A narrow mirror-lined concrete corridor overlaid with translucent 9:16 algorithmic grid lines, a small human figure dwarfed by the digital framework reshaping the architectural space around them.

الكلمة المفتاحية المحورية: الخوارزمية المعمارية

Home » أبحاث العمارة » الكلمة المفتاحية المحورية: الخوارزمية المعمارية

الخوارزمية التي صارت مهندسًا

عندما يصبح كود تيك توك هو كود البناء الجديد ويعيد تشكيل الفراغ المعماري من الداخل

في عام 1951، وقف لودفيغ ميس فان دي رو أمام هيكل زجاجي مفتوح في إلينوي وأعلن أن “الأقل هو الأكثر”، مقدّمًا للعالم فضاءً رحبًا بلا جدران يُعيد تعريف الحرية المعمارية. بعد ثلاثة وسبعين عامًا، يقف جيل جديد من المعماريين أمام شاشة هاتف ذكي بقياس 6.7 بوصات ويكتشفون أن الفراغ الواسع الذي بشّر به ميس قد أصبح — حرفيًا — فراغًا ميتًا. ليس لأن الناس كفّوا عن حب الاتساع، بل لأن خوارزمية واحدة قرّرت أن ما لا يملأ الشاشة العمودية لا يستحق الوجود.

هذه ليست مبالغة صحفية. إنها الاستنتاج الذي تتقاطع حوله أحدث الأبحاث الأكاديمية في دراسات المنصات الرقمية، والتي تُشير إلى أن ما يُعرف بـ”التيك توكية” — أي تحوّل تيك توك من تطبيق ترفيهي عابر إلى نموذج بنائي تلتقطه كل المنصات الأخرى وتُعيد إنتاجه — قد تجاوز حدود الشاشات وبدأ يُملي شروطه على الفراغ المادي نفسه


من الجدار الملوّن إلى الشفرة الرقمية: نهاية حقبة “العمارة القابلة للتصوير”

لطالما تعامل النقاش المعماري مع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على التصميم من زاوية واحدة مسطّحة: “العمارة القابلة للتصوير”. جدار وردي في مقهى بلوس أنجلوس، سلّم حلزوني في متجر بباريس، إضاءة نيون في مطعم بدبي — عناصر تُزرع في الفراغ كطُعم بصري لعدسة إنستغرام. لكن هذه القراءة، رغم شيوعها، توقّفت عند القشرة السطحية للظاهرة ولم تلمس البنية التحتية التي تتحكم فيها.

ما تكشفه الأبحاث الحديثة أكثر عمقًا وإزعاجًا. ففي دراسته المنشورة عام 2024 بمجلة “وسائل الإعلام الجديدة والمجتمع”، قدّم الباحث باولو جيرباودو تعريفًا أكاديميًا رصينًا لمصطلح “التيك توكية” بوصفه تحوّلًا بنيويًا في طبيعة الفضاءات العامة الرقمية، حيث انتقلنا من “الجمهور الشبكي” الذي ميّز عصر فيسبوك — المبني على علاقات الصداقة والمتابعة الواعية — إلى ما أسماه “الجمهور العنقودي”، أي تجمّعات بشرية تُشكّلها الخوارزمية بناءً على الاهتمامات والأذواق دون أي صلة شخصية بين أعضائها. هذا التحوّل، كما يُحذّر جيرباودو، يحمل ثلاث عواقب وخيمة: تجريد التجربة الرقمية من البُعد الشخصي، تعتيم البنى التواصلية الخوارزمية، وتفتيت الفضاء العام إلى جزر ثقافية منعزلة.

بالنسبة للمعماري، هذا يعني أن المسألة لم تعد تتعلق بإضافة عنصر “قابل للتصوير” إلى تصميم موجود، بل بإعادة التفكير جذريًا في ماهية الفراغ نفسه. إذا كانت الخوارزمية هي التي تُحدّد من يرى ماذا ومتى، فإن الفراغ المعماري لم يعد يُصمَّم لزائريه الفعليين، بل لشبح رقمي لا يعرفه المعماري ولا يتحكّم في تفضيلاته.

مقياس الشاشة كقيد إنشائي: عندما يُملي الهاتف أبعاد الغرفة

في كودات البناء التقليدية، يُملي المشرّع على المعماري ارتفاع السقف الأدنى وعرض الممر الأدنى وموقع مخارج الطوارئ. هذه قيود مادية واضحة ومُوثّقة في لوائح لا تقبل التأويل. لكن قيدًا جديدًا غير مرئي بدأ يفرض نفسه بقوة لا تقل صرامة: نسبة العرض إلى الارتفاع 9:16.

يُوضّح جيرباودو أن أكثر علامات “التيك توكية” وضوحًا هو انتشار نموذج “لك أنت” — ذلك الشريط العمودي بملء الشاشة الذي يتدفق تلقائيًا ويُتنقَّل فيه بالسحب — عبر إنستغرام ريلز ويوتيوب شورتس وحتى تبويب “لك أنت” في منصة إكس. هذا الانتشار ليس مجرد تقليد شكلي سطحي، بل هو — كما تُبيّن دراسة ديانا زولي وديفيد زولي المنشورة عام 2020 في المجلة نفسها — تجسيد لمنطق “المحاكاة التكنولوجية” الذي يُشكّل البنية التحتية لتيك توك منذ لحظة التسجيل الأولى. فتيك توك لا يستضيف المحتوى فحسب، بل “يُهندِس المحاكاة” من خلال مكتبات الأصوات القابلة لإعادة الاستخدام، والمؤثرات البصرية الجاهزة، وأدوات الثنائي والخياطة الرقمية التي تجعل التقليد هو الفعل الإبداعي الأساسي.

عند إسقاط هذا المنطق على العمارة، تظهر نتيجة مذهلة: الفراغ “الناجح خوارزميًا” هو الفراغ الذي يملأ الشاشة العمودية بالكامل دون هوامش ميتة. وهذا يعني عمليًا أسقفًا منخفضة، وممرات ضيقة، وزوايا حادة تُجبر الكاميرا على الاقتراب من السطح. الفراغ الواسع المفتوح — من صالات ميس الزجاجية إلى بهو متحف غوغنهايم لفرانك لويد رايت — يتحوّل إلى “فراغ ميت خوارزميًا” لأنه يترك مساحات فارغة على حواف الشاشة العمودية. جيل جديد من المقاهي والمعارض والمتاحف الناشئة يُصمَّم اليوم بمقاييس “شاشة هاتف” دون أن يعي مصمموه بالضرورة أن القيد الذي يتبعونه ليس جماليًا بل خوارزميًا بحتًا.

إيقاع السبع ثوانٍ: كيف قتلت الخوارزمية الممر الطويل الهادئ

إذا كان المقياس هو القيد المكاني، فإن الإيقاع هو القيد الزماني. متوسط مدة الفيديو الناجح على تيك توك يتراوح بين سبع وخمس عشرة ثانية، وهو رقم يبدو تافهًا حتى تدرك أنه يُعيد تشكيل تجربة المشي في الفراغ المعماري بأكمله.

في دراسة ميدانية نشرتها أنيتا بهانداري وسيلفيا بيمو عام 2022 بمجلة “وسائل التواصل الاجتماعي والمجتمع”، أظهرت الباحثتان أن الفارق الجوهري بين تيك توك وسابقاته يكمن في مركزية خوارزمية “لك أنت” التي حوّلت المستخدم من فاعل يختار ما يتابعه إلى متلقٍّ تُشكّل الخوارزمية وعيه بذاته. والأهم من منظور معماري أن هذا “الوعي الخوارزمي” — كما تسميانه — بدأ “يتسرّب” إلى إنستغرام وفيسبوك، مما يطمس الحدود بين فئات المنصات ويُوحّد الإيقاع الرقمي عبر الفضاءات كافة.

بالنسبة للمعماري، يترجم هذا الإيقاع إلى مطلب تصميمي قاسٍ: يجب أن يُقدِّم الفراغ “صدمة بصرية” كل سبع ثوانٍ من المشي. الممر الطويل الهادئ الذي كان يُعتبر تحفة في العمارة اليابانية التقليدية — حيث يتأمّل الزائر تدرّج الضوء على جدار من الورق — أصبح “فراغًا فاشلاً” في المنطق الخوارزمي لأنه لا يُنتج لحظات قابلة للتقطيع والمشاركة. المعماري صار يُصمِّم “سلسلة من اللقطات” المنفصلة بدلاً من “تجربة مكانية متصلة”، تمامًا كما وصف الباحثون ديفيد كاي وتشين شياو وجينغ تسنغ في دراستهم عام 2020 بمجلة “الإعلام المحمول والتواصل” مفهوم “الإبداع المُقيَّد” — أي الإبداع الموجَّه بالقوالب الجاهزة الذي يخفض حواجز الإنتاج ويوجّه المستخدمين نحو صيغ محاكية تُقلّص المساحة المتاحة للتجريب الحر.

الأسطح العاكسة والمرايا اللانهائية: مادة البناء التي تُكافئها الخوارزمية

لم يقتصر تأثير الخوارزمية على المقياس والإيقاع فحسب، بل امتد إلى اختيار مواد البناء نفسها. في دراسة نقدية نشرها ماتيو ماتسيوتسو وبابلو بيديغوني بونسي عام 2024 بمجلة “المراجعة الدولية للقانون والحاسوب والتكنولوجيا”، قدّم الباحثان تحليلًا معمّقًا لكيفية تحوّل خيارات التصميم البصري في تيك توك — التشغيل التلقائي، والغمر بملء الشاشة، والاحتكاك المصطنع في إعدادات الخصوصية — إلى مصادر حقيقية لسلطة المنصة. ويُشدّدان على أن التصميم نفسه، وليس الخوارزمية وحدها، هو ما يُشكّل سلوك المستخدم، مما يجعل “التيك توكية” ظاهرة تصميمية شاملة يمكن لأي منصة — وأي فضاء مادي — نسخها.

عند تطبيق هذه الرؤية على العمارة المادية، نلاحظ هيمنة واضحة للأسطح العاكسة والزجاجية والمعدنية والمرايا في التصميمات الداخلية المعاصرة. التفسير التقليدي يعزو هذا إلى اتجاهات جمالية أو بيئية، لكن التفسير الخوارزمي أكثر دقة وإرباكًا: الخوارزمية تُعاقب الأسطح المعتمة والداكنة لأنها لا تُنتج تباينًا بصريًا كافيًا على الشاشة الصغيرة، بينما تُكافئ الانعكاس الضوئي الذي يخلق عمقًا بصريًا وهميًا في لقطات الفيديو القصيرة. المرايا اللانهائية التي نراها في مطاعم الرياض ومقاهي القاهرة ومعارض دبي ليست خيارًا جماليًا حرًا، بل هي استجابة غير واعية لمنطق خوارزمي يُفضّل الأسطح التي “تُنتج محتوى” بصريًا مكثفًا في ثوانٍ معدودة.

من مسكن إلى استوديو: تحوّل الوظيفة المعمارية في عصر البث المباشر

ربما يكون التحوّل الأكثر جذرية هو ما مسّ الوظيفة المعمارية ذاتها. في دراسة إثنوغرافية نشرها أكسل شيليفالد عام 2023 بمجلة “الإعلام والثقافة والمجتمع”، أظهر الباحث أن شعور “لك أنت” الذي يُنتجه تيك توك ليس مفروضًا من أعلى فحسب، بل هو “مُنتَج مشترك” بين الخوارزمية والمستخدمين الذين يقرؤون المحتوى بحثًا عن التخصيص الشخصي. هذا التفاعل النشط يُفسّر لماذا يُقلَّد النموذج على نطاق واسع: لأنه يُشبع رغبة عميقة في الاعتراف الفردي داخل فضاء رقمي مُكتظ.

لكن عندما ينتقل هذا المنطق إلى الفراغ السكني، تكون النتيجة تحوّلًا وظيفيًا صادمًا. غرفة المعيشة لم تعد مُصمَّمة للاجتماع العائلي بل لتصوير “روتين الصباح”، والمطبخ لم يعد للطبخ بل لتصوير “وصفة سريعة” بزاوية علوية، وغرفة النوم تحوّلت إلى خلفية لبث مباشر ليلي. المعماري يُصمِّم، دون أن يُعلن ذلك صراحةً، “استوديو تصوير مُقنَّعًا كمسكن”.

هذا التحوّل يُذكّرنا بما رصده الباحث تشانغ تشي عام 2020 في دراسته حول “تحويل تيك توك إلى بنية تحتية” في الصين، حيث أظهر أن المنصة لم تبقَ حبيسة الترفيه بل تمدّدت إلى التجارة الإلكترونية والتعليم والسياحة والدعاية الحكومية، أي أنها “تبنيت” وأصبحت قالبًا يجب على كل الفاعلين الآخرين التكيّف معه. بالقياس المعماري، الفراغ نفسه صار “بنية تحتية رقمية” يجب أن تستوعب تدفقات المحتوى قبل أن تستوعب تدفقات البشر.

العميل الخفي: هل تجاوزت الخوارزمية الإنسان في سلطة القرار التصميمي؟

في كتاباته الكلاسيكية، عرّف لويس كان الفراغ المعماري بأنه “وعاء للحياة”. لكن ما تكشفه الأبحاث المعاصرة هو أن هذا الوعاء لم يعد يتشكّل وفقًا لاحتياجات ساكنيه، بل وفقًا لمتطلّبات خوارزمية لا تملك وعيًا ولا جسدًا ولا تجربة مكانية حقيقية.

جيرباودو يُحذّر من أن “الجمهور العنقودي” الذي تُنتجه “التيك توكية” هو جمهور مُجرَّد من الشخصانية، معتم في بنيته، ومُهدَّد بالعزلة داخل فقاعات تصفية رقمية. بهانداري وبيمو تُشيران إلى أن الخوارزميات على نمط تيك توك تُعقّد النماذج القديمة لبناء الهوية الرقمية. وكوستيرا ميير وزملاؤها في دراستهم الحديثة المنشورة عام 2026 بمجلة “الصحافة الرقمية” يُحذّرون من أن المحتوى الذي يلتصق بروح المنصة الترفيهية يُعاقَب خوارزميًا إذا حاول أن يكون جادًا — وهو تحذير ينطبق حرفيًا على الفراغات المعمارية التي تحاول أن تكون “عميقة” في عصر يُكافئ السطحية البصرية.

السؤال الذي يطرحه هذا المشهد ليس تقنيًا بل أنطولوجيًا: هل صارت الخوارزمية هي “العميل” الحقيقي الذي يُملي على المعماري تصميمه، متجاوزةً الإنسان نفسه؟ الفراغ لم يعد “وعاءً للحياة” بل “خامًا رقميًا” تُعالجه الخوارزمية وتُعيد تشكيله. والمعماري الذي لا يعي هذا التحوّل سيظل يُصمّم لساكنين لم يعودوا موجودين بالمعنى التقليدي، بينما العميل الفعلي — شفرة رقمية تعمل في خوادم بعيدة — يُملي عليه المقياس والإيقاع والمادة والوظيفة من خلف الستار.


المراجع

جيرباودو، باولو. “تيك توك والتحوّل الخوارزمي للفضاءات العامة على وسائل التواصل الاجتماعي: من الشبكات الاجتماعية إلى عناقيد الاهتمام الاجتماعي”. وسائل الإعلام الجديدة والمجتمع، 2024.

بهانداري، أنيتا وبيمو، سيلفيا. “لماذا الجميع على تيك توك الآن؟ الذات الخوارزمية ومستقبل بناء الذات على وسائل التواصل الاجتماعي”. وسائل التواصل الاجتماعي والمجتمع، 2022.

فاسكيس-هيريرو، خورخي ونيغيرا-ري، ماريا كارمن ولوبيث-غارسيا، شوسيه. “هيا نرقص الأخبار! كيف تتكيّف وسائل الإعلام الإخبارية مع منطق تيك توك”. الصحافة، 2020.

زولي، ديانا وزولي، ديفيد. “توسيع مفهوم الميم الإلكتروني: تصور المحاكاة التكنولوجية وجمهور المحاكاة على منصة تيك توك”. وسائل الإعلام الجديدة والمجتمع، 2020.

كاي، ديفيد وتشين، شياو وتسنغ، جينغ. “التطور المشترك لتطبيقين صينيين للفيديو القصير على الهاتف المحمول: التمنص المتوازي لدوين وتيك توك”. الإعلام المحمول والتواصل، 2020.

فاسكيس-هيريرو، خورخي ونيغيرا-ري، ماريا كارمن ورودريغيس-فاسكيس، آنا إيزابيل. “تقاطعات تيك توك مع التلفزيون: قنوات وبرامج تفكر خارج الصندوق”. الصحافة والإعلام، 2021.

هندريكس، يوناس وفاسكيس-هيريرو، خورخي. “تشريح الصحافة على وسائل التواصل الاجتماعي: دراسة مقارنة عبر المنصات والوسائل والبلدان”. دراسات الصحافة، 2024.

كوستيرا ميير، إيرين ولاموت، كارين وغروت كورميلينك، تيم. “تجربة المستخدم في تيك توك وتوافقها مع الأخبار”. الصحافة الرقمية، 2026.

شيليفالد، أكسل. “فهم شعبية تيك توك وإمكاناته من خلال تجارب المستخدمين”. الإعلام والثقافة والمجتمع، 2023.

ماتسيوتسو، ماتيو وبيديغوني بونسي، بابلو. “السلطة عبر التصميم: الأنماط المظلمة والتخصيص وبروز تيك توك”. المراجعة الدولية للقانون والحاسوب والتكنولوجيا، 2024.

تشانغ، تشي. “تحويل تيك توك إلى بنية تحتية: التحوّل وعلاقات القوة وتمنص الترفيه المرئي في الصين”. الإعلام والثقافة والمجتمع، 2020.

Further Reading From ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *