مشروع Asympta يستكشف العلاقة بين الهياكل المؤقتة والمشهد الطبيعي في بانتاليكا
المقابر الصخرية في بانتاليكا: نافذة على الماضي
على طول نهر أنابو في صقلية، تنتشر أكثر من 4,000 مقبرة محفورة في صخور الحجر الجيري، تبدو كأفواه مفتوحة، شاهدة على حضارة ازدهرت قبل أكثر من ألف عام من الميلاد. تكشف هذه المقابر عن أماكن دفن الموتى بشكل دقيق، لكنها تظل صامتة بشأن تفاصيل الحياة اليومية، مثل المنازل والمطابخ والمساحات التي احتضنت الأنشطة العادية للسكان.
ملء الفراغ التاريخي بالتخيّل
يدرك الباحثون والفنانون أن هذه الفجوة في المعرفة تتيح مساحة للتأمل والتحليل، وليس فقط لإعادة بناء ما كان موجودًا. على سبيل المثال، يسعى بعض الفنانين إلى تخيل البيئات المفقودة من خلال أعمال تركيبية تعكس الطابع المؤقت والعضوي للهياكل القديمة. هذه المحاولات لا تدعي معرفة دقيقة بالواقع، بل تستخدم الروح العامة للمكان لتقديم رؤية تعليمية حول الحياة المحتملة في تلك الحقبة، مما يعزز فهمنا للارتباط بين الإنسان وبيئته عبر الزمن والبحوث المعمارية.
التخيّل المعماري كاستجابة للغياب التاريخي
في عام 2025، تم عرض عمل تركيبي يهدف إلى استكشاف العلاقة بين الحضور والغياب في المواقع التاريخية، قبل أن يُعرض مرة أخرى في بانتاليكا ضمن مهرجان فني عام 2026. يسلط هذا العمل الضوء على التباين بين المعرفة الثابتة بالموتى، كما هو موثق في النقوش الصخرية، والغياب الكبير للمعلومات حول الحياة اليومية لأولئك الذين صنعوا هذه المقابر.
احتضان فكرة الزوال وعدم الديمومة
يعكس الهيكل فكرة مؤقتة ومتحركة، مُعترفًا بهذا الفراغ المعرفي حول الحياة اليومية القديمة. من خلال تبنيه لمفهوم الزوال وعدم الثبات، يقدّم هذا التخيّل فرصة لفهم كيف يمكن للإنسان أن يتفاعل مع آثار الماضي المادية، وكيف يمكن للفن المعماري أن يعيد تصور البيئات المفقودة بطريقة تعليمية وتحليلية، بدلًا من الاكتفاء بالتوثيق الثابت.
المواد كمرآة للتراث المحلي
تلعب المواد المستخدمة في هذا النوع من الهياكل المؤقتة دورًا أكثر من كونه جماليًا؛ فهي تعكس الروابط العميقة بالتراث الجيولوجي والثقافي للمنطقة. على سبيل المثال، يُستخدم حجر الحمم البركانية المستخرج من جبل إتنا لتمثيل السقف، حيث يبرز سطحه الرمادي المسامي تاريخ تكوينه البركاني ويشير إلى جذور الأرض التي استُخرج منها.
الخشب والمعالجة التقليدية
يُستفاد من الخشب المحلي، المعالج بالنار وفق تقنيات قديمة، في تشكيل عوارض متفحمة تتفاعل مع الضوء لتُسقط ظلالًا إيقاعية. هذا الاستخدام لا يعكس فقط الجانب الجمالي، بل يربط بين المادة والتقنيات التقليدية التي تمثل جزءًا من الثقافة الحرفية للمنطقة وورقات بيانات المواد.
تكامل المواد المحلية
يكتمل التكوين باستخدام الحجر الجيري المعروف باسم «بييترا بيتشي» ولباد صوف الأغنام، حيث تُظهر كل مادة امتدادًا لتقاليد الحرف المتجذرة في شرق صقلية. من خلال هذا التركيب، يمكن للباحثين والمهتمين بالتاريخ والثقافة دراسة كيفية تفاعل المواد الطبيعية والتقنيات التقليدية مع الفضاء والمعنى، بدلاً من التركيز على أي منتج أو علامة تجارية.
الدلالات الشكلية في الانحناءات
يحمل الشكل الانحنائي للهياكل مؤشرات رمزية تتجاوز مجرد الجماليات. يشير أحد القوسين إلى جبل إتنا، البركان الذي يشكّل عنصرًا جيوفيزيائيًا وسيطًا بارزًا في أفق صقلية، بينما يستحضر القوس الآخر الهندسة المجوّفة للمحاجر الحجرية القديمة المعروفة باسم «اللاتومي»، التي استُخرج منها الحجر الجيري لبناء المباني والمدن التاريخية.
الجسر البصري بين السماء والأرض
تنتج هذه الازدواجية شكلًا تقاربيًا، يعمل كجسر بصري يربط بين السماء والأرض، وبين القوى العلوية والفراغات الكامنة في الأسفل. من منظور تحليلي، يمكن النظر إلى هذا التكوين على أنه نموذج لفهم كيف يمكن للشكل والفضاء أن يعبّرا عن العلاقات بين الطبيعة والأنشطة البشرية، دون الاعتماد على أي إشارات تجارية أو دعائية.
العلاقة بين الهيكل والمشهد الطبيعي
يتميز هذا النوع من الهياكل المؤقتة بعدم الادعاء بوصفه نموذجًا أوليًا أو «كوخًا بدائيًا» أسطوريًا، كما كانت تصوره بعض السرديات التاريخية حول أصل العمارة. بدلًا من ذلك، يقدم الهيكل مساحة مظللة تتيح للزوار إدراك الترابط بين التصميم والمشهد الطبيعي المحيط بكل تعقيداته.
التأطير بدل الانعزال
يعمل الهيكل على تأطير البيئة المحيطة بدلاً من عزلها، ما يخلق نقطة تركيز بصري تساعد على إعادة توجيه الانتباه إلى العناصر الطبيعية حول الزوار. من منظور تحليلي، يعكس هذا النهج فهمًا معماريًا يحترم المكان والبيئة، ويتيح دراسة كيفية تفاعل الإنسان مع الفضاء الطبيعي من منظور ثقافي وجمالي، دون أي طابع ترويجي أو دعائي.
هشاشة المواد ودلالاتها التاريخية
يحمل التصميم المؤقت للهيكل رسالة حول هشاشة الانفتاح المعماري. بعض المواد صُممت لتصمد، بينما تُركت مواد أخرى لتتعرض لعوامل الطقس وتتحلل تدريجيًا. يعكس هذا التباين الطابع العابر الذي قد يكون ميز العمارة السكنية على امتداد نهر أنابو.
العمارة المؤقتة في الماضي
من المرجح أن السكان الأوائل اعتمدوا تقنيات بناء خفيفة ومواد عضوية لم تصمد أمام مرور آلاف السنين من الرياح والمطر وتقلبات الزمن. كانت مساكنهم مؤقتة بحكم الضرورة، متكيّفة مع الموارد المتاحة لديهم، ما يوضح كيف يمكن للهياكل المؤقتة أن تعبّر عن العلاقة بين الإنسان وبيئته، وتساعد في فهم الخيارات المعمارية التي فرضتها الظروف الطبيعية والثقافية في تلك الحقبة.
تكريم الزوال والهشاشة
يعمل هذا التركيب كمعلم مؤقت ضمن موقع Syracusa-Pantalica، حيث عادةً ما يُحتفى بالهياكل التي صمدت عبر الزمن. ومع ذلك، يركز الهيكل على ما لم يصمد، وما لم يُقصد له الصمود، مسلطًا الضوء على طبيعة الهشاشة والعمارة العابرة.
التوافق مع المشهد الطبيعي
يستكشف التصميم كيف يمكن للهياكل المعمارية أن تنشأ مباشرة من المشهد الطبيعي، متوافقة مع الطبوغرافيا والموارد المتاحة، بدلًا من اتباع مثُل وأشكال معمارية مستوردة. من منظور تحليلي، يقدم هذا النهج نموذجًا لدراسة العلاقة بين البيئة والإنسان، وكيف يمكن للعمارة أن تتشكل بطريقة عضوية ومرنة، مع احترام قيود المكان والمواد المتاحة.
أهمية الخصوصية والارتباط بالمكان
يشعر هذا النهج بأهمية خاصة في الوقت الراهن، حيث يمكن للعديد من المباني المعاصرة أن تُنشأ في أي مكان باستخدام مواد من سلاسل توريد عالمية لا علاقة لها بالموقع. يقدم هذا النوع من التصميم جدلًا هادئًا حول أهمية الخصوصية، وضرورة السماح للمشهد الطبيعي والتاريخ بتشكيل ما نبنيه، بدلًا من فرض أشكال ومعايير خارجية.
تجربة الزوار والتأمل في الفراغ
عند دخول المساحة المظللة، يواجه الزوار مقاعد من الحجر الجيري، ولعب الضوء عبر العوارض المحترقة، ووزن حجر الحمم البركانية فوقهم. توفر هذه البيئة مساحة للتجمع والتأمل، لا تتطلب الإجلال بقدر ما تتطلب الانتباه والملاحظة. يدعونا هذا التركيب لملاحظة الغياب، والتفكير في الأماكن الإنسانية العادية التي لم يحافظ التاريخ عليها ضمن سياق أرشيف المحتوى.
إعادة التخيل عبر الفضاء المادي
نحن نتذكر النصب والقبور والإيماءات الكبرى للحضارات نحو الديمومة، لكن الأماكن اليومية مثل المطابخ ومساحات التجمع الصغيرة غالبًا ما تختفي من سجلات التاريخ. يوفر التصميم المؤقت شكلًا ملموسًا لهذا الغياب، محوّلًا التخمين إلى تجربة يمكن للزوار المشي فيها والتفاعل معها، مما يعزز فهمنا للصلة بين الإنسان والبيئة، وللطابع المؤقت والعضوي للحياة اليومية في الماضي.
✦ تحليل ArchUp التحريري
يمثل مشروع Asympta تجربة معماريّة مثيرة للاهتمام من حيث استكشاف العلاقة بين الهياكل المؤقتة والمشهد الطبيعي، وإعادة تصور الحياة اليومية المفقودة في المواقع التاريخية. من الإيجابيات القليلة التي يمكن ملاحظتها، قدرة التركيب على تحفيز التفكير في هشاشة العمارة وعلاقتها بالبيئة، وتقديم مساحة للتأمل حول الفراغات المفقودة في التاريخ البشري، كما هو الحال في بعض المشاريع المعمارية ذات الطابع البحثي.
ومع ذلك، يظل المشروع محدودًا من عدة نواحٍ يمكن أن تثير تساؤلات مهمة في سياق العمارة المعاصرة. أولًا، طبيعة العمل المؤقت تجعل من الصعب تقييم تأثيره على فهم الزوار لكيفية تفاعل الإنسان مع المكان عبر الزمن بشكل ملموس ودائم. ثانيًا، تركيزه على التجريب الحسي والرمزي قد يحدّ من القدرة على استخلاص استنتاجات عملية يمكن تطبيقها في تصميم المباني الواقعية أو استراتيجيات التخطيط العمراني المرتبطة بتطور المدن. ثالثًا، غياب عناصر تفاعلية أو بيانات دقيقة حول استخدام المواد والهياكل يحدّ من إمكانية توظيف التجربة كمورد تعليمي معماري مباشر، كما هو متوقع في أبحاث معمارية.
من منظور معماري أوسع، يمكن الاستفادة من المشروع كمثال على كيف يمكن التصميم المؤقت والتحليل الرمزي أن يفتح النقاش حول العلاقة بين الإنسان والمشهد الطبيعي، ويحفّز التفكير النقدي حول الزوال والمرونة في العمارة، وهي موضوعات تتكرر في أخبار معمارية معاصرة. إلا أن دمج هذه التجارب الرمزية مع أدوات تحليلية وتقنيات تعليمية قد يعزز من قيمة المشروع ويتيح تطبيق مفاهيمه بشكل أوسع في المشاريع المعمارية أو الحضرية الواقعية.