مشروع في سيول يعيد صياغة العلاقة بين الصوت والطبيعة في الفضاء الحضري
من أرضٍ منسيّة إلى وجهةٍ ثقافية نابضة
على ضفاف نهر الهان في العاصمة الكورية سيول، تبرز جزيرة نودُل كمثالٍ حيٍّ على كيف يمكن لإعادة التصميم المعماري أن تُعيد الحياة إلى الأماكن المنسيّة.
كانت الجزيرة لسنوات طويلة مساحة مهملة وسط المدينة، إلى أن بدأ مشروع طموح يسعى لتحويلها إلى مركزٍ ثقافي يجمع بين الطبيعة والفن والمجتمع.
بداية التحوّل: رؤية توماس هيثرويك
تحت إشراف المعماري البريطاني الشهير توماس هيثرويك، صاحب البصمات المميزة في مشاريع عالمية، انطلقت فكرة إحياء الجزيرة بطريقة تجمع بين الابتكار المعماري والتجربة الإنسانية.
جاءت هذه الرؤية بعد فوزه في مسابقة تصميم عالمية شديدة التنافسية، ما منح المشروع زخمًا دوليًا يعكس اهتمامًا متزايدًا بالمشاريع التي تربط التصميم بالهوية الثقافية.
ولادة مشروع “Soundscape”
في أكتوبر 2025، بدأ فريق Heatherwick Studio رسميًا بتنفيذ مشروع “Soundscape”، الذي يُتوقع أن يُشكّل نقطة تحوّل بارزة في المشهد الثقافي الكوري.
يهدف المشروع إلى خلق مساحة تفاعلية تدمج بين الصوت، الطبيعة، والفن، لتصبح الجزيرة وجهةً للالتقاء الإنساني في زمنٍ يتّسم بالعزلة الرقمية المتزايدة.
من مخزنٍ للنفايات إلى تحفةٍ مدهشة
بداية غير متوقعة
تعود جذور جزيرة نودُل إلى عام 1917، حين أنشأتها الإدارة الاستعمارية اليابانية لأغراضٍ صناعية. وعلى مدى عقود، لم تكن هذه الجزيرة الاصطناعية سوى موقع لتخزين النفايات، مما جعلها رمزًا للإهمال الحضري وحملت لقب “الجزيرة المنسية” في سيول.
عزلة طويلة ونسيان تدريجي
بسبب إغلاقها أمام العامة لسنواتٍ طويلة، تحوّلت الجزيرة إلى مساحةٍ مهجورة خارج الوعي الجمعي للمدينة. ومع مرور الوقت، بدا من الصعب تخيّل أن هذا المكان الصامت يمكن أن يستعيد دوره في النسيج الحضري لسيول.
انطلاقة التحوّل
لكن هذه الصورة تغيّرت مع مبادرة حكومة مدينة سيول لإعادة الحياة إلى الجزيرة. أطلقت الحكومة مسابقة دولية لتصميم مشروع جديد يقدّم رؤية معمارية مبتكرة تربط بين الطبيعة والثقافة.
لحظة الحسم
وبعد عامٍ كامل من المعارض والمشاورات والتصويت العام، فاز مشروع “Soundscape” الذي قدّمه استوديو Heatherwick في مايو 2024، ليُعلن بداية مرحلة جديدة عنوانها الإبداع وإحياء الذاكرة المكانية.

تصميمٌ مستوحى من الصوت والجبال
تناغم بين الطبيعة والفن
يتميّز التصميم الفائز لمشروع “Soundscape” بدمجه الفريد بين الطبيعة الجغرافية لسيول والطابع الموسيقي للمكان. فالفكرة الأساسية تستلهم من تضاريس المدينة الجبلية ومن الأشكال الموجية للصوت، لتنتج تجربة حسّية تجمع بين المشهد البصري والإيقاع السمعي.
لغة الشكل والمعنى
يصف المعماري توماس هيثرويك المشروع بأنه «مسار من الفضاءات الدرامية المتعددة المستويات»، حيث تلتفّ الكتل المعمارية وتنثني كما تفعل الموجات الصوتية في الهواء. هذه الحركة الانسيابية لا تعبّر فقط عن الجمال البصري، بل تُمثّل أيضًا تجسيدًا بصريًا للصوت نفسه.
جزر معلّقة وممشى سماوي
يرتكز التصميم على مجموعة من الجزر العائمة المعلّقة في الهواء، تعمل كنقاط استراحة مرتفعة تمنح الزوار إطلالات بانورامية على أفق سيول.
وترتبط هذه الجزر عبر ممشى سماوي بطول 1.2 كيلومتر، يتيح تجربة سيرٍ تجمع بين الدراما البصرية والتناغم المكاني، في مشهدٍ يبدو وكأنه موسيقى مجسّدة في الفضاء.

وجهة ثقافية لعصرٍ رقمي
الإنسان في مواجهة العزلة الرقمية
في زمنٍ يتزايد فيه الاعتماد على التكنولوجيا وتتراجع فيه الروابط الاجتماعية الحقيقية، يقدّم مشروع “Soundscape” رؤية معمارية تعالج هذه المعضلة من خلال العودة إلى التجربة الإنسانية المباشرة.
يرى توماس هيثرويك أن الحل لمشكلة الوحدة في العصر الرقمي لا يكون عبر المزيد من الشاشات، بل عبر مساحات ملموسة تجمع الناس حول الموسيقى والطبيعة.
فضاءات تجمع بين الإبداع والتجربة
تحوّلت جزيرة نودُل ضمن هذا المشروع إلى مركز ثقافي متكامل يضم طيفًا واسعًا من المرافق الفنية، منها:
- استوديوهات تسجيل احترافية
- قاعات صغيرة للعروض الموسيقية
- مدرج مطلّ على الواجهة المائية
- مركز تجربة خاص بعالم الـ K-pop
هذه المرافق لا تهدف فقط إلى الترفيه، بل إلى خلق بيئة تشجع على التفاعل والإنتاج الفني المشترك.
تجربة صوتية متعددة الحواس
يتجاوز المشروع مفهوم المراكز الثقافية التقليدية عبر عناصر فريدة مثل غرفة عديمة الصدى مخصصة للتجارب الصوتية، ومقهى موسيقي، وحتّى بار كاريوكي، ما يجعل التجربة أقرب إلى رحلة حسّية تتنوّع بين الاستماع والمشاركة.
توازن بين الإنسان والطبيعة
إلى جانب الطابع الفني، يولي المشروع اهتمامًا عميقًا بـ الاستدامة البيئية. إذ يدمج في تصميمه نباتات وحيوانات محلية ويسهم في تعزيز النظم الطبيعية لضفاف نهر الهان.
وهكذا يصبح “Soundscape” أكثر من مجرد وجهة ثقافية؛ إنه محاولة لإعادة التوازن بين الإنسان وبيئته في عالمٍ يتسارع نحو الرقمنة.

✦ تحليل ArchUp التحريري
يُظهر مشروع “Soundscape” قدرة على إعادة استخدام مساحة مهملة وتحويلها إلى فضاء ثقافي قابل للتجربة الحسية، وهو ما يمثل خطوة مفهومية مهمة في ربط العمارة بالموسيقى والطبيعة. ومع ذلك، يظل العديد من عناصر المشروع عرضة للتحديات العملية والتشغيلية. فالتعقيد الهندسي للجزر العائمة والممشى السماوي قد يطرح صعوبات في الصيانة على المدى الطويل، كما أن التكلفة العالية لإدارة المرافق المتنوعة قد تحد من إمكانية الوصول إلى جمهور واسع. كذلك، يبقى تأثير المشروع البيئي والاجتماعي على المدى الطويل غير واضح، خاصة في ما يتعلق بالتفاعل المستدام مع الطبيعة والحفاظ على التوازن بين النشاط الثقافي والحياة المحلية.
قُدم لكم بكل حب وإخلاص من فريق ArchUp
لا تفوّت فرصة استكشاف المزيد من أخبار معمارية، في مجالات الفعاليات المعمارية، و التصميم، عبر موقع ArchUp.