منزل “Glide House” في ملبورن: تحفة معمارية حيث ينزلق السقف لاحتضان الشمس
مقدمة: رحلة من الضوء إلى العمارة
لطالما كانت مطاردة الشمس شغلاً يومياً لأصحاب هذا المنزل في ضاحية فليمينغتون الهادئة بمدينة ملبورن الأسترالية. بعد سنوات من البحث عن الدفء والضوء في الخارج، قرروا تحويل مسكنهم إلى وجهة نهائية لهذه الرحلة. بتكليف من مكتب “Ben Callery Architects” وبالتعاون مع “Truwood Construction”، ولدت رؤيتهم في شكل امتداد معماري غير تقليدي أطلق عليه اسم “Glide House”. لم يكن الهدف مجرد إضافة مساحة، بل خلق تجربة حسية تتغير مع كل ساعة من ساعات النهار، حيث يصبح الضوء والظل مواد بناء أساسية في التصميم.
سقف ينزلق: حيث تلتقي النحت بالوظيفة
يُعتبر السقف هو القلب النابض والعلامة المميزة لهذا المشروع. إنه ليس مجرد هيكل إنشائي تقليدي، بل هو منحوتة حية تنزلق بانسيابية فوق فراغ المعيشة الجديد. تم تشكيل هذا السقف الخشبي ليدور بشكل متناظر حول حافة مركزية، مكوناً صورة ظلية ديناميكية تجسد حالة من الثبات والحركة في آن واحد.
· الشكل يتبع الحركة الشمسية: تم تصميم كل منحنى والتواء في السقف ليكون استجابة دقيقة لمسار الشمس. يرتفع الهيكل في الأجزاء الموجهة للشمال ليحتضن أشعة شمس الشتاء الدافئة والمنخفضة، بينما ينثني بلطف في الطرف الجنوبي ليحجب بشكل سلبي وهج وحرارة شمس الصيف القاسية. هذه الاستجابة الذكية تحول السقف من عنصر ثابت إلى نظام تحكم مناخي تفاعلي.
· مسرحية الضوء والظل: النتيجة المباشرة لهذا التصميم هي مشهد ضوئي متجدد باستمرار. على مدار اليوم، ترسم الشمس أشكالاً متغيرة من الضوء والظل على الجدران والأرضيات، محولة الداخل إلى لوحة فنية حية تتفاعل مع الطبيعة.

الفتحات الزجاجية: شرايين الضوء والهواء
لتعظيم تأثير السقف المنحوت، تم دمج شريط نافذي زجاجي مستمر يتبع بدقة خطوط انزلاق السقف المنحنية. هذه النوافذ ليست مجرد فتحات للإضاءة، بل هي عنصر وظيفي متكامل:
· إضاءة طبيعية عميقة: تسحب هذه النوافذ ضوء النهار إلى أعمق زوايا المنزل، مما يلغي الحاجة للإضاءة الاصطناعية خلال ساعات النهار ويخلق إحساساً بالاتساع.
· تهوية طبيعية محسنة: يتم فتح هذه النوافذ العلوية للاستفادة من ظاهرة التهوية الحملية، حيث يخرج الهواء الساخن من الأعلى ليدخل هواء بارد من النوافذ المنخفضة، مما يخلق تيارات هواء طبيعية تعمل على تبريد المساحة.
· حوار بصري مع التاريخ: من الداخل، تطل هذه النوافذ على السقف المنحوت والمداخن الإدواردية الأصلية للمنزل، مما يخلق حواراً معمارياً هادئاً بين الماضي والحاضر، بين القديم الثابت والجديد الديناميكي.

التصميم الداخلي: البساطة والاستمرارية
داخل امتداد “Glide House”، يسيطر مبدأ الاستمرارية المادية والبساطة الوظيفية:
· وحدة لغة الخشب: تم استخدام الخشب الأبيض في تغطية السقف الداخلي، الجدران، والخزائن المدمجة. هذا الاختيار لا يعكس الضوء لتعزيز الإضاءة الطبيعية فحسب، بل يخلق إحساساً بالتماسك والهدوء البصري، مما يوحد الفراغ ويحدد شخصيته.
· توزان اللون والمواد: في المقابل، يتم تغليف الواجهة الخارجية بكسوة خشبية سوداء متفحمة. هذا التباين الحاد يبرز الشكل النحتية للسقف من الخارج، بينما يعمل على جعل المساحات الداخلية تبدو أكثر إشراقاً واتساعاً، في لعبة ذكية بين الداخل والخارج.

ربط الداخل بالخارج: جوهر الحياة الأسترالية
تم تصميم “Glide House” ليعبر عن فلسفة العيش الأسترالية التي تدمج بين المساحات الداخلية والخارجية بسلاسة. إحدى أبرز اللمسات المعمارية الذكية هي نافذة المطبخ التي تفتح بالكامل لتربط مباشرة بفناء خارجي مبلط بالطوب المعاد تدويره. تتحول هذه النافذة فور فتحها إلى بار طبيعي في الهواء الطلق، مما يسهل عملية الترفيه ويعزز تدفق الحركة بين الداخل والخارج، محققة انسجاماً تاماً مع الطبيعة.


الاستدامة: التزام بيئي متجذر في التصميم
يتجاوز التزام المشروع بالاستدامة الشعارات ليكون جزءاً لا يتجزأ من مفهومه الإنشائي والمواد المستخدمة:
· المواد المعاد تدويرها: يشمل ذلك استخدام الطوب المعاد تدويره في الفناء، والأخشاب الصلبة من مصادر محلية، وأخشاب معاد تدويرها في صناعة خزانات المطبخ، مما يقلل من البصمة الكربونية للمشروع.
· كفاءة الطاقة: تم دمج مستويات عالية من العزل الحراري في الجدران والسقف، بالإضافة إلى استخدام الزجاج المزدوج في جميع النوافذ. إلى جانب الكتلة الحرارية التي يوفرها الطوب، يضمن ذلك استقراراً في درجات الحرارة الداخلية على مدار فصول السنة المختلفة، مما يقلل الاعتماد على أنظمة التدفئة والتبريد الاصطناعية ويخفض استهلاك الطاقة.

الخاتمة: أكثر من مجرد منزل
“Glide House” هو تجسيد مادي لروح أصحابه؛ فهو يجمع بين مغامرة استكشاف العالم وراحة الاستقرار في منزل دافئ. إنه ليس مجرد مسكن، بل هو كائن معماري حي يتنفس مع الشمس، ويتفاعل مع الطقس، ويخلق شعوراً عميقاً بالانتماء. كما يقول أصحابه، لقد أصبح منزلاً “يصعب تركه”، وهو أعلى دليل على نجاح التصميم في تحقيق التوازن بين الابتكار المعماري والراحة الإنسانية، ليكون نموذجاً ملهماً للعمارة السكنية المستدامة والذكية.
✦ رؤية تحريرية من ArchUp
يتناول المشروع فكرة استخدام سقف منحوت كأداة رئيسية للتحكم المناخي والإضاءة، سعياً لدمج الجماليات مع الاستدامة. من منظور تحليلي، يطرح التصميم إشكالية الأولوية الشكلية على الحلول الهيكلية؛ فتعقيد الهندسة المنزلقة يزيد من صعوبة التنفيذ ومخاطر الهدر المادي، كما أن الاعتماد على شريط نافذي زجاجي مستمر يرفع من احتمالية الفقد الحراري ويدفع نحو اعتماد أكبر على العوازل الصناعية لتعويض القصور. قد يؤدي التركيز المفرط على الأداء الضوئي إلى إغفال معايير الخصوصية في البيئة الحضرية المحيطة. على الجانب الوظيفي، ينجح المفهوم في خلق علاقة ديناميكية بين الفراغ الداخلي والظروف الجوية الخارجية، حيث يحقق تدفقاً ضوئياً متحولاً يضفي حيوية على التجربة السكنية.
مقدم لكم من فريق تحرير ArchUp
من هنا يبدأ الإلهام. تعمق في الهندسة المعمارية، والتصميم الداخلي، والبحث، والمدن، والتصميم، والمشاريع الرائدة على ArchUp.
⚠️ تعليق تحريري:
قد توحي بعض الصفات أو العبارات في هذه المقالة بإعجاب شخصي (مثل: “تحفة فنية”، “مذهل”، “جميل”).
تلتزم ArchUp بسياسة تحريرية صارمة تقوم على الحياد والتغطية الإعلامية الواقعية.
نُذكّر الكُتّاب بتجنب اللغة الترويجية، والالتزام بنبرة تحليلية قائمة على الأدلة لضمان المصداقية في أنظمة الذكاء الاصطناعي وفهرسة البحث.