مكتبة نحن: تصميم معماري يدمج الحركة والضوء والصوت في تجربة القراءة
مكتبة متحركة على شاطئ ميامي بيتش
على رمال ميامي بيتش، حيث يمتزج الأفق عادة بين الماء والسماء، قدّمت الفنانة إيز ديفلين تجربة معمارية غير تقليدية. فقد أضافت إلى المشهد العام شيئًا غير متوقع: مكتبة تتحرك، تُعرف باسم “مكتبة نحن”.
تصميم يجمع بين الحركة والثقافة
تمثل المكتبة عملًا مركزيًا في أسبوع فنون ميامي 2025، حيث صُمم ليكون مساحة تتجاوز مجرد عرض فني. فهي لا تدعو الزوار للاستهلاك السريع، بل للتوقف، والتأمل، والقراءة، ومشاركة الوقت مع الآخرين. بهذا المعنى، يتحول المكان إلى ملاذ معرفي، يدمج بين العمارة والفن والثقافة بشكل متناغم.
قلب المكتبة: رف الكتب الدوار
في مركز المكتبة، يقف رف كتب ثلاثي الشكل بارتفاع ستة أمتار، طويل وواسع، لكنه يتحرك برفق. يبلغ طول الهيكل 15 مترًا ويضم حوالي 2,500 كتاب، مُرتبة بطريقة تجعلها جزءًا من نظام حي بدلًا من كونها مجرد عناصر ثابتة.
تتمثل الخاصية الأبرز لهذا الرف في حركته الدورية؛ فهو يدور حول محوره مرة كل عشر دقائق، بسرعة بطيئة تكاد لا تُلاحظ. هذه الحركة التدريجية تخلق إحساسًا بالهدوء والانسيابية، وكأن العمارة نفسها تتنفس.
تجربة حسية جديدة
من خلال الدمج بين الحركة البطيئة والكتب والموسيقى، يقدم هذا العمل تجربة حسية فريدة. فالزائر لا يمر بالمكان مرورًا عابرًا، بل يُشجع على الانخراط، سواء بالقراءة أو بالملاحظة أو بالتفاعل مع المباني والبيئة المعمارية. هذه الفكرة تطرح سؤالًا مهمًا حول دور العمارة في تعزيز التأمل الثقافي والاجتماعي، وتُظهر كيف يمكن للفضاءات العامة أن تتحول إلى محفزات للمعرفة والتجربة الإنسانية.
انعكاس العمارة على الماء
يحيط برف الكتب بركة ضحلة تعمل كمرآة، تعكس الهيكل بالكامل وتضاعف حضوره البصري، بينما تخفف الحدود بين المبنى وبيئته الطبيعية. في هذا الإطار، تتكامل عناصر الفولاذ والخشب البحري الرقائقي والماء والمرآة وإضاءة الـLED لتخلق منظرًا طبيعيًا عاكسًا. هذه التوليفة تجعل المكان أكثر انسيابية؛ فالكتب والكلمات لا تُعرض بالقوة، بل تنساب برقة مع حركة الضوء والماء.
الضوء والكلمات: لغة متحركة
يمتد خط LED بطول عشرة أمتار على عمود رف الكتب، ليحوّل الكلمات إلى تجربة ضوئية متحركة. هنا، تتحرك اللغة بوتيرة تشبه المد والجزر، على غرار حركة الصفحات، بدلًا من أن تكون ثابتة أو متقطعة كما في الإشعارات الرقمية. هذا التصميم يربط بين الكتابة والضوء والحركة بطريقة حسية جديدة، تجعل القارئ يلاحظ العلاقة بين الزمان والمكان واللغة.
قراءة جماعية متجددة
تحيط بالمكتبة طاولة قراءة دائرية ضخمة تتسع لمئات الأشخاص، مقسمة إلى حلقتين متقاربتين. تظل الدائرة الخارجية ثابتة، بينما تدور الدائرة الداخلية مع رف الكتب المتحرك. هذا الاختيار المعماري الدقيق يحوّل فعل القراءة الفردي إلى تجربة جماعية ديناميكية. مع كل دورة بطيئة، يجد القراء أنفسهم أمام مقطع جديد، كتاب جديد، أو شخص جديد على الجهة المقابلة، مما يخلق شعورًا بالزمن المشترك والتواصل الهادئ، دون الحاجة لأي تعليمات أو عروض مرئية.
العمارة كوسيط اجتماعي وثقافي
بهذه الطريقة، تتحول “مكتبة نحن” إلى أكثر من مجرد مساحة للقراءة؛ فهي تجربة حسية وثقافية واجتماعية في الوقت نفسه. فهي تطرح فكرة التصميم كوسيط للتواصل البشري، وتبرز كيف يمكن للتصميم المدروس أن يعيد تشكيل السلوكيات اليومية البسيطة، مثل القراءة، إلى تجربة غنية بالتفاعل والوعي بالمكان والآخرين.
الصوت كعنصر معماري وتجريبي
يعزز الصوت تجربة “مكتبة نحن” ويعمّق الأثر الحسي للزائر. تقدم ديفلين مقطعًا صوتيًا مدته 250 ثانية، تقرأ فيه بنفسها ويُدمج مع موسيقى دقيقة، ليملأ المكان بمجال صوتي متعدد الطبقات، يجمع بين أصوات وذكريات وقطع أدبية متنوعة. هذه البيئة الصوتية لا تُعد أداءً فنيًا تقليديًا ولا مجرد ضجيج خلفي، بل تقع في منتصف الطريق بين الاثنين، لتخلق فضاءً يمحو الحدود بين القراءة الخاصة والطقوس العامة.
المكتبة كمسرح مفتوح للتجربة الجماعية
تعمل “مكتبة نحن” في الوقت ذاته كمكتبة عامة، تمثال مضيء، وساحة للقراءة الجماعية. التصميم لا يقتصر على الشكل، بل يدمج الحركة والصوت والضوء لتقديم تجربة شاملة للزائر، حيث تصبح القراءة نشاطًا اجتماعيًا وحسيًا في آن واحد.
امتداد البحث الفني لديفلين
يمثل هذا المشروع استمرارًا لاستكشاف ديفلين للمكتبات كتماثيل حركية. ففي وقت سابق من عام 2025، قدّمت “مكتبة الضوء” في Pinacoteca di Brera في ميلانو، والتي جذبت قراءات جماعية يومية لما يقارب 200,000 زائر. وفي ميامي، توسع هذا البحث ليشمل مساحة الشاطئ المفتوح، متجاوزًا حدود المدن، ويعكس الطموح المدني والفني لأسبوع فنون فاينا.
الاستدامة الثقافية بعد انتهاء العرض
تولي إيز ديفلين أهمية للحياة ما بعد المشروع بقدر اهتمامها بالشكل ذاته. عند انتهاء أسبوع فنون ميامي، سيتم التبرع بجميع الكتب البالغ عددها 2,500، والتي تم توفيرها عبر شراكة مع Penguin Random House، للمكتبات العامة والمدارس والمنظمات المجتمعية في جميع أنحاء ميامي. بهذا الإجراء، يمتد تأثير العمل الثقافي والفني ليشمل المجتمع، متجاوزًا حدود الشاطئ والحدث المؤقت.
الأعمال المصاحبة: تجارب متعددة الطبقات
تكتمل تجربة “مكتبة نحن” من خلال تكليفين إضافيين يوسعان نطاق التأمل والتفاعل:
- غرفة القراءة داخل كاتدرائية فاينا: تتخذ شكل مقعد طويل بطول 14 مترًا مدمجًا مع رف كتب وشاشة LED، وقد بُنيت باستخدام عبارات ساهم بها موظفو الفندق، بما في ذلك فرق التدبير المنزلي، البستانيين، الأمن، المطعم، الصيانة، والمتعاونون القدامى. هذا التكامل بين المجتمع والعمارة يجعل العمل تفاعليًا وحيويًا.
- تتبع الزمن: عرض للرسومات واللوحات على الزجاج والورق والشاشات، يكشف عملية ديفلين الإبداعية من خلال الطبقات والتكرار وعلامات الرسم.
العمارة كحاضنة للغة والمشاركة
معًا، تشكل هذه الأعمال لوحة متكاملة للممارسة متعددة التخصصات لدى ديفلين. فـ”مكتبة نحن” ليست مجرد تركيب يمكن مشاهدته، بل تجربة معمارية تعيد تعريف القراءة، وتذكّرنا بأن اللغة تكتسب أعظم قوتها عندما تُشارك، تُبطأ، وتُحمل جماعيًا. هذا يبرز العمارة ليس فقط كمساحة مادية، بل كوسيط ثقافي واجتماعي يخلق تواصلًا جماعيًا ويعزز التفاعل بين الناس واللغة والفن.
✦ تحليل ArchUp التحريري
بينما يوفر مشروع “مكتبة نحن” تجربة حسية مبتكرة من خلال الدمج بين الحركة، الضوء، الصوت والقراءة الجماعية، فإنه يفتح أيضًا تساؤلات حول الفعالية المعمارية والوظيفية للمساحات العامة المؤقتة. على سبيل المثال، على الرغم من قدرة الرف الدوار على خلق ديناميكية بصرية وحسية، فإن سرعته البطيئة وحجمه الكبير قد تحدّان من قدرة الزوار على التفاعل معه بشكل عملي أو متكرر على المدى الطويل. كذلك، الاعتماد المكثف على عناصر تقنية مثل الإضاءة والوسائط الصوتية قد يضيف طبقة من التعقيد والصيانة المستمرة، وهو ما يطرح تحديات في العمارة المؤقتة التي يجب أن تكون قابلة للتشغيل بسهولة وبتكلفة معقولة.
من منظور التخطيط العمراني، يشير المشروع إلى إمكانيات توظيف العمارة لتعزيز التجربة الثقافية، لكنه يظل محدودًا في قدرته على تحويل سلوكيات المجتمع بشكل مستدام. يمكن الاستفادة من هذه التجربة في تصميم مساحات عامة مستقبلية، لكنها قد تكون أكثر تأثيرًا إذا اقترنت بمرونة أكبر، تكامل مع البيئة المباشرة، واهتمام بكيفية استمرار المشاركة بعد انتهاء الفعاليات.
باختصار، “مكتبة نحن” تقدم إشارات مهمة حول دمج الحركة والتفاعل في العمارة العامة، لكنها تطرح أيضًا أسئلة حول حدود العمارة المؤقتة، تكلفة الصيانة، والقدرة على تحقيق تأثير طويل الأمد على المستخدمين والمجتمع. هذه المقاربة التحليلية يمكن أن تساعد المعماريين والمصممين على استخلاص دروس حول توازن الابتكار الفني والوظيفي في المشاريع العامة.