Joel Quayson –

ديور والصورة: تحولات الهوية والفن في عصر ما بعد الفوتوغرافيا

Home » الأخبار » النقاشات المعمارية » ديور والصورة: تحولات الهوية والفن في عصر ما بعد الفوتوغرافيا

العلاقة العميقة بين ديور والتصوير الفوتوغرافي: قراءة في التوجه الإبداعي للدار

جذور فنية تسبق الأزياء

عندما تحدث بيتر فيليبس، المدير الإبداعي ومدير الصورة في Dior Beauty، عن المصمم الراحل كريستيان ديور، لفت الانتباه إلى جانب قد لا يعرفه الكثيرون. قال:

«غالبًا ما ينسى الناس أن كريستيان ديور كان قيِّمًا فنيًا قبل أن يصبح مصمم أزياء.»

هذه الملاحظة جاءت خلال لقاء معه في مدينة آرل، الواقعة في منطقة بروفانس الفرنسية. المدينة تُعرف بهدوئها وجمالها. ومع ذلك، فهي أيضًا تحتضن منذ أكثر من خمسين عامًا واحدًا من أعرق مهرجانات التصوير الفوتوغرافي في العالم: مهرجان Rencontres d’Arles.

استثمار في الفنون البصرية

في عام 2017، أعلنت دار ديور عن شراكة استراتيجية مع مؤسسة لوما للفنون المعاصرة. تمخض عن هذه الشراكة إطلاق “جائزة ديور للتصوير والفنون البصرية للمواهب الشابة”. هذه الخطوة لم تكن مجرد رعاية ثقافية. بل جاءت ضمن توجه أوسع لإعادة وصل الجسور بين الموضة والفن.

ومن الجدير بالذكر أن مؤسسة لوما لعبت دورًا محوريًا في تغيير المشهد الثقافي للمدينة. لا سيما بعد افتتاح برجها الشهير الذي صممه المعماري فرانك غيري في عام 2021. هذا البرج أضاف بُعدًا بصريًا ومعماريًا جديدًا إلى آرل.

التصوير… جزء من هوية ديور

بحسب فيليبس، فإن الفن ليس غريبًا عن ديور، بل هو متجذر في تركيبتها الإبداعية:

«من الناحية التاريخية، لطالما كان لكل مدير إبداعي في ديور ارتباط بالفن، سواء من خلال التعاون مع الفنانين أو جمع أعمالهم، لذا فإن هذا النهج يتماشى تمامًا مع الحمض النووي للدار.»

ما لم يقله فيليبس بوضوح، هو أن التصوير الفوتوغرافي بالتحديد كان حاضرًا دومًا في هوية الدار. من الحملات الإعلانية إلى جلسات التصوير التحريرية في المجلات، مرورًا بالتوثيق التاريخي، ساهمت العدسة في رسم صورة ديور أمام العالم.

آرل… مرآة المصورين كما باريس للمصممين

في ختام حديثه، أشار فيليبس إلى تشبيه معبر:

«ما تمثله باريس لمصممي الأزياء، تمثله آرل للمصورين.»

بهذا التشبيه، يضع فيليبس مدينة آرل في موقع رمزي موازٍ لعاصمة الموضة. وهو يؤكد على مركزيتها في عالم التصوير الفوتوغرافي. آرل تمثل تمامًا كما باريس قلب صناعة الأزياء.

استكشاف الهوية في عيون الجيل الجديد من المصورين

دعوة عالمية للتعبير البصري

ضمن مبادرة سنوية بارزة، دعت جائزة Dior Beauty طلابًا من مختلف أنحاء العالم لتقديم أعمال فوتوغرافية. تلك الأعمال تعبّر عن موضوع يحمل عنوان «وجهًا لوجه». هذه الدعوة فتحت الباب أمام الشباب لاستكشاف مفاهيم معقدة وشخصية من خلال عدساتهم. كانت التجربة فنية تتجاوز الجانب التقني.

تطوّر ملحوظ في طبيعة المشاركات

يشير بيتر فيليبس إلى أن طبيعة الأعمال المشاركة تطورت بمرور الوقت. فقد كانت المشاركات في السنوات الأولى أكثر تجريدًا أو فنية، لكن لاحقًا بدأ يظهر تأثير الواقع العالمي على المحتوى.

فعلى سبيل المثال، خلال فترة جائحة كوفيد-19، اتجهت الأعمال نحو طابع أكثر قتامة. كان هناك تراجع ملحوظ في عدد المشاركين نتيجة إغلاق المدارس والمؤسسات التعليمية. ومع ذلك، ومع انحسار الأزمة، شهدت الجائزة عودة قوية، مصحوبة بنضج في المواضيع المطروحة.

الهوية كقضية مركزية

في الدورة الأخيرة، لاحظت لجنة التحكيم أن نحو 80% من المشاركات تناولت موضوع الهوية. المصورة اليابانية يوريكو تاكاغي أكدت ذلك، حيث كانت رئيسة اللجنة التي ضمت أيضًا فيليبس، وسيمون بيكر، والمصورة الجنوب إفريقية ليبوهانغ كغانْيي.

دوافع شخصية خلف الكاميرا

تقول تاكاغي:

«أجد ذلك مفاجئًا ومثيرًا للاهتمام. لقد أدركت أن الكثير من الشباب يعانون من مسألة الهوية بطرق مختلفة — بعضهم يستكشف قضايا تتعلق بالأسرة، أو الجنس، أو الجنسية — وهم يرون أنفسهم من الداخل كما من الخارج.»

هذا التوجه نحو الذات يعبّر عن وعي جمالي وفلسفي جديد لدى الجيل الصاعد. إذ لم تعد الصورة مجرد وسيلة لتوثيق الواقع. بل أصبحت أداة لفهم الذات وإعادة تعريف الانتماء.

woman walking

نحو أشكال جديدة من التعبير البصري: جائزة ديور والفن ما بعد الفوتوغرافيا

لجنة تحكيم من أصوات متنوعة

ترأست المصورة اليابانية يوريكو تاكاغي لجنة تحكيم جائزة ديور للتصوير والفنون البصرية للمواهب الشابة لعام 2025 في مؤسسة لوما آرل. اللجنة ضمت أيضًا شخصيات بارزة مثل بيتر فيليبس وسيمون بيكر وليبوهانغ كغانْيي. هذا أضفى على المسابقة تنوعًا في الرؤى والأساليب التقييمية.

تحوّل في أدوات التعبير: من الفوتوغرافيا إلى الوسائط الهجينة

هذا العام، لوحظ تحوّل لافت في الوسائل الفنية المستخدمة. العديد من المشاركين اتجه نحو الفيديو، والمؤثرات الرقمية، والذكاء الاصطناعي. هذا كان بدلاً من اعتماد التصوير التقليدي بالأفلام كما كان الحال في الدورات السابقة.

  • الفنانة الصينية تشياني باو، المقيمة في شنغهاي، قدّمت فيديو بعنوان مطاردة نهر الريح. وثّقت فيه حياة مجتمعات الرعاة الرحّل في جنوب شرق هضبة التبت، بلغة بصرية شاعرية. الفيديو ينقل الإيقاع البطيء للطبيعة والعيش البدوي.
  • المصورة اليابانية مومو ناكاوا استخدمت التركيب البصري الرقمي بطابع نفسي–سيريالي، مكوَّن من طبقات مطبوعة ومصورة داخل استوديو. ثم دمجتها في فيديو يعكس استخدامها للذكاء الاصطناعي.
  • السويسرية ألين سافيوز ركزت على الخيال المستقبلي. فقامت بإنشاء صورًا لكائنات تشبه الفضائيين وسط خلفيات رقمية مصطنعة. كانت تحاول استكشاف العلاقة المتغيرة بين الإنسان والآلة.
  • أما الأمريكية رين روبرتس، فقدمت عملًا مزيجًا من الصورة والفيديو. استخدمت أشكال تجريدية وزهور ثلاثية الأبعاد على ورق “واشي” الياباني وخشب منحوت. تناولت موضوع تآكل الطبيعة — المستوحى من تجربتها الشخصية مع سرطان المرحلة الرابعة.
الفائز: تأمل صامت في الهوية

نال جويل كوايسون، الطالب في الأكاديمية الملكية للفنون في لاهاي، الجائزة الكبرى عن عمله المصوَّر How do you feel? — فيديو بورتريه ذاتي بطيء الإيقاع، يجمع بين الأداء الصامت والتعبير الجسدي والتجريد العاطفي.

في العمل، يظهر كوايسون جالسًا بهدوء، يحدّق مباشرة في الكاميرا. يضع مستحضرات التجميل ثم يخلعها. يبدّل ملابسه ثم يزيلها، وكأنه يواجه نفسه بلا أقنعة.
كل ذلك على خلفية سؤال يتكرر بصوت منخفض على مدار أربع دقائق وثمانية وعشرين ثانية:

«كيف تشعر؟»

هذا التكرار يحمل في طياته دعوة للتأمل الشخصي. ولكنه في ذات الوقت يعكس صراعه الشخصي مع هويته المتأرجحة بين الميول والتقاليد، خاصة في ظل نشأته الدينية في غانا.

ما وراء الكاميرا: التوتر بين التعبير والكتمان

كوايسون، رغم فوزه، أشار إلى أن عائلته تعلم بأمر الجائزة، لكنهم لم يشاهدوا العمل بعد. هذا يعكس توترًا بين الرغبة في التعبير والاحتياج للستر. يقول:

«أنا من يظهر في الفيديو، دون أن أتكلم، لكن كانت لدي رسالة أردت إيصالها. أردت من الناس أن يسألوا أنفسهم: كيف يشعرون؟ من هم؟ ما الذي قد يجعلهم يشعرون بتحسن؟ ولماذا نظهر أحيانًا بصور مختلفة عما نحن عليه؟»

تقييم لجنة التحكيم: البساطة التي تحمل عمقًا

علّقت تاكاغي على العمل بقولها:

«منذ أن رأيته، لم أستطع نسيانه. فيه بساطة وغموض في آنٍ معًا. لم أنسَ عينيه، ولا حركاته، ولا صمته. إنه يرى نفسه من الخارج، بينما يستكشف أعماقه من الداخل — وهذا يعكس شيئًا فينا جميعًا.»

عرض الأعمال ومنحة مستقبلية

سيحصل كوايسون على منحة مالية بقيمة 10,000 يورو من دار ديور. كما سيتم عرض عمله How do you feel? في البيت الأوروبي للتصوير الفوتوغرافي في باريس مطلع عام 2026.
وسيُعرض العمل أيضًا ضمن المعرض الجماعي لأفضل 10 مشاركين في مبنى لامبيستري بمؤسسة لوما آرل خلال الفترة من 5 يوليو إلى 5 أكتوبر 2025. وتجدر الإشارة إلى أن الفنانة رين روبرتس نالت تنويهًا خاصًا من لجنة التحكيم.


✦ تحليل ArchUp التحريري

ترسخ هذه الجائزة أهمية التصوير الفوتوغرافي كوسيط معاصر لإعادة تعريف الذات والهوية. كما تعكس ديناميكية الفن في العصر الرقمي، حينما تتحوّل الصورة من لحظة ساكنة إلى تجربة تأملية شاملة.


اكتشف أحدث المعارض والمؤتمرات المعمارية

نقدم في ArchUp تغطية يومية لأبرز الفعاليات المعمارية والفعاليات الدولية والمنتديات الفنية والتصميمية حول العالم.
تابع أهم المسابقات المعمارية, وراجع المنصات الرسمية, وابقَ على اطلاع عبر الأخبار المعمارية الأكثر مصداقية وتحديثًا.
يُعد ArchUp منصة موسوعية تجمع بين الفعاليات وفرص التفاعل المعماري العالمي في مكان واحد.


Further Reading from ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 تعليقان

  1. بخصوص ✦ تحليل ArchUp التحريري
    ، نامل الالتزام باري تحريري محايد يوفر جوانب نقدية و ايجابية مهنية وفق لشروط التحرير في المنصة
    و نشكركم جدا علي الموضوع و المختص في مجال التصميم