جناح القمر في هويتشو: قصيدة من خرسانة وضوء
عندما يصغي المعماريون إلى الشعر
أحيانًا تأتي التحوّلات الأكثر إلهامًا حين يقرر المعماريون أن يُصغوا إلى الشعر، لا إلى ضجيج المدن. ففي مدينة هويتشو الصينية، قدّم مكتب Atelier Guo في شنغهاي مثالًا مدهشًا على هذا التفاعل بين الفن والعمارة، حين حوّل دفيئة زراعية مهجورة إلى فضاء معماري يتجاوز المألوف.
من الدفيئة إلى جناح القمر
ما كان في الماضي بيتًا للزرع والرطوبة أصبح اليوم مساحة للتأمل والجمال، تُعرف باسم “جناح القمر” (Moon Pavilion). هذا الجناح لا يهدف فقط إلى إعادة استخدام المكان، بل إلى إحياء روحٍ شعرية تجمع بين القديم والجديد، بين الرمزية الشرقية العريقة وهدوء التصميم المعاصر.
القصيدة التي ألهمت التحوّل
تبدأ القصة من قصيدة صينية قديمة تصوّر شاعرًا ثملًا يبتسم وسط حقل من الزهور.
لكن المعماريين لم يسعوا لترجمة الصورة حرفيًا إلى بناء. بدلًا من ذلك، اختاروا طريقًا أكثر تجريدًا، يفتح الباب أمام التأمل. فحوّلوا تلك الدفيئة المهجورة إلى قماش معماري تداخلت فيه رموز الماء والقمر والزهور والقارب في مشهد بصري يعكس انسجام الإنسان مع الطبيعة.

تكريم الماضي والحاضر في آنٍ واحد
ما يجعل مشروع جناح القمر آسرًا بحق هو قدرته على الجمع بين الحنين والحداثة، حيث يكرّم الماضي دون أن يُحبسه، ويحتفي بالحاضر دون أن يقطعه عن جذوره.
فحتى وإن اختفت ملامح الدفيئة الزراعية الأصلية، إلا أن روحها ما زالت تنبض في المكان، ولكن بطرق خفية وغير متوقعة.
قراءة في ملامح الهيكل القديم
قبل الشروع في إعادة البناء، قام المعماريون بدراسة دقيقة للهيكل الأصلي الذي كان يتكوّن من شبكة معدنية خفيفة تتصل بمفاصل دقيقة. هذا الهيكل المؤقت، الذي كان يومًا ما وسيلة عملية للزراعة، تحوّل في نظر المصممين إلى لغة إنشائية يمكن إحياؤها من جديد.
من المؤقت إلى الدائم
أعاد فريق Atelier Guo تخيّل تلك العناصر بأسلوب يجعلها أكثر ديمومة، دون أن تفقد خفّتها وشفافيتها المعهودة. وهكذا وُلد توازن نادر بين الصلابة والنعومة، بين ما يمكن لمسه وما يمكن الإحساس به فقط.



القمر بوصفه قلب الجناح
في قلب هذا المشروع يقف التركيب الفني القمري الذي يمنحه روحه وفرادته. فهو ليس مجرد تفصيل جمالي، بل محور بصري وفلسفي يدور حوله التصميم بأكمله.
القمر الاصطناعي.. انعكاس للسماء على الأرض
على أحد جوانب الجناح، يبرز عمل فني دائري قابل للدوران يستحضر صورة القمر بكل ما فيها من غموض وتحوّل. هذا العنصر لا يكتفي بعكس الضوء، بل يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والسماء، ليخلق نظيرًا معماريًا لذلك الجرم السماوي الحقيقي.
بين الواقع والفن
من بعيد، يلمع القمران ، الحقيقي والاصطناعي ، فوق سطح البركة المحيطة بالمبنى، في مشهد بصري يثير الدهشة. هناك، يتداخل الضوء بالماء، والحقيقة بالخيال، لتتحول التجربة إلى تساؤل مفتوح:
هل ما نراه انعكاس للواقع؟ أم تجسيد لخيال معماري بلغ حدّ الشعر؟



حكاية الارتقاء والتحوّل
لا يكتفي جناح القمر بأن يكون مشروعًا معماريًا، بل يحكي قصة تحوّل ورحلة صعود تتجسّد في كل تفصيل من تفاصيله. فالتصميم هنا ليس بناءً جامدًا، بل سرد بصري يعبّر عن الحركة والتبدّل.
الأرض المرتفعة.. ذاكرة من طقوس الطبيعة
في الطابق الثاني، يشكّل اللوح الخرساني أرضًا مرتفعة تستحضر عادةً صينية قديمة تمثّلت في رفع القوارب أثناء فترات الجفاف. بذلك، يتحول العنصر الإنشائي إلى استعارة عن الاستعداد الدائم للتجدّد، وعن العلاقة المستمرة بين الإنسان ودورات الطبيعة.
الأعمدة والسفينة
يستند هذا اللوح إلى مجموعة غير منتظمة من الأعمدة الفولاذية التي تخفي الأنظمة الميكانيكية بعناية، فيما تُحاكي خطوطها هيئة هيكل سفينةٍ في طور التكوين.
أما جمالون السقف، فقد ارتفع أعلى مما كانت عليه الدفيئة الأصلية، ليمنح الإحساس بأن المكان بأسره سفينةٌ تستعد للإبحار في عتمة الليل ، رحلة من الأرض إلى الحلم، ومن الثبات إلى الانطلاق.



استمرار الغاية رغم التحوّل
من أكثر ما يثير التأمل في مشروع جناح القمر هو قدرته على الحفاظ على جوهر الدفيئة الأصلية رغم تغيّر شكلها بالكامل. فالمكان لم يعد دفيئة بالمعنى التقليدي، ومع ذلك ما زالت روح الزراعة والإنبات حاضرة فيه، تنبض بين تفاصيل التصميم كما لو أنها لم تغادره قط.
الزراعة كامتداد للعمارة
لم يحفظ المعماريون البنية المادية القديمة، بل أعادوا تجسيد معناها بطريقة جديدة. فقد صُمّم الفضاء بحيث يُبقي الطبيعة جزءًا فاعلًا من التجربة المعمارية، لا مجرد خلفية جمالية.
ومن خلال تدرّج نباتي مدروس بعناية، تمكّنوا من إذابة الحدود بين الداخل والخارج، بين المعمار والبيئة.
انسجام الضوء والنبات
زرعت النباتات التي تتحمّل الظل تحت اللوح الخرساني المرتفع، بينما امتدت الأنواع المحلية إلى ما وراءه، في اندماج بصري وبيئي متناغم.
بهذا الأسلوب، لم تعد العمارة غلافًا للطبيعة، بل جسرًا يربطها بالإنسان، في تذكيرٍ رقيق بأن البناء يمكن أن يزدهر مثل الحديقة، إذا صُمم بقلبٍ يصغي.


الاستدامة كفلسفة لا كإجراء
لا يتوقف مفهوم الاستدامة في جناح القمر عند حدود إعادة استخدام المواد أو التقنيات البيئية، بل يتجاوزها نحو فهم جوهر المكان ذاته. فالفريق المعماري لم يسعَ إلى الترميم فقط، بل إلى تكريم الذاكرة المكانية عبر صياغة لغة تصميمية جديدة تنبع من روحها الأصلية.
تنفّس طبيعي وتكامل مع البيئة
اعتمد المشروع على أنظمة تهوية سلبية وتقنية التبريد بالضباب التي تعمل بتناغم مع الظروف المناخية المحيطة. هذه الحلول تحقق الراحة الحرارية دون المساس بخفّة البنية البصرية أو بعلاقة الجناح الحميمة مع الطبيعة من حوله.
فالاستدامة هنا ليست خيارًا تقنيًا، بل حالة من الانسجام بين الإنسان والبيئة.
عرض معماري تحت ضوء القمر
عند التجوّل حول الجناح، يشعر الزائر كما لو أنه يشاهد عرضًا مسرحيًا متغيّر الإيقاع.
ينحني الظلّ على سطح الماء في حركةٍ تُشبه صعود القمر البطيء فوق الأفق، وكل خطوة على حافة البركة تكشف زاوية جديدة تجعل المبنى يتحوّل ويتبدّل باستمرار ، تمامًا مثل الجرم السماوي الذي استُلهم منه.

الشعر في جوهر العمارة
يمثّل هذا المشروع، الذي جرى بالتعاون مع الفنانين ميلين غاو (Meilin Gao) وغانغ شو (Gang Xu)، لحظة نادرة في مشهد العمارة المعاصرة. فهو يذكّرنا بأن العمق لا يُقاس بالحجم أو التكلفة، بل بقدرة المبنى على التقاط روح المكان وإعادة التعبير عنها بلغةٍ شاعرية.
من البساطة إلى الدهشة
من خلال تحويل دفيئة زراعية مهجورة إلى مساحة للتأمل والفن، استطاع فريق Atelier Guo أن يخلق حوارًا بين الماضي والمستقبل، بين المادة والخيال. النتيجة هي عملٌ معماري يجسّد فكرة الولادة الجديدة ، أن الجمال يمكن أن ينبثق من الهجر، وأن الفن يمكن أن يزهر من البساطة.
رؤية جديدة للعالم
يبرهن جناح القمر (Moon Pavilion) أن العمارة لا تقتصر على حماية الإنسان من الطبيعة، بل يمكنها أن تمنحه وسيلة لرؤية الطبيعة ذاتها بعيونٍ جديدة. فهنا، تتحوّل اللحظات العابرة ، انعكاس ضوء، نسمة هواء، ظلّ على الماء ، إلى تجارب استثنائية تذكّرنا بجوهر العيش بوعي وجمال.


✦ تحليل ArchUp التحريري
جناح القمر في هويتشو يقدّم تجربة معمارية فريدة تجمع بين الشعر والخرسانة والطبيعة، ويستحق الإشادة على مستوى التخيّل البصري والانسجام بين العناصر الطبيعية والمبنية. ينجح المشروع في إثارة الفضول وتحفيز التأمل، ويحوّل لحظات بسيطة إلى تجارب حسّية ومعرفية مميزة. مع ذلك، قد يجد البعض أن الرمزية المكثفة والتجريدية في التصميم تجعل فهم الفكرة الأساسية للمشروع تحديًا، وقد يشعر بعض الزوار بأن المزيج بين الشكل والوظيفة أقل وضوحًا مقارنة بمشاريع أكثر تقليدية. كما أن التركيز على التجربة البصرية والشعرية قد يقلل من الجانب العملي أو الوظيفي للبناء في الاستخدام اليومي، مما يترك الانطباع بأن المشروع يقدّم أكثر جمالًا وتأملًا من كونه مساحة عملية قابلة للاستفادة المباشرة.
قُدم لكم بكل حب وإخلاص من فريق ArchUp
لا تفوّت فرصة استكشاف المزيد من أخبار معمارية في مجالات الفعاليات المعمارية، و التصميم، عبر موقع ArchUp.