فيلا O في ليتوانيا: تجربة سكنية دائرية تنسج علاقة شاعرية مع الطبيعة
تصميم دائري يتحدى النمط التقليدي
في الريف الليتواني، جاء مشروع فيلا O كمثال على إعادة التفكير في مفهوم السكن العصري. تبلغ مساحة هذا المسكن 237 مترًا مربعًا، ويتميز بتصميم دائري يتخلى عمدًا عن الأشكال المستطيلة المعتادة، لصالح تكوين بصري وحركي أكثر ديناميكية.
انسجام مع الموقع الطبوغرافي
اختار المعماريون ( توماس أومبراساس، وأيداس بارزدا، وتاوتفيداس فيلييكيس ) أعلى نقطة في قطعة الأرض المطلة على البحيرة لتشييد هذا المنزل. هذا القرار لم يكن عشوائيًا، إذ سمح بتوفير إطلالات بانورامية ممتدة في جميع الاتجاهات، مما يعزز العلاقة البصرية مع المحيط الطبيعي.
تنظيم داخلي بنقطة ارتكاز مركزية
يتنظم الفضاء الداخلي للفيلا حول شكل مركزي مستوحى من رمز (+)، وهو محور تُقسَّم من خلاله المساحات إلى أربع مناطق معيشة مستقلة. هذا النوع من التنظيم يخلق توازنًا بين الانفتاح والخصوصية، ويُسهل التنقل الداخلي دون الحاجة إلى ممرات تقليدية.
العلاقة بين الداخل والخارج
من أبرز عناصر التصميم وجود أربع ساحات غارقة شبه مغلقة تم نحتها ضمن الهيكل ذاته. تلعب هذه الفراغات دورًا حاسمًا في إدخال الضوء الطبيعي إلى الداخل، وفي الوقت نفسه تمنح القاطنين مستوى عالٍ من الخصوصية، خاصة في ظل وجود عقارات مجاورة.
انفتاح مدروس على الطبيعة
توفر هذه الساحات مساحات انتقالية فريدة تربط بين الداخل والخارج. فهي لا تعمل فقط كعناصر تهوية وإضاءة، بل تسهم في دمج الطبيعة ضمن التجربة المعمارية اليومية، دون أن تفقد البنية صلابتها أو جمالها الهندسي.
انسجام مادي مع البيئة
تُغلف الواجهات الخارجية للفيلا بطبقات من الخشب المعالج حراريًا، تتناغم بانسجام مع عناصر الخرسانة الخام. لا يقتصر هذا التوظيف المادي على الجمال البصري فقط، بل يُعبّر عن رغبة في خلق تكامل مع الطبيعة المحيطة وتغيرات الفصول في ليتوانيا. ومع مرور الزمن، يزداد هذا المزيج المادي ثراءً بصريًا بدل أن يتدهور، مما يساهم في استدامة الجاذبية الجمالية للبناء.
الخرسانة كعنصر نحتي
تمتد الخرسانة المنحدرة بلطف من الواجهات إلى الداخل، لتضفي على المسكن طابعًا نحتيًا هادئًا، لا يطغى على الجو العام بل يعززه. بفضل هذه الميول الدقيقة في الجدران، يظهر إحساس بالاتساع في المساحات الداخلية، ويتولد تفاعل بصري غني نتيجة تغير الظلال مع حركة الشمس على مدار اليوم.
استجابة عمرانية لتقلبات المناخ
هذا التكوين المادي ليس مجرد اختيار جمالي، بل يُمثل استجابة مدروسة للبيئة. فبينما يواجه الخشب والخرسانة عوامل الطقس المتغيرة، فإنهما يتفاعلان مع هذه العوامل بمرونة، مما يضمن بقاء الفيلا محافظة على حضورها المعماري مهما تغيرت المواسم.
تحديات التصميم الدائري
رغم ما يمنحه الشكل الدائري من تجربة معيشية فريدة، إلا أنه يطرح مجموعة من التحديات الخاصة. فعلى سبيل المثال، يصعب تطبيق توزيع الأثاث التقليدي في الفضاءات المنحنية، ما يدفع السكان للابتكار والبحث عن حلول غير تقليدية تتماشى مع طبيعة المساحات الدائرية.
جماليات تحتاج إلى رعاية عملية
أما الساحات الغارقة، التي تشكل عنصراً بصريًا مميزًا، فتتطلب عناية خاصة في فصول الشتاء القاسية. إذ أن تراكم الثلوج في هذه الفراغات قد يخلق مشاكل عملية، ما يجعل من الضروري التفكير في كيفية إدارة هذه المساحات دون الإخلال بجمالياتها.
تحول موسمي يكشف عمق الاندماج مع الطبيعة
في فصل الشتاء، تشهد فيلا O تحولًا بصريًا لافتًا، حيث يُغلفها الثلج حتى تكاد تختفي عن الأنظار. يظهر المبنى حينها كأنه جزء من حلم ضبابي، مما يعزز شعور الاندماج الكامل مع المشهد الطبيعي المحيط.
في هذا السياق، لا يعود الشكل الدائري مجرد قرار تصميمي، بل يتلاشى تدريجيًا في تضاريس الأرض، ليصبح امتدادًا لها بدلًا من أن يفرض وجوده.
فهم معماري لتغيرات المناخ
هذا التفاعل الموسمي يعكس فهمًا عميقًا لدى المصممين حول كيفية استجابة العمارة للبيئة في ظروف الطقس المختلفة. فالمنزل لا يقف في مواجهة الطبيعة، بل يختار أن يتكيف معها، ويُجسد بذلك مفهوم العمارة المستجيبة للمناخ.
إعادة تعريف العمارة السكنية
تشكل الفيلا مثالًا واضحًا على إمكانية تجاوز الأنماط السكنية التقليدية. فبدلاً من الاعتماد على تخطيط مستطيل معتاد، يُقدَّم المخطط الدائري كوسيلة لتجربة معيشية أكثر حيوية وتفاعلاً. هذه التجربة لا تنفصل عن الطبيعة، بل تبني معها علاقة متوازنة تتخلل تفاصيل الحياة اليومية.
مزج بين الابتكار والراحة
بفضل التخطيط المدروس للموقع، واختيار المواد بعناية، وتنظيم المساحات الداخلية بدقة، تتمكن الفيلا من الجمع بين كونها ملاذًا هادئًا وتجربة معمارية مبتكرة. هذه المعادلة الصعبة تُثبت أن العمارة المعاصرة يمكن أن تكون عملية دون أن تُفرط في الإبداع، أو تنقطع عن الطبيعة.
خصوصية الفِناء… وسؤال الصيانة
ورغم أن الأفنية الأربعة الغارقة تُضفي على المسكن طابعًا بصريًا مميزًا، فإنها تفرض في المقابل متطلبات صيانة مستمرة، سواء من ناحية تنسيق المسطحات الخضراء أو تصريف المياه.
ومع ذلك، تبقى هذه الفضاءات عنصرًا فريدًا يُثري التجربة اليومية، ويُقدم منظورًا مختلفًا لحياة سكنية هادئة على ضفاف البحيرة.
✦ تحليل ArchUp التحريري
رغم الإبداع المعماري الواضح في فيلا O، يظل المشروع مثالًا مثيرًا للنقاش حول حدود الجمال والعملية. فمن جهة، يقدم التصميم الدائري تجربة معيشية استثنائية تخرج عن القالب التقليدي، وتُسهم في تعزيز العلاقة مع البيئة الطبيعية المحيطة. كما يُظهر اختيار المواد وتنظيم الفضاءات فهماً عميقًا لمفاهيم الاستدامة والانفتاح.
لكن من جهة أخرى، يطرح المشروع تساؤلات عملية تتعلّق بإمكانية تعميم هذا النموذج على نطاق أوسع. فالتحديات المرتبطة بتوزيع الأثاث، وإدارة المساحات الغارقة في ظل الظروف المناخية القاسية، قد لا تتناسب مع جميع أنماط الاستخدام أو الميزانيات. كذلك، فإن مستوى الصيانة المطلوب للحفاظ على التكامل البصري والوظيفي للمنزل قد لا يكون عمليًا في سياقات أخرى.
وبين الجرأة المعمارية والواقع المعيشي، تبقى فيلا O تجربة مهمة في اختبار حدود العمارة السكنية، تفتح الباب لمزيد من المشاريع التي توازن بين الابتكار والاستدامة، دون أن تغفل عن متطلبات الحياة اليومية.
قُدم لكم بكل حب وإخلاص من فريق ArchUp
لا تفوّت فرصة استكشاف المزيد من مشاريع معمارية، والتصميم الداخلي، والمدن، عبر موقع ArchUp.