هندسة الشعور والوعي بالتصميم: كيف يعيد السجال بين روجرز وجيندلين صياغة إدراكنا للفراغ المعماري؟

Home » أبحاث العمارة » هندسة الشعور والوعي بالتصميم: كيف يعيد السجال بين روجرز وجيندلين صياغة إدراكنا للفراغ المعماري؟

قبل أن يستوعب العقل البشري الأبعاد الهندسة لغرفة ما، أو يستكشف مخططًا حضريًا بأدواته التحليلية، تكون أجسادنا قد أصدرت حكمها الفراغي بالفعل. إن الشعور الضمني بـ “الارتياح”، أو “الضيق”، أو “الاتساع” ليس مجرد انطباع عابر، بل هو استجابة حسية وحشوية عميقة للبيئة المحيطة. في منتصف خمسينيات القرن الماضي، شهدت جامعة شيكاغو تعاونًا فكريًا استثنائيًا بين عالم النفس كارل روجرز والفيلسوف والمحتك بالعلاج النفسي يوجين جيندلين؛ تعاون لم يقف عند حدود العيادة النفسية، بل وضع الأساس لما يمكن تسميته اليوم بـ “ظاهراتية التجربة الفراغية”. إن التفاعل بين “العلاج المتمركز حول الشخص” الذي أرساه روجرز، و”منهج التركيز” الذي طوره جيندلين، يقدم للمعمارين والمخططين الحضريين إطارًا تحليليًا عميقًا لفهم كيفية تفاعل الإنسان مع الفراغ المبني، وكيف يمكن لثقافة الاستوديو المعماري أن تتحول من بيئة ضاغطة إلى مساحة محفزة للإبداع الذاتي.


الحاوية المعمارية وتأسيس الأمان الفراغي

تعتمد فلسفة كارل روجرز على أن التغيير والنمو لا يحدثان إلا داخل بيئة محددة بشروط أساسية: التقبل غير المشروط، والتعاطف، والشفافية. عند ترجمة هذه الشروط إلى اللغة المعمارية والتخطيطية، نجد أن الفراغ يعمل كـ “حاوية آمنة”. فكما يحتاج المراجع في العيادة النفسية إلى جو يحميه من التهديد ليتمكن من استكشاف ذاته، يحتاج مستخدم الفراغ المعماري — سواء كان مصممًا داخل استوديو أو ساكنًا في مجمع سكني — إلى بيئة فراغية توفر له الأمان النفسي والفيزيائي.

وقد أوضح الباحث أكيرا إكيمي أن كلا المنهجين يتفقان على أن جودة البيئة المحيطة هي الأساس الأول لكل عملية تحول؛ حيث يرى روجرز أن الموقف الإيجابي والتقبل هما المحركان الرئيسيان للتطور، بينما يرى جيندلين أن العلاقة والبيئة يأتيان في المرتبة الأولى، يليهما الإصغاء، ثم تأتي الأدوات والتقنيات المباشرة. في الممارسة المعمارية، يعني هذا أن التصميم الناجح لا يفرض حلولًا شكلية جاهزة، بل يبتكر “حاوية فراغية” تمنح شاغليها ثقة في قدرة الفراغ على استيعاب احتياجاتهم المتغيرة ودعم إمكاناتهم الذاتية في التكيف والنمو.


من كبت الفراغ إلى تدفق التجربة الجسدية

في مراحله الأولى، تبنى روجرز نموذجًا شبيهًا بـ “الكبت”، افترض فيه أن بعض التجارب الحشوية والجسدية يتم إنكارها أو حجبها عن الوعي لأنها تتصارع مع صورة الذات، وأن وظيفة البيئة هي مساعدة الفرد على دمج هذه التجارب المكبوتة. وبالمقابل، طرح جيندلين ثورة مفهومية راديكالية؛ إذ رفض فكرة الكبت كليًا، واقترح نموذجًا يرى أن الوعي والتجربة هما عملية إبداعية مستمرة وموجّهة للأمام دائمًا.

وقد أشار أكيرا إكيمي إلى أن روجرز كان يميل لرؤية الخبرات الجسدية والحشوية كمصدر تهديد محتمل يحتاج إلى التهدئة والاستيعاب، في حين كان جيندلين يرى أن هذه المشاعر الجسدية — التي أسماها “الشعور المحسوس” — ليست تهديدًا، بل هي تعقيد غني يختزن اتجاهات الحياة القادمة. وفي عالم العمارة، ينعكس هذا الاختلاف في الفارق بين “العمارة الدفاعية” التي تسعى إلى كبح الحركة والحد من التفاوض الحسّي مع المكان، وبين “العمارة الظاهراتية” التي تشجع المستخدم على الاستجابة الجسدية المباشرة مع الخامات، الضوء، الظلال، والتطبيقات الصوتية، مما يحول الفراغ من هيكل جامد إلى عملية تفاعلية حية تتسق مع إيقاع الجسد.


الاستجابة غير الموجهة مقابل التوجيه الفراغي النشط

تظهر نقطة الخلاف الأكثر إثارة بين المنهجين في آلية الممارسة والتدخل. تمسك روجرز بموقف صارم غير موجه، يكتفي بإنعكاس مشاعر الفرد ومتابعته دون فرض أي مسار أو تقنية محددة. في المقابل، وعلى الرغم من إيمان جيندلين بأسبقية العلاقة البيئية، فإنه طور أدوات توجيهية نشطة تهدف إلى مساعدة الفرد على الانتباه المباشر لاستجاباته الجسدية.

وفي هذا السياق، أوضح نيل فريدمان أن ممارسة جيندلين تضمنت دعوات صريحة للتركيز الحسي، بل واستخدام تقنيات أكثر توجيهًا مثل لعب الأدوار أو حتى إعطاء تعليمات بالابتعاد عن التركيز عندما يصبح ذلك غير منتج. وعلى مستوى التصميم الحضري والمعماري، يمثل هذا السجال الفارق بين المخططات الفراغية مفتوحة النهاية التي تترك للمستخدم حرية كاملة في التأويل واستغلال المكان دون توجيه صريح، وبين “التوجيه الفراغي الذكي” الذي يستخدم الملمس، وتغير مناسيب الأرضيات، وتباين الإضاءة لإرسال إشارات فراغية خفية تحث الجسد على التوقف، أو التأمل، أو الحركة بأسلوب يعزز الإدراك الحسي للمكان.


ديناميكية التوافق والظاهراتية في بيئة التصميم

لم يكن التوافق بالنسبة لجيندلين حالة شخصية ثابتة، بل حالة تجريبية ديناميكية تتشكل لحظة بلحظة في إطار التفاعل بين الفرد وبيئته. وكما أوضحت سوَتي جرافاناكي، فإن التوافق لا يمكن أن يوجد في عزلة، بل ينشأ دائمًا في علاقة تفاعلية مع الآخر والبيئة. وهذا يتسق مع الجذور الفلسفية لجيندلين الممتدة في الظاهراتية لدى هيدجر وهوسرل، حيث لا يمكن فصل الجسد عن بيئته.

وقد وسّع جريج ماديسون هذا المفهوم مبينًا أن الجسد هو دائمًا عملية تفاعل بين الجسد والبيئة، مما يعني أن الوجود الفيزيائي للمصمم أو الساكن هو جزء أصيل من الفراغ نفسه. وفي بيئات التعليم والمعمار، كاستوديوهات التصميم في الكليات والمكاتب الهندسية، يعني هذا التوافق الديناميكي أن جودة الفراغ لا تقاس فقط بمخططاته الهندسية، بل بمدى قدرته على إحداث تناغم حيوي بين أجساد شاغليه والخصائص المادية للمكان، مما يقلل من حالة الإجهاد والتشتت الحسّي.


“النقلة الحسية” ولحظات كشف الحلول المعمارية

في كل عمل معماري أو بحثي، يمر المصمم بلحظة استعصاء إبداعي، تعقبها فجأة “لحظة انفراج فراغي” يدرك فيها بوضوح الحل الأمثل للكتلة أو التوزيع الفراغي. هذه اللحظة هي ما أطلق عليه جيندلين “النقلة الحسية”، وهي الخطوة التجريبية التي يشعر بها الجسد كارتياح وإحساس بالتدفق نحو الأمام.

وقد لاحظ روجرز هذا المفهوم مبكرًا في أبحاثه عام 1951، واصفًا إياه بأنه خبرة محشرة ومحررة تتكرر لدى الأفراد بشكل متشابه، كما بيّن أكيرا إكيمي. غير أن جيندلين طور هذا الاكتشاف ليصبح أداة عمل مركزية. وأكدت ماري هيندريكس أن قياس طريقة الخبرة الحسية للأفراد أثبت أن النجاح لا يعتمد على المحتوى المعرفي أو الشكلي المجرد، بل على كيفية تفاعل الجسد مع المشكلة وإيجاد الحلول من خلال الخبرة الضمنية. وفي سياق العملية التصميمية، تمثل هذه “النقلة الحسية” تلك اللحظة التي ينتقل فيها المعماري من التحليل النظري الجاف إلى إدراك حسي متكامل يحل المعضلة المعمارية ككُل متماسك.

وقد لخص أرثر بوهارت هذا التكامل بتشبيه الأساليب المتنوعة داخل المدرسية المتمركزة حول الذات بـ “المجموعة المرنة” التي تتشارك خصائص عائلية واحدة، مشيرًا إلى أن دمج هذه المفاهيم يثري الممارسة العملية دون التخلي عن الأصل الفكري؛ حيث يوفر بيئة حاضنة تتيح للإدراك الفراغي والجسدي أن يوجه العملية الإبداعية بنجاح.


المراجع

  • أكيرا إكيمي. “كارل روجرز ويوجين جيندلين حول الشعور الجسدي المحسوس: أوجة الشبه والاختلاف”. مجلة العلاجات النفسية المتمركزة حول الشخص والتجريبية، 2005.
  • نيل فريدمان. “نظرية يوجين جيندلين وممارسته في العلاج النفسي: رؤية شخصية”. مجلة العلاجات النفسية المتمركزة حول الشخص والتجريبية، 2003.
  • جريج ماديسون. “التركيز على الوجود: خمسة أبعاد للنموذج التجريبي-الوجودي”. مجلة العلاجات النفسية المتمركزة حول الشخص والتجريبية، 2010.
  • أرثر بوهارت. “هل يمكنك أن تكون تكاملياً ومعالجاً متمركزاً حول الشخص في الوقت نفسه؟”. مجلة العلاجات النفسية المتمركزة حول الشخص والتجريبية، 2012.
  • أكيرا إكيمي. “الأثر الراديكالي للتجربة على نظرية العلاج النفسي: فحص نوعين من التقاطع”. مجلة العلاجات النفسية المتمركزة حول الشخص والتجريبية، 2017.
  • هانس سويلدينز. “من أين أتينا وإلى أين نذهب؟ تطور العلاج النفسي المتمركز حول الشخص”. مجلة العلاجات النفسية المتمركزة حول الشخص والتجريبية، 2002.
  • أرثر بوهارت. “تأمل في طبيعة الشفاء الذاتي وتغير الشخصية في العلاج النفسي بناءً على نظرية جيندلين في التجربة”. مجلة العالم النفسي الإنساني، 2001.
  • سوَتي جرافاناكي. “تجربة التوافق وعدم التوافق”. مجلة العلاجات النفسية المتمركزة حول الشخص والتجريبية، 2013.
  • ماري هيندريكس. “العلاج النفسي التجريبي القائم على التركيز: كيف نطبقه”. المجلة الأمريكية للعلاج النفسي، 2007.

Further Reading From ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *