

يمثّل جسر دانجيانغ تتويجًا لسنوات من التخطيط الدقيق والعمل الهندسي المعقّد، إذ واجه المشروع تحديات تقنية متقدمة تتطلب تنسيقًا عالي المستوى بين فرق التصميم والتنفيذ.
وقد شكّل تركيب آخر قطعة فولاذية مؤخرًا نقطة التحوّل الحاسمة التي أعلنت اكتمال البنية الأساسية للجسر، إيذانًا ببدء المرحلة الأخيرة من الأعمال.

اللمسات النهائية قبل التشغيل

تركّز الجهود الحالية على استكمال الأعمال النهائية، مثل تمهيد سطح الطريق، وتركيب أنظمة الإضاءة، وفحص الكابلات الفولاذية، وإجراء اختبارات التحميل الشاملة لضمان أعلى معايير الأمان.
هذه المرحلة تمثل لحظة دقيقة في دورة المشروع، حيث يجتمع العلم والدقة والجمال الهندسي قبل تسليم الصرح إلى الجمهور.

معلم جديد في أفق تايوان

مع اقتراب موعد الافتتاح المقرر في مايو 2026، يقف جسر دانجيانغ على أعتاب أن يصبح أحد أبرز معالم تايوان الحديثة.
فهو لا يربط بين الضفاف فحسب، بل يربط بين الفكر المعماري والرؤية الفنية التي ميّزت أعمال زها حديد، مقدّمًا نموذجًا متكاملًا يجمع بين الوظيفة العملية والابتكار الجمالي.

وسيظلّ هذا الجسر شاهدًا على إرث زها حديد ورؤيتها المستقبلية، وعلى قدرة الهندسة المعمارية على أن تكون جسرًا حقيقيًا بين التقنية والفن، بين الإنسان والطبيعة.

Danjiang Bridge over the Tamsui River estuary, showing the asymmetric central pylon

تحليل ArchUp التحريري

رغم الجوانب الابتكارية لجسر دانجيانغ، مثل اعتماد السارية الفردية غير المتماثلة ونظام تخميد الاهتزازات المتقدم، يظل المشروع يثير بعض التساؤلات في سياق العمارة المستدامة والتخطيط الحضري. فمن جهة، يُظهر التصميم قدرات هندسية عالية ويتيح تحسين الربط المروري، كما يعكس فهماً للفن المعماري الحديث وتأثيره على الفضاء العام. ومن جهة أخرى، يطرح المشروع تحديات محتملة تتعلق بتكلفته العالية مقارنة بالبدائل البنية التحتية التقليدية، وتعقيد صيانته المستقبلية بسبب نظام السارية الأحادي والتقنيات المتقدمة المستخدمة، إضافةً إلى التأثيرات البيئية المحتملة على النظام الإيكولوجي لمصبّ نهر تامسوي رغم التدابير الوقائية. كما أن التركيز الكبير على البعد الرمزي والجمالي قد يقلل من الأولويات العملية في بعض الجوانب التشغيلية اليومية، مثل مرونة التوسع المستقبلي أو القدرة على التكيف مع تغيرات حركة المرور على المدى الطويل. مع ذلك، يظل المشروع مثالاً يمكن الاستفادة منه في دراسة التوازن بين الابتكار الفني والهندسي وبين الاعتبارات العملية والتكلفة والاستدامة، ويقدّم دروساً مفيدة للمهندسين والمخططين المعماريين حول إمكانيات تصميم جسور ذات طابع معاصر ومتعدد الوظائف ضمن بيئة حضرية حساسة.



قُدم لكم بكل حب وإخلاص من فريق ArchUp

لا تفوّت فرصة استكشاف المزيد من أخبار معمارية في مجالات الفعاليات المعمارية، ومشاريع معمارية، عبر موقع ArchUp.

Further Reading from ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *