الخطة ب: عندما تتحوّل العمارة إلى ملاذ فكري ونفسي تحت الأرض
الخطة ب: هندسة تحت الأرض لمواجهة المجهول
في أوقات الاضطراب وعدم اليقين، يصبح البحث عن حلول سكنية آمنة ومستدامة ضرورة أكثر من كونه خيارًا. ضمن هذا السياق، ظهر مفهوم “الخطة ب” (Plan B) كأحد النماذج المعمارية التي تعيد تعريف فكرة السكن الآمن والعيش الذاتي بعيدًا عن التهديدات الخارجية.
من فكرة الأمان إلى مساحة متكاملة
تم تصميم “الخطة ب” كمنزل تحت الأرض يقع على عمق 15 مترًا ويمتد على مساحة 2,280 مترًا مربعًا. الفكرة هنا ليست مجرد ملجأ تقليدي، بل نظام متكامل للحياة اليومية، تم تطويره لمواجهة التحديات العالمية مثل الجوائح والكوارث الطبيعية.
تصميم يوازن بين الأمان والوظيفية
من الخارج، يبدو البناء أشبه بمدخل متحف حديث أو منشأة عسكرية، وهو ما يعكس فلسفة التصميم التي توازن بين الموثوقية والجاذبية البصرية. ورغم أن المساحة الظاهرة فوق الأرض لا تتجاوز 172 مترًا مربعًا، إلا أن إمكانية إنشائه في مواقع مختلفة – سواء داخل الغابات أو قرب المباني السكنية – تمنحه مرونة فريدة.
سهولة الوصول وخطط الإخلاء
لزيادة مستوى الأمان، تم تجهيز الهيكل بثلاث مداخل رئيسية، بالإضافة إلى سطح مخصص لهبوط الطائرات المروحية. كما أن حلقة الإخلاء المقاومة للحريق توفر خيارات نجاة سريعة من أي نقطة داخل المبنى، ما يضمن أقصى درجات الحماية للسكان.



الاعتماد على الذات: من البنية إلى الغذاء
أنظمة مستقلة بالكامل
أحد أبرز جوانب الابتكار في مشروع “الخطة ب” هو الاعتماد الكلي على الذات. إذ تم تصميم جميع أنظمة البنية التحتية لتعمل بشكل مستقل عن العالم الخارجي. يشمل ذلك:
- نظام المياه
- الصرف الصحي
- التهوية المغلقة مع استعادة الحرارة
- تنقية الهواء وسحبه من مصادر متعددة
وبهذا، تضمن المنشأة استمرار الحياة بشكل طبيعي حتى في حال تعطلت الأنظمة الأساسية فوق سطح الأرض.
إنتاج الغذاء كمكوّن أساسي
الاعتماد الذاتي لا يقتصر على الماء والهواء فقط، بل يمتد ليشمل إنتاج الغذاء داخل المنشأة.
فقد خُصصت مناطق مخصصة لزراعة الفواكه والخضروات باستخدام تقنيات ضوئية متقدمة (phyto-equipment)، إلى جانب مساحات كبيرة لتخزين المواد الغذائية لفترات طويلة.
الاستمرارية في ظل العزلة
هذه المنظومة الشاملة تُعد استجابة ذكية لفكرة العزلة المفروضة أو الطوعية، إذ تتيح العيش لأسابيع أو حتى شهور دون الاعتماد على أي مصدر خارجي، مما يجعلها نموذجًا معماريًا يواكب تحديات الحاضر والمستقبل.



مساحات داخلية تدمج الوظيفة مع البعد النفسي
تصميم يتجاوز الوظيفة البحتة
البيئات المغلقة تحت الأرض غالبًا ما ترتبط بالشعور بالاختناق أو العزلة، لكن التصميم الداخلي في “الخطة ب” يتحدى هذه الفكرة. فقد تم تطوير الفراغات لتكون أكثر من مجرد مأوى آمن، بل حيز نفسي مريح يراعي الجانب العاطفي والمعنوي للسكان.
الهندسة المعمارية كأداة للتهدئة
تُبرز غرفة النوم الرئيسية هذا التوجه بوضوح، حيث تعتمد على جدران منحنية تميل إلى الشكل الأسطواني، ما يخلق وهمًا بصريًا بالاتساع واللانهاية. هذا النوع من التصميم يقلل من الشعور بالضيق، ويوفر بيئة أكثر هدوءًا واتساعًا، رغم أنها تقع تحت الأرض.
لمسات فنية مقصودة
إلى جانب التكوين المعماري، تم إدماج عناصر فنية تساهم في إثراء الأجواء البصرية والنفسية. تشمل هذه العناصر أعمالًا لفنانين معاصرين مثل KAWS، بالإضافة إلى عناصر تصميمية مبتكرة مثل “سُحب KHMARA” التي تضيف أبعادًا ناعمة ومألوفة إلى البيئة الداخلية.
كل هذه التفاصيل تشير إلى أن التصميم الداخلي لم يكن مجرد تكميل للهيكل، بل عنصر أساسي في توفير تجربة سكنية متكاملة على المستويين النفسي والوظيفي.



التنظيم الداخلي: توازن بين الاستيعاب والخصوصية
سعة مدروسة لاحتياجات جماعية
تم تصميم المنشأة لتستوعب ما بين عائلتين إلى ثلاث عائلات، بالإضافة إلى طاقم العمل، مما يتطلب تقسيمًا وظيفيًا دقيقًا للمساحات. وقد تم تحديد مناطق مخصصة لكل نشاط بشكل مستقل لتجنب التداخل وتحقيق بيئة معيشية منظمة.
رعاية صحية ضمنية
في سياق العيش الذاتي بعيدًا عن الخدمات الخارجية، ضمّنت المنشأة مرافق طبية أساسية تشمل غرفة عزل للحالات الطارئة ومكانًا مخصصًا لتخزين الأدوية، ما يعزز من قدرة السكان على التعامل مع الحالات الصحية دون مغادرة المكان.
أنشطة ترفيهية وراحة نفسية
إلى جانب الجوانب العملية، تم تخصيص مساحات ترفيهية لدعم الصحة النفسية، منها حوض أسماك وغرفة مصممة خصيصًا لنزهات الحيوانات الأليفة. هذه التفاصيل تشير إلى وعي بأهمية التوازن النفسي ضمن بيئة مغلقة.
فصل وظيفي لضمان الكفاءة
أماكن إقامة الطاقم تم توزيعها بشكل استراتيجي ومنفصل عن المناطق العائلية، ما يضمن الخصوصية ويُسهّل أداء المهام اليومية بسلاسة.
فلسفة التصميم: الأولوية للأمان
تلخّص المهندسة الرئيسية، أولها سوبتششنا، رؤية المشروع بعبارة مباشرة:
“الأمان هو الأولوية. كنت أركز في المقام الأول على توفير نوم مريح، ودرجة حرارة مناسبة، وطعام وماء وهواء بجودة عالية. أما الباقي فهو للراحة فقط.”
هذا المبدأ يظهر جليًا في كل تفاصيل التصميم، بدءًا من استخدام الخرسانة المسلحة لضمان المتانة، وصولًا إلى إنشاء أنظمة دعم حياة دقيقة ومستقرة.



ما بعد السكن: إعادة تعريف معنى “المنزل”
تحوّل فلسفي في المفهوم المعماري
“الخطة ب” ليست مجرد مشروع معماري تحت الأرض، بل تمثل نقلة في التفكير نحو الاستعداد الفعّال لمجهول المستقبل، دون أن يُفرض على الإنسان التخلي عن مقومات العيش الكريم. هذا التوجّه يعكس قناعة متزايدة بأن الاستدامة والأمان يمكن أن يترافقا مع الراحة والذوق الجمالي، حتى في أصعب البيئات.
السكن كمساحة للعيش لا للبقاء فقط
على عكس التصورات التقليدية للملاجئ، لا تكتفي هذه المنشأة بتوفير الحماية، بل تخلق بيئة تمكّن العائلات من الاستمرار في العيش والتطور، لا مجرد الصمود. هذه المقاربة تحفّزنا على إعادة النظر في مفهوم “المنزل” في عالم يتغير باستمرار.
العمارة كاستجابة إنسانية
في النهاية، يقف هذا المشروع شاهدًا على قدرة العمارة على أن تكون أداة للاستجابة الإنسانية للتحديات، لا مجرد هيكل صلب يحمي الجسد. فهو يوازن بين المتانة الإنشائية، والحلول التقنية، والاحتياجات النفسية والجمالية للإنسان، ضمن رؤية تكاملية مميزة.




✦ تحليل ArchUp التحريري
يُعد مشروع “الخطة ب” مثالًا جريئًا على كيف يمكن للعمارة أن تستجيب لحالة عدم اليقين العالمي، من خلال حلول تنظر للإنسان ككل: احتياجاته الجسدية، ونفسيته، وحتى علاقته بالزمن والمكان. التصميم لا يفرض نفسه، بل يحاول احتواء المتغيّرات عبر منطق داخلي صارم، ورؤية متكاملة للحياة في عزلة.
لكن من منظور نقدي، قد يظل هذا النموذج، رغم قوته الرمزية، بعيدًا عن إمكانيات التطبيق الواسع. التكاليف، البنية التحتية المعقدة، وخصوصية السياق السياسي والبيئي في أوكرانيا، كلها تحديات تجعل من “الخطة ب” مشروعًا أقرب إلى تصوّر نخبوي أو مثالي، لا يمكن تعميمه بسهولة على شرائح سكانية أوسع.
ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية للمشروع لا تكمن في قابليته للتكرار، بل في كونه مادة للنقاش ودعوة صريحة لإعادة صياغة علاقتنا بمفاهيم مثل “السكن” و”الأمان” و”الاستعداد”، بعيدًا عن الثنائيات التقليدية بين البقاء والراحة.
اكتشف أحدث المعارض والمؤتمرات المعمارية
نقدم في ArchUp تغطية يومية لأبرز الفعاليات المعمارية والفعاليات الدولية والمنتديات الفنية والتصميمية حول العالم.
تابع أهم المسابقات المعمارية, وراجع المنصات الرسمية, وابقَ على اطلاع عبر الأخبار المعمارية الأكثر مصداقية وتحديثًا.
يُعد ArchUp منصة موسوعية تجمع بين الفعاليات وفرص التفاعل المعماري العالمي في مكان واحد.







