شنغهاي بين فيضانات المستقبل وتلوث الهواء: العمارة الخضراء كخط دفاع أول
شنغهاي: مدينة على خط المواجهة مع تغير المناخ
تقع مدينة شنغهاي عند مصب نهر اليانغتسي، وهي إحدى أكثر مدن العالم نشاطًا وحيوية. فهي تضم أكبر الموانئ ازدحامًا على مستوى العالم، وتشكل المركز المالي الأبرز في الصين، كما تتميز بعمارتها المدهشة على طراز الآرت ديكو في بعض المناطق.
ومع ذلك، فإن هذه المزايا تواجه تحديات جدية بفعل تغير المناخ، وخاصة خطر ارتفاع مستوى سطح البحر.
هشاشة أمام الفيضانات
بمتوسط ارتفاع لا يتجاوز 4 أمتار فوق مستوى المد، يعيش سكان شنغهاي وهم مدركون لمدى تعرض مدينتهم لخطر الفيضانات. ويزيد من حدة هذه المخاطر موقعها في المنطقة المدارية، حيث شهد موسم الأمطار لعام 2024 أقوى عاصفة تضرب المدينة منذ 75 عامًا.
وتشير التوقعات إلى أن مثل هذه الظواهر الجوية ستصبح أكثر تكرارًا في المستقبل.
إعصار بيبينكا: جرس إنذار قوي
كان إعصار بيبينكا (Bebinca) ثالث إعصار فقط يصل اليابسة في شنغهاي منذ عام 1949. بلغت سرعة رياحه حوالي 150 كم/س، وهو ما يضعه ضمن قوة إعصار من الدرجة الثانية تقريبًا.
هذا الحدث أجبر على إجلاء 400 ألف شخص من جنوب شرق الصين، وكشف عن هشاشة البنية التحتية في المدينة، التي بدأت تعاني في اللحظات الأولى من العاصفة.
حلول مبتكرة لمواجهة التحديات
استجابة لهذه المخاطر، بدأت الحكومة المحلية في دراسة وتنفيذ مشاريع تهدف إلى الحد من تأثير العواصف.
أحد أبرز هذه المشاريع هو إنشاء “الحدائق الإسفنجية“، مثل حديقة لينغانغ ستاري سكاي الترفيهية، التي تعد الأكبر من نوعها في شنغهاي.
ما هي الحديقة الإسفنجية؟
تمتد الحديقة على مساحة 54 هكتارًا، منها 16 هكتارًا من المسطحات المائية، وتضم:
- أرصفة قابلة لنفاذ المياه
- أنظمة لجمع وتخزين وتنقية مياه الأمطار
- بنية تحتية لإعادة تغذية المياه الجوفية
- تشجير مكثف باستخدام نباتات محلية وأنواع أخرى مثل زهرة البيجونيا الأمريكية، الكرز الشرقي، وطحلب الكناري
هذه المكونات تسمح بتجميع مياه الأمطار وإطلاقها تدريجيًا، مما يخفف من خطر الفيضانات ويدعم استدامة الموارد المائية.
مشروع طائرة الأوريغامي الخالية من الكربون
وسط الجهود المبذولة لتعزيز الاستدامة في شنغهاي، يبرز مشروع طائرة الأوريغامي الذي أنجزته مجموعة الصين للتصميم والبحث المعماري عام 2022، بعد عام واحد من افتتاح حديقة لينغانغ ستاري سكاي.
هذا المبنى يخدم كمركز للزوار وجناح ثقافي، ويجمع بين التصميم المعماري المبتكر والاعتبارات البيئية.
تصميم مستوحى من الطبيعة والحركة
يقع المبنى على حافة مسطح مائي، وتحيط به أشجار مزروعة بعناية. أما الممرات المؤدية إلى المدخل، فتتميز بإضاءة غائرة تمنح الزائر تجربة عبور مميزة.
في الداخل، تنقسم المساحات ، التي تشمل استقبالًا، وقاعة محاضرات، وقاعات للمعارض والمؤتمرات ، وفق مستويات ارتفاع مختلفة، ما يخلق فصلًا واضحًا بين الوظائف ويوفر بيئة ملائمة لأنشطة متنوعة.
سقف مطوي بوظائف متعددة
عند النظر إلى المبنى من الأعلى، يلفت الانتباه السقف المطوي الذي يشبه طائرة ورقية. هذا التصميم لا يقتصر على الجانب الجمالي فحسب، بل يدمج أيضًا ألواحًا شمسية بتقنية BIPV، قادرة على توليد نحو 107% من احتياجات المبنى من الطاقة.
كفاءة طاقية وتقليل البصمة البيئية
لتحقيق الاستدامة، يعتمد المبنى على:
- التهوية الطبيعية للحد من استخدام أجهزة التكييف
- النوافذ الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف لزيادة الإضاءة الطبيعية
- دمج أنظمة وتقنيات تقلل من استهلاك الطاقة وتحد من الأثر البيئي الكلي
هذه العناصر مجتمعة تجعل المبنى مثالًا على كيف يمكن للتصميم المعماري أن يخدم الوظيفة والجمال، وفي الوقت نفسه يدعم الأهداف البيئية.
نحو مبنى خالٍ من الكربون وذو طاقة إيجابية
تشكل عناصر التصميم والتقنيات المدمجة في مشروع طائرة الأوريغامي أساسًا لجعل المبنى خالٍ من الكربون وذو طاقة إيجابية، أي أنه ينتج من الطاقة أكثر مما يستهلك.
ومع أن المساحات الخضراء المحيطة صُممت لحماية المدينة من آثار الطقس القاسي، فإن الأنظمة الداخلية صُممت لحماية الموظفين والزوار من المخاطر البيئية المباشرة.
أنظمة مراقبة ذكية للبيئة الداخلية
يحتوي المبنى على مجموعة من الحساسات المتطورة التي تراقب باستمرار:
- درجة الحرارة والرطوبة
- مستويات الغازات الخطرة مثل ثاني أكسيد الكربون
- المركبات العضوية المتطايرة الكلية (TVOC)، وهي ملوثات ترتبط غالبًا بجودة الهواء الداخلي
إضافة أجهزة قياس TVOC تمثل توجهًا مستقبليًا مهمًا، خاصة أن هذه المسألة لا تزال مهملة في كثير من المؤسسات، باستثناء القطاعات الصناعية التي تفرض تنظيمات صارمة نظرًا لتعرض العاملين لانبعاثات سامة خلال عمليات الإنتاج.
الجسيمات الدقيقة PM2.5: خطر غير مرئي
إلى جانب الغازات، تتم مراقبة مستويات PM2.5، وهي جسيمات دقيقة يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر.
بسبب حجمها المتناهي الصغر، يمكن لهذه الجسيمات اختراق الجهاز التنفسي والوصول إلى الرئتين، ومن هناك إلى مجرى الدم.
تشير الدراسات إلى أن هذه الجسيمات يمكن العثور عليها في أعضاء مختلفة مثل الدماغ، الكبد، والمثانة، وأنها ترتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض خطيرة مثل أمراض القلب والسرطان.
شنغهاي وتفاقم تلوث الهواء
رغم أن العاصمة بكين احتلت لسنوات طويلة صدارة المدن الأكثر تلوثًا بالضباب الدخاني، فإن مدينة شنغهاي سجلت خلال الأعوام الخمسة الأخيرة مستويات أعلى بكثير من أخطر الملوثات، وهي جسيمات PM2.5.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن هذه الجسيمات مسؤولة عن نحو 4.2 مليون حالة وفاة سنويًا على مستوى العالم. حتى الدول التي حققت تقدمًا في الحد من تلوث الهواء، مثل المملكة المتحدة، تسجل قرابة 30 ألف وفاة سنويًا بسببها.
الهندسة المعمارية في مواجهة التلوث
ضمن جهود إعادة تعريف ممارسات البناء لجعلها أكثر استدامة، يبرز مشروع طائرة الأوريغامي كمثال يجمع بين الابتكار المعماري والوعي البيئي.
إلى جانب التصميم المراعي للبيئة، يتضمن المشروع أنظمة توعية وتثقيف للزوار حول مخاطر تلوث الهواء، وتشجيعهم على اتخاذ قرارات يومية أكثر أمانًا، مثل تجنب الخروج أثناء ارتفاع مستويات التلوث.
التكنولوجيا كوسيلة للحماية
يحتوي المبنى على وحدات معالجة الهواء النقي التي تعمل على زيادة الإمداد عند ارتفاع معدلات السمية، مما يحد من تعرض المتواجدين داخله للمخاطر الصحية.
ورغم أن الحاجة إلى مثل هذه الأنظمة تعكس واقعًا بيئيًا مؤسفًا، فإنها تمثل أيضًا استجابة متقدمة للتحديات المعاصرة التي تفرضها التغيرات البيئية والمناخية.
✦ تحليل ArchUp التحريري
يقدم مشروع طائرة الأوريغامي مثالًا ملهمًا على كيفية دمج التصميم المبتكر مع الحلول المستدامة، حيث ينجح في توليد طاقة تفوق احتياجاته، ويعزز وعي الزوار بمخاطر تلوث الهواء، ويوفر بيئة داخلية آمنة بفضل أنظمة المراقبة المتقدمة. في المقابل، يظل حجم المشروع وتأثيره المباشر محدودًا مقارنة بحجم التحديات البيئية التي تواجه مدينة كبرى مثل شنغهاي، كما أن اعتماده على تقنيات عالية قد يتطلب تكاليف صيانة وتشغيل مرتفعة على المدى الطويل. وبين هذين الجانبين، يبقى المبنى خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، وإن لم يكن الحل الشامل لكل القضايا المناخية والصحية في المدينة.
قُدم لكم بكل حب وإخلاص من فريق ArchUp
لا تفوّت فرصة استكشاف المزيد من أخبار معمارية، والفعاليات المعمارية، ومشاريع معمارية، عبر موقع ArchUp.