Modern residential architecture with brick pillars and large glass facades surrounded by snow and poplar trees.

مشروع House Under the Poplars يعيد قراءة العلاقة بين السياق العمراني والفراغ الداخلي

Home » الأخبار » النقاشات المعمارية » مشروع House Under the Poplars يعيد قراءة العلاقة بين السياق العمراني والفراغ الداخلي

قراءة في إعادة البناء داخل نسيج عمراني قائم

يقع مشروع House Under the Poplars داخل حي Naselje Murgle في ليوبليانا، ضمن سياق سكني يتميز بتخطيط دقيق وانضباط عمراني واضح. غير أن أهمية المشروع لا تكمن في حجمه أو تاريخ اكتماله، بل في الطريقة التي يتعامل بها مع محيطه المباشر.

فبدلًا من السعي إلى لفت الانتباه عبر لغة شكلية صاخبة، يتبنى المشروع مقاربة هادئة تقوم على إعادة البناء والتوسعة بمساحة محدودة (122 مترًا مربعًا)، بما يعكس توجهًا معماريًا يضع “الانتماء للمكان” قبل أي استعراض بصري. وهنا يصبح التصميم فعل قراءة دقيقة للسياق، لا محاولة لإعادة تعريفه من الصفر.

مُرغله: نموذج مبكر للعيش منخفض التقنية

لفهم دلالات هذا النوع من التدخلات المعمارية، لا بد من التوقف عند طبيعة الحي نفسه. فقد صُمم Naselje Murgle على يد المعماريين السلوفينيين France Ivanšek وMarta Ivanšek، ونُفذ على مراحل بين عامي 1965 و1982، عبر نمط من البناء الذاتي التدريجي.

ومن اللافت أن الحي لم يُصمم ليكون استعراضًا معماريًا تقليديًا، بل ليقدم نموذجًا إنساني المقياس للعيش البيئي، قبل أن تصبح “الاستدامة” مفهومًا شائعًا في الخطاب المعماري. وبذلك، يمكن اعتباره تجربة مبكرة في تطوير بيئة سكنية منخفضة التقنية تعتمد على حلول بسيطة وفعّالة بدل الأنظمة المعقدة.

الهوية الجماعية بدل الفردية البصرية

يتسم الحي بطابع إسكندنافي واضح، تأثر جزئيًا بإقامة عائلة Ivanšek في السويد. غير أن هذا التأثير لم يظهر كاقتباس شكلي مباشر، بل كفهم عميق لمبادئ مثل البساطة، والتكرار المنظم، واستخدام المواد الطبيعية.

وبالتالي، تشكلت هوية عمرانية جماعية لا تقوم على التميز الفردي لكل منزل، بل على انسجام عام يحترم المقياس الإنساني والعلاقة مع الطبيعة. هذا النوع من التخطيط يعيد طرح سؤال مهم: هل يمكن للعمارة أن تكون مؤثرة دون أن تكون صاخبة؟

إعادة البناء كفعل احترام للسياق

في هذا الإطار، يمكن قراءة أي مشروع إعادة بناء داخل الحي بوصفه اختبارًا لمدى فهمه لهذه القيم الأصلية. فالتدخل المعماري هنا لا يُقاس بمدى اختلافه، بل بقدرته على العمل ضمن نظام قائم دون الإخلال بتوازنه.

ومن ثم، يتحول مفهوم “التوسعة” من مجرد زيادة في المساحة إلى عملية تفاوض دقيقة بين الجديد والقائم؛ بين الاحتياجات المعاصرة والإرث التخطيطي. وهنا تحديدًا تتجلى أهمية المقاربات التي ترى في السياق عنصرًا مُوجِّهًا، لا عائقًا يجب تجاوزه.

Symmetrical view of a modern house gable end with floor-to-ceiling glass windows and a green lawn.
واجهة زجاجية متناظرة تطمس الحدود بين مساحة المعيشة الداخلية والحديقة الخارجية.
Close-up of a brick wall and glass window reflecting the sunset with indoor plants visible.
تلتقي البراعة الحرفية عالية الجودة في أعمال الطوب مع الزجاج الواسع لتخلق مساحة داخلية دافئة ومليئة بالضوء.

الحساسية الثقافية في مشاريع التجديد

تعكس بعض مشاريع إعادة البناء توجهًا يتجاوز التحديث الشكلي إلى ما يمكن وصفه بـ”الاستمرارية الواعية”. فبدل فرض لغة معمارية جديدة على نسيج قائم، تتبنى هذه المقاربات مبدأ التنقيح التدريجي لما هو موجود، بما يحافظ على هوية المكان ويطوّرها في الوقت ذاته.

في هذا السياق، يمكن قراءة تدخل مكتب OFIS Arhitekti بقيادة Rok Oman وŠpela Videčnik بوصفه نموذجًا لهذا النوع من الحساسية الثقافية. إذ لم يُنظر إلى المبادئ الأصلية للحي باعتبارها قيودًا تعيق الابتكار، بل كإطار مرجعي واضح يوجّه عملية التطوير.

وبذلك، يتحول مفهوم التجديد من قطيعة مع الماضي إلى حوار هادئ معه، حيث يصبح “الارتقاء” عملية دقيقة لا تعتمد على المبالغة أو الاستعراض.

الشفافية البصرية والعلاقة مع الطبيعة

تُعد الواجهة الزجاجية الممتدة نحو الحديقة مثالًا على كيفية توظيف الشفافية لتعزيز الاتصال بالمحيط الطبيعي. فبدل أن تكون الواجهة عنصرًا منفصلًا، تعمل كإطار بصري يحتضن شجرة ناضجة قائمة في الموقع، ما يعزز الإحساس بالاستمرارية بين الداخل والخارج.

ومن ناحية أخرى، تسهم الشرائح الخشبية العمودية على الجوانب الزجاجية في تحقيق توازن مدروس بين الانفتاح والخصوصية. فهي لا تقطع العلاقة البصرية مع المحيط، لكنها في الوقت ذاته تنظمها وتفلترها، بما يحافظ على راحة المستخدمين دون عزلة تامة عن السياق.

التتابع الفراغي والانسيابية الحركية

أما على مستوى التنظيم الداخلي، فيبرز دور الفناء المغطى كعنصر انتقالي يربط بين غرفة النوم الرئيسية وحمامها الداخلي وبقية الفراغات. هذا الربط لا يعتمد على ممرات تقليدية مغلقة، بل على تدرج فضائي يسمح بالحركة الطبيعية والانسياب البصري.

والأهم من ذلك أن هذا التتابع يبدو عفويًا وغير متكلف، رغم وضوح العناية بتخطيطه. وهنا تظهر قيمة التصميم الذي ينجح في إخفاء جهده التنظيمي خلف تجربة استخدام سلسة، حيث يشعر القاطن بالراحة دون أن يلحظ التعقيد الكامن في ترتيب العناصر.

Side view of the house showing vertical black wooden slats and a brick pillar in the snow.
توفر الشرائح العمودية عنصرًا بصريًا إيقاعيًا، مع توفير الخصوصية والتحكم في الإضاءة.
Minimalist interior design with a modern fireplace, wooden ceiling, and designer furniture.
يتميز المساحة الداخلية بلوحة ألوان بسيطة، مع مدفأة مركزية تشكل نقطة محورية في منطقة المعيشة.

الدفء والتجانس الداخلي

في قلب المنزل، تمتد كسوة خشبية تغطي الجدران والأسقف، ما يخلق إحساسًا بالاتساق بين مختلف الفراغات ويمنح المنزل دفئه المميز. هذا الاستخدام الموحد للخشب لا يقتصر على الجانب الجمالي، بل يساهم أيضًا في تعزيز شعور السكن بالراحة والتماسك البصري.

إحدى التفاصيل اللافتة في التصميم هي وجود قبو للنبيذ أسفل لوح أرضي زجاجي في غرفة المعيشة. هذه اللمسة غير المتوقعة تمثل مثالًا على كيفية إدخال عناصر مفاجئة دون إفراط في الترف، بما يضيف طبقة من العمق التجريبي للمنزل دون المساس بالوظائف الأساسية.

بساطة مدروسة كقيمة تصميمية

يستمر التوجه نحو التواضع في باقي الفراغات، مع جناح غرفة نوم إضافي واحد ومكتب صغير، ما يذكّر بأن التقشف المنظم يمكن أن يتحول إلى تجربة رفاهية حقيقية حين يُطبَّق بحرفية. هذا النهج يعكس فلسفة تعتمد على جودة الفراغ ووظيفته بدل الاعتماد على التكديس أو الاستعراض.

إعادة البناء كامتداد فكري

المنزل لا يسعى إلى إعادة اختراع حي Naselje Murgle أو تقليد ماضيه حرفيًا، بل إلى تكريمه بطريقة واعية. هنا يتحول مشروع إعادة البناء إلى معيار للوعي المعماري والحساسية تجاه السياق، حيث يصبح كل تدخل مدروسًا كامتداد طبيعي لفكرة كانت جديرة بالحفاظ عليها منذ البداية.

بهذه الطريقة، يتجنب المشروع التصنيفات التقليدية؛ فهو ليس ترميمًا كاملًا ولا إعادة تصور مبتكرة بالكامل، بل نموذج يوضح كيف يمكن للتجديد أن يحترم التاريخ والسياق، مع توفير وظائف معاصرة وتجربة معيشية محسوبة بعناية.

Interior view looking out through large windows with vertical wooden louvers and indoor plants.
يسمح الوضع الاستراتيجي للنوافذ والفتحات المهواة بإطلالات مؤطرة على أشجار الحور المحيطة.
Full view of the house facade covered in snow, framed by snowy branches of poplar trees.
يقف “منزل تحت أشجار الحور” كتدخل هادئ في محيطه الثلجي.

تحليل ArchUp التحريري

بينما يقدّم مشروع House Under the Poplars مثالًا واضحًا على إعادة البناء الحساسة للسياق، يمكن النظر إلى بعض الجوانب التي قد تثير تساؤلات معمارية أوسع. من جهة، يعكس المشروع اهتمامًا ملموسًا بالتجانس البصري والانسيابية الداخلية، والربط بين الفراغات والمحيط الطبيعي، وهو ما يوفر تجربة سكنية هادئة ومستقرة.

ومع ذلك، يظل المشروع محدودًا في بعض عناصر الاستفادة العملية والتوسع المحتمل؛ فالحجم الصغير والبرنامج الوظيفي المتواضع قد لا يسمح بتطبيق هذا النموذج على مشاريع أكبر أو بيئات حضرية أكثر تعقيدًا. كذلك، التركيز على التواضع والبساطة المنهجية يفرض قيودًا على الابتكار الشكلاني والتجريبي، ويجعل من الصعب استخراج دروس قابلة للتكرار في سياقات تتطلب مرونة أكبر أو حلولًا تقنية معاصرة.

من منظور أوسع، يمكن اعتبار المشروع كدراسة حالة تعليمية حول كيفية قراءة السياق العمراني والتعامل معه بحساسية، لكنه في الوقت نفسه يذكّر المعماريين بأن المقاربة المحافظة والمحدودة قد لا تكون دائمًا قابلة للتطبيق بشكل مباشر في مشاريع أكبر أو أكثر تنوعًا وظيفيًا. وهنا تكمن القيمة الحقيقية: ليس في تقديم نموذج جاهز للتكرار، بل في توجيه التفكير حول كيفية الموازنة بين الامتداد الحذر للسياق وبين الحاجة إلى حلول مبتكرة ومرنة.


Further Reading from ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *