Exterior view of Ibraaz building showcasing modern architecture and cultural interaction

إبرااز: عمارة حيّة تتشكل مع الزمن والتفاعل الاجتماعي

Home » الأخبار » النقاشات المعمارية » إبرااز: عمارة حيّة تتشكل مع الزمن والتفاعل الاجتماعي

التصميم كمفهوم حيّ يتطور مع الزمن

تم تصميم هذه المساحة من قبل المعمارية والمديرة الفنية سُميَّة فالي من استوديو Counterspace، وهو استوديو معروف عالميًا بقدرته على إعادة تعريف الأنماط الثقافية من خلال مفاهيم ترتبط بالمجتمع والذاكرة والطقوس اليومية.

فكرة المشروع: تجمع يتكوَّن وينمو

يرتكز المشروع على مفهوم التطور التدريجي، أو ما تصفه فالي بـ تجمّع التجمعات.
ويعني هذا أن المقر الرئيسي لا يُنظر إليه ككيان مكتمل منذ البداية، بل كمكان يتطور بشكل طبيعي مع مرور الوقت، تبعًا للطريقة التي يستخدم بها الناس الفضاء ويتفاعلون معه.

هذا المفهوم يجعل العمارة أكثر قربًا من الحياة اليومية، إذ تتحول المساحة إلى كيان يتشكّل استجابةً للحضور الإنساني، لا مجرد مبنى ثابت الوظيفة.

المساحة كحوار مستمر

في جوهره، يُركّز المشروع على التفاعل المستمر أكثر من التركيب المادي ذاته.
فالفضاء هنا لا يُفهم على أنه جدران وسقف، بل كمنصة للحوار والتعلّم والتبادل بين الأفراد والمجتمعات.
بهذا المعنى، تصبح العمارة وسيلة للتواصل، وليست غاية جمالية أو إنشائية فحسب.

إطار حيّ وتجارب متجددة

يتعامل المشروع مع المساحة كـ إطار حيّ قابل للتغيير.
فالكثير من عناصره يمكن إعادة تشكيلها بطرق متعددة، ما يتيح فرصًا لخلق تجارب متنوعة ولقاءات جديدة تعكس ديناميكية الاستخدام.

هذا التوجه يُبرز كيف يمكن للعمارة أن تتنفس وتتفاعل مع الزمن، لا أن تتجمد في شكلها الأول.

رؤية سُميَّة فالي: نهج نابض بالحياة

تقول المعمارية سُميَّة فالي عن مشروع Ibraaz الجديد:

“نظرًا للسرعة الشديدة، أشبه بالحلم المحموم، التي نشأ بها هذا المشروع، فإن نهجنا يعكس هذه اللحظة – نهجًا تدريجيًا، نابضًا بالحياة.”

كلماتها تعكس فلسفة تصميم تتبنّى المرونة والتجريب، حيث لا يُصاغ الفضاء كنتاج نهائي، بل كرحلة متغيرة تواكب إيقاع الحياة.

Exterior view of Ibraaz building showcasing modern architecture and cultural interaction
Exterior view of Ibraaz building showcasing modern architecture and cultural interaction

رؤية تصميمية تُعيد تعريف العلاقة بين المكان والمجتمع

تصف المعمارية سُميَّة فالي تجربتها في مشروع Ibraaz بوصفٍ يحمل بعدًا فلسفيًا عميقًا.
فمنذ اللحظة الأولى لتكليفها بالعمل، أدركت أن المشروع لن يُبنى دفعة واحدة، بل سيتكوّن تدريجيًا، لينمو من الداخل إلى الخارج ككائن حيّ.

المساحة كتجمّع للتجمّعات

تقول فالي إنها بدأت ترى المشروع على أنه تجمّع للتجمّعات، أي فضاء تتولّد فيه المساحات من أنماط الحياة المشتركة، مثل الأُولة، المكتبة، المنصّة، المجلس.
كل منطقة من هذه المناطق لا تُمثّل وظيفة معمارية فحسب، بل تجسّد نمطًا اجتماعيًا وثقافيًا يعكس طريقة تفاعل الناس مع بعضهم داخل الفضاء.

المدينة كمفهوم بديل للمبنى

وترى فالي أن الإصدار الأول من المشروع ليس سوى طبقة أولى ستنمو بمرور الوقت، بعقلية أقرب إلى المدينة منها إلى المبنى.
فكل إضافة جديدة تترك أثرها في النسيج العام، لتشكّل خريطة متغيرة للعلاقات والمجتمعات التي تنشأ داخل هذا الفضاء الحيّ.

لغة المنزل في قلب المؤسسة

من أبرز ملامح التصميم أن مساحات المشروع صيغت بـ لغة المنزل:
مطبخ، مجلس، غرفة صلاة، مكتبة.
فالبنية التحتية لهذه الفضاءات وُضعت لتكون مضيافة بطبيعتها، بحيث تحتضن أعمال الفنانين وتُشجّع على التفاعل الإنساني لا مجرد العرض أو المشاهدة.

معمار المؤسسة كجسد مضيّف

بحسب فالي، ستعكس كل مساحة جوهر موضوعها لتجعل بنية المؤسسة نفسها معمارية وسخية في الوقت ذاته.
فهي لا ترى العمارة كمجرد هيكل، بل كمنظومة أخلاقية ومجتمعية تُعزّز الإحساس بالانتماء والكرم المتبادل.

الانتماء كجوهر التجربة المعمارية

تختم فالي رؤيتها بالتأكيد على أهمية تعزيز الانتماء داخل الفضاءات المؤسسية، مشيرةً إلى أن هذا الشعور لا يتحقق إلا عندما تُقدَّم الأعمال بلطفٍ وتناغمٍ مع المجتمعات التي وُجدت من أجلها.

Exterior view of Ibraaz building showcasing modern architecture and cultural interaction

امتداد بحثي من لندن إلى تونس

يعتمد نهج سُميَّة فالي في مشروع إبرااز على الأبحاث التي قدّمتها ضمن جناح “سيربنتاين” لعام 2021، حيث تناولت آنذاك أماكن تجمع الجاليات والمهاجرين في لندن بوصفها أرشيفات حية للانتماء والذاكرة.
في هذا السياق، لم تكن تلك الأماكن مجرد مواقع للعيش، بل فضاءات تحمل بصمات الثقافات المتداخلة وتجسّد مفهوم الهوية المتحركة في المدن المعاصرة.

توسيع نطاق البحث إلى تونس

توسّع فالي هذا الإطار البحثي في مشروع إبرااز ليشمل تونس، موطن المؤسسة الأصلي، واضعةً المقر الجديد ضمن سياق ثقافي متصل ومتعدد الجذور.
بهذا، لا ينفصل المشروع عن التجارب السابقة، بل يواصل استكشاف الممارسات الثقافية العابرة للحدود التي توحّد المجتمعات من إفريقيا إلى العالم العربي.

تعاون إقليمي يعزز الهوية المحلية

حتى الآن، شارك في تطوير المشروع استوديو Counterspace بالتعاون مع Blocksfinj في بيروت، وLocal Industries في بيت لحم – فلسطين.
هذا التعاون لم يكن شكليًا، بل مثّل جسرًا للخبرات الحرفية والتصميمية في المنطقة، مسهمًا في إنتاج رؤية معمارية تجمع بين الحرف التقليدية والابتكار المعاصر.

المرونة كقيمة تصميمية أساسية

يستند المشروع في فكرته إلى أنماط التجمع التقليدية التي لطالما كانت ركيزة للحياة المجتمعية في إفريقيا والعالم العربي.
ومن هذا الإرث، يستمد التصميم مرونته وتعدده في التكوين، بحيث يمكن لكل مساحة أن تغيّر وظيفتها واستعمالها مع مرور الوقت.
هذا النهج يسمح للمبنى بأن يتطور طبيعيًا مع نمو مجتمعه، ويظلّ في حالة تفاعل مستمر مع مستخدميه.

Exterior view of Ibraaz building showcasing modern architecture and cultural interaction
Exterior view of Ibraaz building showcasing modern architecture and cultural interaction

فضاءات مفتوحة تعيد وصل المدينة بالمؤسسة

على مستوى الشارع، تشكّل مساحتا المكتبة والأُولة (المقهى) دعوة مفتوحة للمدينة للدخول والمشاركة.
فهما لا تمثلان مجرد نقاط استقبال، بل واجهة حية تُجسّد روح إبرااز القائمة على الانفتاح والكرم والحوار.
بهذا التكوين، يتحول المبنى إلى امتداد طبيعي للنسيج الحضري، حيث تذوب الحدود بين الداخل والخارج، والمؤسسة والمجتمع.

المجلس: قلب اللقاءات والإبداع

أما المجلس، وهو قاعة التجمع والمعارض الرئيسية في الطابق الأرضي، فقد صُمم ليكون مساحة للتفاعل الإنساني بقدر ما هو فضاء للعرض الفني.
ففيه تتقاطع الأعمال الفنية مع النقاشات العامة، ويُعاد تعريف مفهوم المعرض ليصبح تجربة اجتماعية تدعو إلى المشاركة والتأمل الجماعي.

المنصة: فضاء للحركة والعروض

وفي الطابق السفلي تقع المنصّة، وهي مسرح مخصص للعروض السينمائية والحفلات الموسيقية.
تُتيح هذه المساحة التعبير عن الأداء والتمثيل الفني كجزء من بنية المؤسسة، لتؤكد أن الثقافة ليست ثابتة أو معروضة فقط، بل حية ومتغيرة ومؤداة أمام الجمهور.

مكتبة “اقرأ”: دعوة للتأمل والمعرفة

في الطابق الثاني، تحتضن المؤسسة مكتبة “اقرأ، التي تمتدّ بدورها كدعوة إلى القراءة والتفاعل والتأمل.
ليست المكتبة مجرد رفوف من الكتب، بل مساحة فكرية تُشجّع على البحث والحوار، مكملةً بذلك رسالة المشروع في توسيع أفق الانتماء الثقافي.

تناغم المساحات وروح الانفتاح

تعمل هذه الفضاءات معًا كجسد واحد، لتكوّن واجهة تفاعلية أدائية تعبّر عن جوهر إبرااز.
فهي لا تُقدّم الثقافة بمعناها التقليدي، بل تُعيد صياغتها كعملية مفتوحة وسخية، تشارك فيها المدينة وسكّانها على حد سواء.

Exterior view of Ibraaz building showcasing modern architecture and cultural interaction

عمارة تُكتب بأيدي مجتمعها

يعبّر مشروع إبرااز عن رؤية معمارية تقوم على المشاركة الحية، إذ صُمم ليُكتب حرفيًا بأيدي مجتمعه.
فالفضاء لا يكتفي باحتضان الفعاليات، بل يتيح لكل شكل من أشكال التجمع،  من الطقوس والنقاشات إلى الاحتفالات والتبادل الثقافي،  أن يترك أثره في نسيج المكان نفسه.
ومع مرور الوقت، يتحول المبنى إلى ذاكرة جماعية تُسجَّل في مادته وتفاصيله المعمارية.

حوار بين الماضي والحاضر

يصف شومون باسار، القيّم والمستشار الاستراتيجي لمؤسسة إبرااز، هذا المشروع بأنه حوار عابر للتاريخ بين المعمارية سُميَّة فالي وفريق Counterspace من جهة، وبين الطراز الكلاسيكي الجديد المسجَّل من الدرجة الثانية في مبنى 93 مورتمر ستريت من جهة أخرى.
ويرى باسار أن منهج الفريق يمنح الجزء المبعثر قيمة تضاهي الكل، معتبرًا أن فهم العمارة لا يتحقق فقط من خلال الصورة النهائية، بل من تفاصيلها الجزئية التي تشكّل المعنى الكامل.

تحول معماري يُرى أثناء حدوثه

ويضيف باسار أن ما يميّز هذا التعاون هو النهج الثوري الهادئ الذي اتُّبع في تحويل المبنى الجديد.
فبدلًا من انتظار اكتمال عملية التجديد الكاملة،  التي تشمل أيضًا مبنى 43 غريت بورتلاند ستريت بطرازه الفينيسي،  سيتاح للزائرين أن يشهدوا عملية التحول أثناء وقوعها.
بهذا الأسلوب، يصبح المكان تجربة متحركة تكشف طبقات العمارة ومعناها مع مرور الوقت.

زمن متدرج ومعنى يتشكل ببطء

يصف باسار المشروع بأنه ترسيب متدرّج عبر الزمن والمكان، حيث تُبنى العمارة طبقةً بعد طبقة، ويتكوّن معناها في عملية مستمرة من النمو والتأمل.
إنها دعوة للنظر إلى البناء ليس كغاية نهائية، بل كـ رحلة مفتوحة تتكوّن مع مجتمعاتها، تمامًا كما تتكوّن الذاكرة نفسها: ببطء، وبدفء، وبتراكم المعاني.

Exterior view of Ibraaz building showcasing modern architecture and cultural interaction

“برلمان الأشباح”: العمارة كذاكرة حيّة

يفتح نهج إبرااز المجال أمام الأعمال الفنية لتصبح جزءًا من البنية الحيّة للمكان، كما في عمل الفنان الغاني إبراهيم ماهاما المعنون برلمان الأشباح.
يقدّم هذا العمل قراءة تجريبية ومتعددة الطبقات لفكرة الذاكرة والتاريخ، إذ تتحول قاعة الرقص المزخرفة والمبيّضة – المعروفة الآن باسم المجلس – إلى فضاءٍ تسكنه أطياف الأرضيات والرفوف والكراسي الغانية التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية.
من خلال هذا التحوّل، يصبح الفضاء نفسه شاهدًا على تداخل الأزمنة، حيث يستعيد الماضي حضوره في الحاضر عبر الفن.

تجسيد خرائط إفريقيا المتشابكة

تمثّل العروض الافتتاحية لمؤسسة إبرااز امتدادًا رمزيًا لهذه الفكرة، إذ ترسم خرائط معقدة لإفريقيا على مستويات فكرية وثقافية متعددة.
فهي تمتد من جذور Counterspace في جوهانسبرغ، إلى أصول مؤسسة كمال لزّار في تونس، وصولًا إلى الرؤية المستقبلية لمجموعة The Otolith Group المستوحاة من الخيال الإفريقي.
بهذا التداخل، يتحول المشروع إلى شبكة حوار عابرة للحدود تعيد صياغة العلاقة بين الفن والهوية والمكان.

إنتاج ثقافي متجدد واستشراف للمستقبل

يؤكد هذا المشروع التزام إبرااز بفهم الإنتاج الثقافي كممارسة حيّة ومتطورة، لا كمنتج نهائي أو عرض مؤقت.
فهو يكرّم تاريخ التجمعات البشرية بوصفه مصدر إلهام أساسي، وفي الوقت ذاته يتخيّل أشكالًا جديدة للمستقبل تقوم على التعاون، والتجريب، والانفتاح.
إنها رؤية ترى في الثقافة وسيلة لبناء المستقبل عبر استحضار الذاكرة، لا للانفصال عنها.

Exterior view of Ibraaz building showcasing modern architecture and cultural interaction

امتداد عالمي: من جوهانسبرغ إلى لندن

تشعر Counterspace بالفخر لإيجاد موطئ قدم جديد في لندن ضمن فضاء إبرااز.
فالمكان لا يقتصر على كونه مقرًا معماريًا، بل يتيح تجسيد الأفكار والأسئلة الجوهرية لعمل الاستوديو، وتجريبها ومشاركتها مع المجتمع في الزمن الفعلي.

مساحة حوار وتواصل ثقافي

تقول المعمارية سُميَّة فالي:

“تماشيًا مع جذورنا في جوهانسبرغ، يسعدني أن نتمركز في مساحة حوار ومجتمع.
فهذه الأنماط المكانية،  المستوحاة من تونس ولندن، ومن جغرافيات تمتد عبر إفريقيا والعالم العربي،  تحمل في طياتها أصداء الذاكرة الثقافية المشتركة، وتمنح استمرارية تتجاوز الحدود والأزمنة.”

إبداع مستدام وانتماء متجدد

تضيف فالي أن هذا الامتداد الجغرافي يتيح ظهور أشكال جديدة من التجمع، في زمن أصبحت فيه روح التضامن والانتماء ذات معنى عميق وحاسم.
بهذا المعنى، تتحول الفضاءات المعمارية إلى منصة ديناميكية للتفاعل الثقافي والفكري، تربط بين الماضي والحاضر، وبين المجتمعات المحلية والعالمية، وتفتح الطريق أمام تجارب اجتماعية ومعمارية مستمرة.

Exterior view of Ibraaz building showcasing modern architecture and cultural interaction

تحليل ArchUp التحريري

يترك مشروع إبرااز انطباعًا قويًا بفضل رؤيته الطموحة ونهجه التجريبي في دمج العمارة مع التفاعل الاجتماعي والثقافي. يمكن تقدير حرص الفريق على تصميم فضاءات مفتوحة مرنة تُتيح التجربة الحية للمستخدمين وتعيد تعريف العلاقة بين المكان والمجتمع، كما يظهر التداخل الثقافي بين لندن وتونس وإفريقيا في المقاربة البحثية.

مع ذلك، قد يواجه المشروع بعض التحديات في التطبيق العملي على المدى الطويل. فالمفهوم التدريجي والبطيء للتطور، وإن كان فلسفيًا ومرنًا، قد يصعب متابعته أو قياس أثره المباشر، خصوصًا بالنسبة للزوار الذين يفضلون رؤية نتائج ملموسة وواضحة. كذلك، قد يظل التأثير المجتمعي محدودًا إذا لم يتم توسيع نطاق المشاركة إلى جماهير أوسع خارج نطاق الفنانين والمجتمع المباشر للمؤسسة.

بالتالي، يقدّم المشروع تجربة فريدة وغنية بالتجريبية والمرونة، لكنه يظل في بعض جوانبه يحتاج إلى متابعة دقيقة لضمان أن تتحقق أهدافه الثقافية والاجتماعية بشكل مستدام وملموس.



قُدم لكم بكل حب وإخلاص من فريق ArchUp

لا تفوّت فرصة استكشاف المزيد من أخبار معمارية في مجالات الفعاليات المعمارية، و التصميم، عبر موقع ArchUp.

Further Reading from ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *