«كوسكا» في كوسكو: أربعة مبانٍ من اللبن تدير العلاقة بين العزلة والاشتراك

«كوسكا»… حين يتحول الارتفاع إلى شرط للسكن
عند 3,100 متر فوق سطح البحر، وسط جبال الأنديز القريبة من كوسكو، لا يبدأ التصميم من الكتلة بل من الانقطاع؛ الانقطاع عن إيقاع المدينة وضجيجها. هنا تنشأ فكرة «كوسكا»، الكلمة الكيتشوانية التي تعني «معًا»، لتكون سكنًا أساسيًا لكاتب وحِرَفي، قابلًا في الوقت نفسه لاستقبال ضيوف وفنانين مقيمين بشكل مؤقت. هذا الازدواج بين الإقامة الدائمة والعابرة هو ما يحكم منطق الفراغ منذ اللحظة الأولى، إذ لا يُطلب من المبنى أن يستوعب نمط حياة واحدًا، بل أن يتيح له التبدّل.
الذاكرة الجغرافية كشرط للبناء
الموقع نفسه ليس خلفية محايدة؛ فالقرب من كوسكو، العاصمة القديمة لإمبراطورية الإنكا (تاهوانتينسويو)، يحمّل الأرض إرثًا من العلاقة العميقة بين الفعل الإنشائي والذاكرة والجغرافيا، وهي علاقة أرستها التقاليد الإنكية قبل أن تُستعاد هنا بلغة معاصرة. الارتفاع الشاهق، والانكشاف المباشر على المشهد الجبلي، يفرضان على الساكن وعيًا مستمرًا بموقعه داخل منظومة طبيعية أكبر منه، لا يمكن للفراغ الداخلي أن يتجاهلها أو يغلق عليها الأبواب.
بين الخاص والمشترك: إيقاعات متعددة للسكن
يتوزع المشروع بين مساحات خاصة وأخرى مشتركة، ليس كفصل وظيفي بسيط، بل كأداة لخلق مستويات متفاوتة من الإشغال والتفاعل. هذا التنوع يسمح لكل مقيم، سواء كان الساكن الدائم أو الضيف العابر، أن يختبر علاقة مختلفة مع المكان: تارة في عزلة تتيح التركيز والعمل الحِرَفي أو الكتابي، وتارة في احتكاك جماعي يستدعي معنى الاسم «معًا». وبين هذين القطبين، يبقى التواصل مع المشهد الطبيعي المحيط خيطًا ثابتًا يربط كل هذه الإيقاعات المتباينة ببعضها.
| المعلومة | التفاصيل |
|---|---|
| المعمارِيون | Taller MACAA |
| المساحة | 400 م² |
| العام | 2026 |
| الصور الفوتوغرافية | Rafael Ortiz Santos |
| المعماري الرئيسي | Rafael Ortiz Santos |
| التصنيف | عمارة متعددة الاستخدامات |
| الدولة | بيرو |


أربع كتل، وشبكة من الأفنية تربط بينها
يتوزع «كوسكا» على أربعة مبانٍ متمايزة الوظيفة: «هوجار فلورنسيا» بوصفه المساحة الخاصة، و«دورميس دوناتا» الذي يستوعب ازدواجية الإقامة الدائمة والمؤقتة، و«كينتشو برناردا» كمساحة مشتركة، و«كابانيا فيليسيانا» كوحدة مستقلة. هذه الكتل لا تقف منعزلة عن بعضها، بل تتقاطع بدرجات متفاوتة، بحيث يتحدد مستوى الخصوصية أو الانفتاح بحسب موقع كل كتلة من الأخرى. من هذا التوزيع تنشأ فراغات مفتوحة وشبه مفتوحة، تتولى الأفنية والممرات والأروقة تنظيمها، فتصبح هذه العناصر الوسيطة هي الأداة التي تربط بين مقاييس معمارية مختلفة، وتؤسس علاقة مستمرة بين الداخل والخارج والمشهد الجبلي المحيط.
الكتلة الترابية كمُنظّم حراري
لم يكن المناخ الجبلي المعتدل، بتقلبه بين أمطار صيفية وموسم شتاء جاف، عاملًا هامشيًا في القرار التصميمي، بل وجّه منطق الكتلة الإنشائية نفسها. فجميع المساحات الداخلية وُجّهت لتعمل كخزان حراري: تمتص الحرارة خلال النهار عبر كتلتها، ثم تطلقها تدريجيًا خلال الليل من خلال جدران اللبن، في اللحظة التي تنخفض فيها درجة الحرارة الخارجية بشكل حاد. هذا السلوك الحراري البطيء يجعل من المادة الإنشائية نفسها جزءًا من التجربة اليومية للساكن، لا مجرد غلاف حامل.



اللبن كمادة تحمل كامل المنطق الإنشائي
يظهر اللبن هنا في أقصى إمكاناته كمادة، فهو مركّب بسيط من التراب والماء والقش، لكنه يحمل وزن الكتلة المعمارية بأكملها. جدران بسمك 40 سم ترتكز على أساسات حجرية، وهذا السمك تحديدًا هو ما يمنح كتل «كوسكا» حضورها البنائي الثقيل والمستقر بصريًا. أما السقف فيُبنى بمنطق طبقي متدرج: هيكل من مدادات وعوارض خشبية من الأوكالبتوس، يليه غطاء من القصب مرصوص بعناية، ثم طبقة من التراب تحمل فوقها قرميد السقف. كل طبقة في هذا التكوين تؤدي وظيفة إنشائية أو حرارية محددة، بحيث يصبح السقف نفسه نظامًا مركّبًا لا عنصرًا واحدًا.
عزلة الموقع كأداة لإعادة تعريف السكن
يقف «كوسكا» في عزلة وسط حقول الذرة، بلا اتصال بشبكات الكهرباء أو المياه أو الصرف الصحي التقليدية، وهذا الانفصال عن البنية التحتية المعتادة هو ما يفرض منظومة اكتفاء ذاتي كاملة: طاقة شمسية بنسبة 100%، أنظمة لجمع مياه الأمطار، مرشح حيوي، هاضم حيوي، ومراحيض جافة. هذه القيود المفروضة من الموقع نفسه لا تُقرأ كعائق، بل كأداة تصميمية تدفع نحو نمط عيش أكثر بساطة، حيث تعيد إعادة تفسير العمارة الأندية مبادئها الإنشائية التقليدية وتكيّفها مع شروط معاصرة، دون أن تفقد ارتباطها العميق بالسياق الطبيعي المحيط.


✦ تحليل ArchUp التحريري
يقف «كوسكا» عند نقطة انقطاع فعلية عن الشبكات المؤسسية المعتادة؛ فغياب أي اتصال بالكهرباء أو المياه أو الصرف الصحي ليس معطى مناخيًا عابرًا بل قرار بنيوي يعيد توزيع المسؤولية التشغيلية من الجهة المؤسسية التي تديرها عادة (شركات المرافق، البلديات) إلى الساكن نفسه، الذي يتحول إلى مشغّل دائم لمنظومته الخاصة من الطاقة الشمسية وجمع الأمطار والهضم الحيوي. هذا التحول يكشف عن نمط أوسع يتكرر حين تُستبدل الاعتمادية المؤسسية بمنظومة اكتفاء فردي: العزلة الجغرافية لا تُحلّ المشكلة بقدر ما تنقل عبء صيانتها وكلفتها الزمنية إلى الداخل، إلى جدار اللبن بسمك 40 سم الذي يُطلب منه أن يعمل كخزان حراري يمتص التقلب المناخي بدل أن تمتصه شبكة تكييف مركزية أو بنية تحتية خارجية، وهو منطق يذكّر بما سبق رصده في «Sand Batteries»، حيث تُحمَّل الكتلة الإنشائية وظيفة تخزين الطاقة بدل الشبكة. ازدواجية الإقامة الدائمة والمؤقتة، بدورها، تطرح سؤالًا حول من يتحمل استمرارية هذا الاكتفاء الذاتي حين يتبدل الإشغال: الساكن الدائم الذي يحافظ على المنظومة، أم الضيف العابر الذي يستهلكها دون التزام بصيانتها لاحقًا.






