مشروع Mirror Pavilion يعيد قراءة حرفة آيينهكاري داخل قاعة صناعية
التجربة البصرية في العمارة الإيرانية التقليدية (آيينهكاري)
في بعض المزارات أو القصور الإيرانية، يتشكل إدراك مختلف للمكان عند الدخول إلى فضاءات مغطاة بالفسيفساء المِرآوية. عندها تتلاشى الحدود البصرية بين السقف والهواء، حيث يتشتت الضوء عبر قطع زجاجية صغيرة تعكسه في اتجاهات متعددة. هذه الظاهرة ترتبط بحرفة “آيينهكاري” التي أثرت في المباني الفارسية تاريخيًا، وأنتجت بيئات بصرية تعتمد على تكسير الضوء وإعادة توزيعه داخل الفراغ.
إعادة التفسير الحوسبي داخل قاعة صناعية
في مشروع “Mirror Pavilion” بمدينة مشهد في إيران، أعاد فريق Ehsani Sharafeh Associates التعامل مع هذا المفهوم داخل قاعة صناعية سابقة. تم إدراج كتلة مكعبة داخل الهيكل القائم، مع الحفاظ على استقلالها البنيوي وإحداث تباين واضح مع المحيط. من مستوى الأرض يبدو الفراغ بسيطًا ومنظمًا، لكن إدراكه يتغير مع الانتقال البصري نحو الأعلى، حيث تبدأ طبقات السطح في الظهور. يمكن الاطلاع على المزيد من مشاريع معمارية مشابهة تستلهم من التراث.
السقف كنظام بصري متغير
يمثل السقف العنصر الأكثر تعقيدًا في التصميم، إذ لا يعتمد على قبة تقليدية بل على سطح ثلاثي الأبعاد متموّج ناتج عن دمج هندسي لأربع تكوينات هرمية. تم توزيع مئات القطع المرآوية على هذا السطح وفق معالجة حسابية، ما يسمح بإعادة توجيه الضوء داخل الفراغ بشكل مستمر. كما يضيف الزجاج الملوّن بعدًا بصريًا آخر يؤدي إلى تحولات لونية متغيرة داخل المساحة دون ثبات بصري واحد.


تطور حرفة “آيينهكاري” وسياقها التاريخي
برزت حرفة “آيينهكاري” خلال العصر الصفوي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، مع وصول المرايا الفينيسية الكبيرة إلى البلاط الفارسي عبر طرق التجارة. كثير من هذه المرايا وصل متشققًا أو مكسورًا بسبب طول الرحلة. وبدل التخلص منها، أعاد الحرفيون الإيرانيون تقطيعها إلى أجزاء أصغر وإعادة توظيفها في تكوينات فسيفسائية معقدة. من هذا التعامل مع المادة المكسورة تشكّل منطق جمالي جديد اعتمد على إعادة التجميع وإنتاج أنماط ضوئية متكاملة، وهو ما ظل حاضرًا في فهم المرايا داخل التصميم الداخلي الفارسي لاحقًا. وقد أُدرجت هذه الحرفة ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية التابعة لليونسكو في ديسمبر 2025.
إعادة تفسير المبادئ التقليدية عبر الأدوات الحاسوبية
في هذا السياق، لا يتعامل مشروع “Mirror Pavilion” مع “آيينهكاري” كمرجعية شكلية فقط، بل كمنظومة يمكن إعادة قراءتها باستخدام أدوات أبحاث معمارية وتصميم حاسوبي. الفريق المكوّن من نسرين شرفه، علي إحساني، وميلاد غلاميفرد يعتمد على النمذجة الخوارزمية لإعادة صياغة المبادئ المكانية التقليدية داخل بيئة معاصرة. هذا النهج يسمح بإنتاج هندسات سقفية معقدة وتوزيعات دقيقة للسطح المكسو بالمرايا، مع الحفاظ على منطق بصري مستمد من الفكرة الأصلية القائمة على تكسير الضوء وإعادة تنظيمه داخل الفراغ.


التوازن بين التقليد والمعاصرة
يمثل تحقيق التوازن بين المرجعية التاريخية والصياغة المعاصرة تحديًا واضحًا في كثير من مشاريع معمارية تتعامل مع التراث. فإما أن يميل التصميم نحو الالتزام الحرفي، فيبدو كإعادة إنتاج مباشرة، أو يتجه نحو التجريد الكامل فيفقد صلته بالأصل. في حالة جناح المرايا، يظهر حل وسطي يسمح بقراءة الخلفية التاريخية بوضوح، مع الحفاظ على لغة تصميمية معاصرة لا تحاكي الماضي بشكل مباشر، بل تعيد تفسيره داخل سياق جديد.
التباين مع القاعة الصناعية
يكتسب المشروع بعدًا إضافيًا من خلال موقعه داخل قاعة صناعية. هذا الاختيار يخلق تباينًا واضحًا بين خامية البنية القائمة وطبيعة الجناح العاكسة والمضيئة. هذا التباين ليس عنصرًا عرضيًا، بل يساهم في إبراز كلا الطرفين؛ إذ تمنح القاعة سياقًا ماديًا للعمل، بينما يعيد الجناح تشكيل إدراك الفراغ داخلها، فيصبح كل منهما أكثر وضوحًا عبر وجود الآخر. للمزيد حول تأثير السياق على المدن والعمارة، يمكن الرجوع إلى الأبحاث المتخصصة.
الدلالات الثقافية للمرايا
في السياق الثقافي الفارسي، ارتبط استخدام المرايا تاريخيًا بمفاهيم مثل الطهارة والوضوح وتعزيز الضوء داخل الفضاءات المعمارية. وقد استُخدمت الأسطح العاكسة في الأضرحة والمساحات ذات الطابع الروحي لإبراز الإحساس بالإنارة والعمق. ضمن هذا الإطار، يستحضر “Mirror Pavilion” هذه الخلفية دون الإشارة إليها بشكل مباشر، حيث يتم التعبير عنها من خلال التجربة المكانية نفسها بدل الشرح أو التمثيل الرمزي المباشر. يمكن متابعة أخبار معمارية مشابهة عن مشاريع تعيد قراءة التراث.



✦ تحليل ArchUp التحريري
تُقدَّم العمارة هنا كنتيجة ثانوية لتقاطع سياسات حفظ التراث مع منطق التحسين الحوسبي، أكثر من كونها فعلًا تصميميًا مستقلاً. ينشأ مشروع Mirror Pavilion من دافعين بنيويين: إدراج حرفة آيينهكاري ضمن منظومة التراث غير المادي، والحاجة إلى إنتاج أصول ثقافية قابلة للعرض داخل بنى صناعية معاد توظيفها. القيود التنظيمية المرتبطة بإعادة الاستخدام التكيفي، مثل الحفاظ على استقلال الكتلة داخل قاعة قائمة، وضبط كلفة تركيب وحدات عاكسة، ودقة تصنيع التوزيعات الخوارزمية، تشكّل حدود الفراغ النهائي. النتيجة ليست تعبيرًا شكليًا بل تسوية بين قصور البنية الصناعية ومنطق الأسطح المولّدة حاسوبيًا، حيث يُعاد تفعيل منطق التكسير الزجاجي كامتداد رقمي لحرفة تاريخية، بما يعكس استمرارية نظام إنتاجي أكثر من كونه تحولًا جماليًا. يمكن الاطلاع على الفعاليات المعمارية ومسابقات معمارية تهتم بدمج التقنيات الحديثة مع التراث.







