مشروع DOM LAS يعيد قراءة العلاقة بين المبنى والطبيعة والتراث المحلي
DOM LAS: مشروع معماري متأصل في الطبيعة
نشأة المشروع
DOM LAS، أو “منزل الغابة” بالبولندية، هو مشروع معماري نشأ نتيجة ظرف محدد ورؤية طويلة المدى. قبل 25 عامًا، اشترى العميل قطعة أرض فارغة بالقرب من مسقط رأسه بهدف إنشاء مساحة مستدامة للمستقبل، تعكس ارتباط الإنسان بالبيئة المحيطة.
تحويل الأرض إلى منظر طبيعي غني
من خلال العناية الدقيقة والمستمرة، تم تطوير مساحة الأرض التي تبلغ سبعة هكتارات، حيث شملت عملية التطوير زراعة الأشجار وتنظيم المروج. وقد اعتمد الفريق على نهج شامل للتحريج، يشمل إزالة الأعشاب الضارة بشكل انتقائي وتخفيف كثافة شتلات الصنوبر والبتولا الصغيرة، مما ساهم في تعزيز التنوع النباتي المحلي.
التأثير البيئي والثقافي
أسلوب إدارة المناظر الطبيعية هذا لم يقتصر على تحسين الشكل الجمالي للمكان، بل ساعد أيضًا في الحفاظ على النظام البيئي المحلي. فمن خلال دمج النباتات الأصلية للمنطقة، يعكس المشروع التوازن بين النشاط البشري والطبيعة، ويقدّم نموذجًا لفهم كيفية دمج العمارة مع البيئة المحيطة بطريقة مستدامة وجاذبة.
DOM LAS: حوار معماري مع البيئة
العمارة متجذرة في السياق المحلي
يعكس مشروع Dom Las مدى الاهتمام الذي استثمره العميل في تطوير الأرض. فقد نشأت المباني من حوار معماري بين الطراز الشعبي لمنطقة كاشوبيا في بولندا، والمواد التقليدية المستخدمة في المنطقة، والبيئة الطبيعية المحيطة.
وظائف متعددة متكاملة
رغم أن متطلبات المشروع كانت محدودة، إلا أن التصميم واجه تحديًا مزدوجًا: تمكين العميل من الاستمرار في رعاية الأرض، وفي الوقت نفسه توفير مأوى مؤقت له ولعائلته. وقد أدى هذا التوازن إلى إنشاء مبنيين مترابطين، يتناغمان مع بعضهما ومع المناظر الطبيعية المحيطة، مما يعكس تصميمًا مدروسًا بعناية.
التفاصيل والحرفية
تجلى الارتباط بالمكان من خلال اختيار المواد المحلية والتفاصيل المعمارية المدمجة، بالإضافة إلى الاعتماد على حرفية العمال المحليين المهرة. كما يحتفي المشروع بالمقتنيات العائلية التراثية، موفّرًا شعورًا بالاستمرارية بين الماضي والحاضر، بين الإنسان والطبيعة.
المدفأة: قلب المنزل وروحه
مركز الحياة الأسرية
تُعد المدفأة تقليديًا محور المنزل، حيث تدور حولها حياة الأسرة اليومية. وفي مشروع Dom Las، تم احترام هذا التقليد بوضع المدفأة حرفيًا في قلب المبنى السكني، لتصبح نقطة محورية تتفاعل معها جميع غرف المنزل، مما يعزز حضورها الرمزي والعملي على حد سواء.
دمج الداخل مع الخارج
تم تأطير المدفأة بحيث تتناغم مع الإطلالات من كل غرفة، ما يخلق تباينًا جذابًا مع المشهد الطبيعي الخارجي. استخدام المواد المحلية مثل خشب الصنوبر في الهيكل والأثاث يعكس الغابات المحيطة، ويؤسس لاستمرارية بصرية ومكانية بين الداخل والخارج.
الألوان والمواد الطبيعية
أما الطوب المستخدم، فقد تم الحصول عليه من مصنع محلي مع الحفاظ على لونه وملمسه الطبيعي، مما يعكس الروابط العميقة بالأرض والتربة المحلية. كذلك، يظهر اللون الأخضر لأشجار الصنوبر داخليةً في درجات الأسطح والبلاط السيراميكي المزجج في المطبخ والحمام، مضيفًا لمسة متناغمة تربط بين العناصر الطبيعية والديكور الداخلي.
حرفية كاشوبيا: تقليد يتجدد
الاهتمام بالتفاصيل المحلية
تُعرف منطقة كاشوبيا بمهارة حرفييها الفريدة، وقد تم الاحتفاء بهذه المهارات من خلال دمجها في تفاصيل المبنى المعماري. على سبيل المثال، صُنعت المصاريع المعدنية محليًا، حيث يساهم العمل الدقيق في النقوش في تصفية الضوء برفق داخل الفراغات الداخلية، مما يوفر حماية طبيعية من العوامل الجوية مع الحفاظ على جمالية الإضاءة.
الزخارف التقليدية بإعادة تفسير حديثة
استُلهمت زخارف الواجهة الخارجية من تعاون معماري مع عامل طوب محلي ملم بالزخارف التقليدية، بالإضافة إلى المعرفة بالتطريز، والموسيقى، والمواد الغنية في المنطقة. وقد أدى ذلك إلى صياغة تعبير معماري عصري، يعيد تفسير الزخارف التقليدية بطريقة متناغمة مع الطراز المحلي والبيئة الطبيعية المحيطة.
الأثاث والحرف اليدوية: استمرارية بين التراث والطبيعة
تصميم مستلهم من التراث المحلي
تتجلى مهارات وحرفية منطقة كاشوبيا في أثاث Dom Las. فقد صمّم Studio Onu طاولات الطعام والقهوة مستوحاة من الأسلوب التقليدي المصنوع من الخشب المدور الشائع في المنطقة، ليقدم أشكالًا راقية ومعاصرة في الوقت نفسه.
الاحتفاء بالمقتنيات العائلية
كما استلهم التصميم بعض الأمثلة الثمينة للحرف اليدوية العائلية التي ورثها العميل من أقاربه، ورغبت Studio Onu في دمجها داخل المبنى، مما يعزز قيمتها ويبرز العلاقة بين التراث العائلي والمشاهد الطبيعية المحيطة.
اللوحة النسيجية: الربط بين الداخل والخارج
تلخص اللوحة النسيجية الكبيرة للخشخاش روح هذا المنزل؛ إذ تعكس الأزهار الموجودة فيها تلك التي تنمو بريًا بين المروج المحيطة، موصلةً بين الداخل والخارج واحتفاءً بالأرض والطبيعة.
✦ تحليل ArchUp التحريري
على الرغم من أن مشروع Dom Las يقدم مثالًا واضحًا على دمج المبنى مع البيئة المحلية والتراث الحرفي، إلا أن بعض جوانب المشروع قد تطرح تساؤلات عملية للمعماريين والمخططين. فالتصميم الذي يعتمد على مواد محلية وحرفية دقيقة يجعل الصيانة طويلة المدى أكثر تعقيدًا ويزيد من الحاجة لتدخل مستمر للحفاظ على جودة التفاصيل، خاصة في مواجهة العوامل المناخية المختلفة. كما أن الجمع بين وظائف متعددة ضمن المبنيين قد يحد من المرونة في إعادة استخدام المساحات مستقبليًا، ويضع قيودًا على التوسع أو التكيف مع احتياجات سكنية جديدة.
من ناحية أخرى، يمكن اعتبار المشروع تجربة تعليمية مهمة للمعماريين والطلاب؛ فهو يسلط الضوء على كيفية توظيف الحرفية المحلية والمواد التقليدية ضمن تصاميم معاصرة، ويوفر نموذجًا عمليًا لدراسة التوازن بين الأداء الوظيفي والاندماج البيئي. كما يشجع المشروع على التفكير في طرق مبتكرة للحفاظ على التراث المعماري المحلي دون التضحية بالاستدامة أو الملاءمة العملية، وهو ما يمثل قيمة مضافة في مجال الدراسات المعمارية.